ارشيف من : 2005-2008
سقوط شيراك..
ثالثة"
أحد المحللين الذين دافعوا عن جاك شيراك في وجه منتقديه الذين يستقوون عليه بهزال منجزاته أو بالنتائج السلبية لاثني عشر عاماً أمضاها في حكم فرنسا، دافع عنه بالقول: انه وضع في صلب اهتمامه مسألة الدفاع عن القيم الجمهورية، كالوحدة الوطنية والدفاع عن العلمانية. لكن ذلك المحلل أهمل أهم الوقائع التي ألقت بظلها الثقيل على الحياة السياسية الفرنسية خلال حملة الانتخابات الرئاسية التي شهدتها الشهور الأخيرة: نفاد صبر الفرنسيين وهم ينتظرون قرار شيراك بالترشح أو عدم الترشح لولاية ثالثة، وما أعقب ذلك من ارتياح ساد أوساط الخصوم والمحبين على السواء، عندما قرر شيراك أخيراً عدم الطلب إلى الفرنسيين أن "يمنحوه أصواتهم لولاية ثالثة".
ولاية لا مجال للريب بأنها كانت، خصوصاً خلال الأشهر الأخيرة، تدغدغ أحلام شيراك بالتزاحم مع الخوف لا من الفشل، بل من الفشل المهين، خصوصاً بعد الانتصار المجلجل الذي أحرزه عام 2002 عندما حاز 82 في المئة من أصوات الفرنسيين في سابقة لم تفرضها كفاءات شيراك بقدر ما فرضها تزاحم الضرورات الناشئة عن الخطر الذي شكله صعود الجبهة الوطنية بقيادة جان ماري لوبين، في ظروف تشرذم معسكري اليمين واليسار على السواء، وتعدد المتنافسين على منصب الرئاسة. وإذا كانت جميع الأطراف قد اتفقت على القول بأن صفحة جديدة في تاريخ فرنسا قد فُتحت مع كلمة الخروج من معترك التنافس الرئاسي التي ألقاها شيراك مساء الأحد الماضي (11/3/2007)، فإن القول ممكن بأن تلك الصفحة هي أيضاً صفحة الخروج مما يمكن أن نسميه، خلافاً للقيم الجمهورية التي نادراً ما تسمح لرئيس أو حاكم بأن يمضي فترة حكم واحدة بخير وسلام في ظل مشقات الحكم في عالم اليوم، بـ"الحلم الامبراطوري لجاك شيراك"، لأن الولاية الثالثة قد تنفتح على رابعة وخامسة، وعلى حكم مدى الحياة، على غرار ما شهدناه مع يوليوس قيصر، وتحديداً مع نابليون بونابرت الذي أعلن نفسه امبراطوراً على فرنسا (وبالتالي على أوروبا التي كان قد بدأ توحيدها بالقوة العسكرية)، قبل أن تجف دماء عشرات الألوف من أولئك الذين قُتلوا خلال الثورة الفرنسية من أجل إرساء الجمهورية.
واللافت أن الحلم الامبراطوري المتلاشي ظل يتراءى حتى في كلمة شيراك الأخيرة التي أخذت شكل خارطة طريق نحو مستقبل فرنسا، أو بتعبير آخر شكل "تعهدات" و"وصايا" يحاول شيراك أن يستمر من خلالها في حكم فرنسا، حتى من خارج الحكم.. "سأواصل خوض المعارك بشكل مختلف من أجل العدالة والتقدم والسلم وعظمة فرنسا.. لا تسايروا التطرف والعنصرية والعداء للسامية ورفض الآخر".. واللافت أيضاً أن هذا القفز "الخطابي" إلى المستقبل جاء بديلاً لا يغني ولا يسمن عما يفترض برئيس أن يفعله بعد كل هذه المدة التي أمضاها في الحكم، أي عن وقفة مطلوبة يستعرض فيها ما حققه من إنجازات في الماضي. لكن شيراك لم يفعل شيئاً من ذلك، مكتفياً بالكلام عن "فرنسا الرائعة التي أحبها.. وعن النموذج الفرنسي والعمل والإبداع والحوار والتسامح والاحترام المتبادل بين الشر والثقافات". وإلى ذلك تحدث بعض مؤيديه عن صدقه وثقته بالمستقبل وعفته وإنسانيته واهتمامه بالشأنين الاجتماعي والأوروبي.
