ارشيف من : 2005-2008

رمز آخر لمواجهة الاحتلال:الخرّوبة.. مقر مجلس قرية العقبة

رمز آخر لمواجهة الاحتلال:الخرّوبة.. مقر مجلس قرية العقبة

"طوباس" الشرقية، في استنباط كل أشكال التحدي والصمود في معركة المواجهة، من أجل البقاء والحفاظ على ما تبقى من ارض بعدما اغتصبت قوات الاحتلال السواد الأكبر من أراضيهم.‏

هذا ما يقوله الحاج سامي صادق رئيس المجلس القروي الذي يؤكد أنه فُرضت على أبناء القرية أقسى الإجراءات التعسفية التي قيدتهم وشلت حركتهم وحرمتهم حتى من البناء، في وقت توسعت فيه المستوطنات والمعسكرات المجاورة، وزُوّدت بفعل الميزانيات الضخمة بكل احتياجاتها، بينما ما زال أهالي القرية الفلسطينية يعيشون في ظروف مأساوية لا تختلف كثيرا عن العصور الوسطى.‏

البناء ممنوع‏

أحد أهم الإبداعات والانجازات التي يتفاخر بها أهالي العقبة, كان إقامة مقر للمجلس القروي تحت شجرة الخرّوبة الشهيرة، بعدما منعتهم قوات الاحتلال كما يقول الحاج صادق، طوال السنوات الماضية من تشييد مبنى للمجلس, "لأن البناء في المنظور الاسرائيلي خطر كبير على الأمن.. فحظرت علينا البناء والتوسع برغم تزايد الكثافة السكانية، وفرضت على القرية رقابة مشددة بحيث لا تتوقف الحملات الاسرائيلية الهادفة لفرض الإرادة وحرمان الاهالي من أبسط حقوقهم. بل مؤخرا أصدرت سلسلة قرارات جديدة لهدم منشآت ومبانٍ، ومنها مسجد وعيادة القرية والروضة الوحيدة فيها، كجزء من مخطط القضاء على الوجود والحياة الفلسطينية".‏

الفكرة تبلورت يقول الحاج سامي عندما قررت وزارة الحكم المحلي عام 1997 تشكيل اول مجلس قروي في القرية المحاصرة والمستهدفة، التي يعتبر فيها البناء مخالفة خطيرة للقانون الاسرائيلي. ولأن المجلس تقع على عاتقه حل مشاكل الاهالي وتوفير الخدمات الرئيسية من بناء وشوارع ومياه وكهرباء، كان من الطبيعي ان يتوافر له مقر لرسم الاستراتيجيات وتنفيذ المشاريع، و"لكن قوات الاحتلال التي ترفض منذ عشرين عاما إصدار رخصة بناء واحدة في القرية، رفضت السماح لنا بتشييد مبنى للمجلس القروي".‏

نقطة الانطلاق‏

ولأن التأخير كان ـ كما يقول الحاج صادق ـ يعني فشل المجلس وحرمان القرية من احتياجاتها، قررنا التحرك بعدما طرح احد الاعضاء فكرة عقد جلسات المجلس تحت أقدم أشجار القرية "الخروبة"، التي تمتد جذورها في تاريخ المنطقة الفلسطينية مهما حاول الاحتلال تهويدها ومسح وجودنا منها. ويضيف: "تجمعنا ونجحنا في وضع الخطط والاهداف، وشكلت الخرّوبة حاضنة لنا، فقررنا ان تكون ظلالها وأغصانها منطلق اجتماعاتنا ونقطة البداية في مخطط المواجهة مع الاحتلال، برغم مخاوفنا من أن تكون الخرّوبة هدف الاحتلال القادم.. فمن الممكن ان يصدر قرار باقتلاعها، لأن الاجتماع تحتها من الممكن ان يكون خطرا على الأمن الاسرائيلي".‏