لكن الخصوم أبرزوا ما يخالف ذلك.. فرانسوا بايرو مرشح حزب الاتحاد من أجل الديمقراطية الفرنسية (يمين الوسط)، خلط السم بالدسم عندما قال إن كلمة شيراك التي أعلن فيها عدم ترشحه كانت جيدة جداً وجديرة برئيس انتهت ولايته. سيغولين رويال مرشحة الاشتراكيين، تحدثت عن غضب عميق عند الشعب الفرنسي، وعن انتظار يائس لشيء لم يأتِ.
الأمين الأول للحزب الاشتراكي فرنسوا هولند، اعتبر أن المحصلة السلبية لسنوات شيراك الطويلة في الحكم لا تؤهله للتطلع إلى ولاية ثالثة. الشيوعي جان ماري بوفيه أثنى على كلام شيراك حول العنصرية واللاسامية، لكنه أكد أن سنوات حكمه كانت قاسية على فرنسا، لجهة تفاقم البطالة والتلاعب بأرقام الإحصاءات، وارتفاع منسوب الفقر وتدنّي القدرة الشرائية وتراجع الحماية الاجتماعية. مرشح الجماعة الشيوعية الثورية أوليفييه بيزنسونو، تحدث من جهته عن محصلة كارثية لاثني عشر عاماً من الكذب والفضائح، لا سيما تلك التي أحاطت بانتخابه لرئاسة بلدية باريس، معتبراً أنه لم يعد الآن فوق القانون، ومطالباً بإحالته على العدالة. يان مهرلينغ الناطق باسم الخضر، تحدث عن "خلاص" فرنسا بعد 42 عاماً من حياة شيراك السياسية التي اختتمها بعقم وجوده في الإليزيه طيلة 12 عاماً، فاقم خلالها أزمة البيئة، وخان فيها شعار القضاء على التصدع الاجتماعي الذي حمله إلى السلطة، بأن جعل هذا التصدع أكثر حدّة من ذي قبل.
لكن الهجوم الأكبر جاء من طرف جان ماري لوبين الذي اعتبر شيراك أسوأ رئيس في تاريخ فرنسا، وأن الإفلاس هو محصلة حكمه، وأنه كان رمز الفساد.. مؤكداً أن جميع أعضاء أكثريته قد تبرأوا من فعاله، لافتاً إلى ضرورة أن يقدم حسابه أمام القضاء. والمعروف في هذا المجال، أن آلان جوبيه أحد أبرز قياديي حزب التجمع من أجل الديمقراطية الذي يرأسه شيراك، كان قد أدين في عدد من قضايا الفساد المرتبطة بتمويل الحزب يوم كان شيراك رئيساً لبلدية باريس، وأن شيراك نفسه لم يتعرض للملاحقة بفضل حصانته الدستورية.
وهنالك العديد من الأصوات التي تطالب حالياً بملاحقة شيراك قضائياً، الأمر الذي يكون مفجعاً وخاتمة تعيسة لمسار شيراك السياسي.. مسار يظل أبرز مؤشرات الفشل فيه عجز فرنسا في ظل شيراك، عن الاحتفاظ بموقعها وسمعتها في الشرق الأوسط، والتصويت السلبي على الدستور الأوروبي، وتفاقم الأزمة الاجتماعية، وإخفاق مساعي التدامج مع تفجر ثورة الضواحي نتيجة المواقف الرسمية "العنصرية" تجاه المهاجرين والمواطنين العرب والمسلمين. وأخيراً فإن اللعنات التي وجهها شيراك الى العنصرية ودعوته إلى التسامح واحترام الآخر، تظل قاصرة عن أن تمحو من سجله العدلي كلمته الشهيرة التي قال فيها عام 91، يوم كان قائد المعارضة ورئيس بلدية باريس: "نحن لا نرفض الأجانب، ولكننا نعاني من جرعة سامّة (آفردوز) منهم.. كيف لا تريدون للعامل الفرنسي (...) وهو يرى في الشقة المجاورة ربّ عائلة مكونة من أب وثلاث أو أربع زوجات وحوالى عشرين طفلاً، ويقبض 50 ألف فرنك على شكل مساعدات اجتماعية، أن لا يقوم بأي عمل؟ وأضيفوا إلى ذلك الضجيج والروائح الكريهة! وهذا لا يعني أننا نتكلم بطريقة عنصرية"!
عقيل الشيخ حسين
الانتقاد/ دوليات ـ العدد1206 ـ 16 آذار/مارس 2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018