تجاوز أعضاء المجلس مخاوفهم وسارعوا كما يقول صادق لتهيئة الخرّوبة لتكون مقرا دائما لاجتماعاتهم واستضافة الوفود المحلية والأجنبية التي تزور القرية، وبفضل مساعدة وتشجيع الأهالي قاموا ببناء ساحة دائرية حول الخرّوبة، المقر الجديد لمجلسهم، وأضافوا مقاعد أسمنتية ووضعوا لافتة في الموقع كُتب عليها اسم المجلس التابع لوزارة الحكم المحلي في السلطة الوطنية. وتكررت اجتماعاتهم واللقاءات، بحيث أصبحت الخرّوبة تشكل مدلولا رمزيا لصمود اهالي القرية في وجه الاحتلال الذي أصدر مؤخرا قرارا جديدا بهدم (19) منشأة فيها.‏

الصدام التاريخي‏

وتعيش قرية العقبة كما يقول محمد حسن من لجان الدفاع عن الأغوار، منذ عشرات السنين حالة تصادم مستمر مع الاحتلال الذي كانت أهم مخططاته التركيز على الاستيلاء على أراضي القرية وحصارها، تمهيدا لمسح الوجود الفلسطيني منها. ولكن بفضل صلابة وتماسك الأهالي وإصرارهم على الصمود والتمسك بأراضيهم تمكنوا من الصمود برغم الحصار المشدد والزحف الاحتلالي في شقين: استيطاني أدى لنهب مساحات واسعة من اراضي القرية، وآخر هو عبارة عن إغلاق مساحات واسعة مما تبقى من الاراضي بذريعة اقامة التدريبات العسكرية في المنطقة التي زُرعت حولها الألغام وحرم أصحابها من الزراعة فيها او رعاية ماشيتهم.‏

المقر الدائم‏

تلك الخرّوبة يقول الحاج سامي هي أقدم من وجودنا حتى في القرية، ونحن نفخر بأنها أصبحت مقرا لنا ولنشاطاتنا، ولإصرارنا على العمل والبناء والحياة برغم ما يمارسه الاحتلال بحقنا. ويضيف: "لسنا بحاجة لمكاتب ومكيفات وهواتف، فأنا أدير بنجاح مع زملائي من تحت هذه الظلال القرية، وأقود المجلس القروي.. وهنا تنعقد اجتماعاتنا برغم الغرابة التي تبديها الوفود الزائرة، ولكن شجرة الخرّوبة شاهدة على عدة اتفاقيات ومشاريع وُقعت تحتها".‏

وكزملائه في المجالس القروية يباشر الحاج صادق مهام عمله يوميا تحت الخرّوبة التي أصبحت عنوانا لكل من يقصد المجلس القروي. يقول: يوميا لنا جدول أعمال حافل، ألتقي أعضاء المجلس الستة لنوزع المهام ونرتب خطة العمل في هذا الهواء الطلق، حتى أصبحنا على ثقة بأن العمل لا يحتاج لمكاتب، بل يمكن ان نخطط ونعمل تحت الخرّوبة، وقد وضعنا "اليافطة" التي تشير الى وجود المجلس كرسالة تحدٍّ للاحتلال، لنؤكد له وللعالم ان الارادة أقوى من قوانينه، وأنه يمكن له ان يمنعنا من البناء، ولكن لن يكبل إرادتنا وإصرارنا على خدمة ابناء قريتنا، حتى لو كنا تحت خرّوبة، فهي جزء من تاريخنا وتراثنا ومعركتنا المستمرة من أجل البقاء مع هذا المحتل الذي هددنا مؤخرا، بل وأصدر قرارا بهدم المسجد الوحيد والعيادة والروضة الوحيدة، لأنه لا يريد ان يرى أي وجه للحياة في القرية التي أصبحت شوكة في حلقه.‏

وفي كثير من الأحيان ينضم أهالي القرية الى جلسات المجلس المفتوحة دوما ـ يقول صادق ـ لإبداء الرأي, ولم يعد الأهالي يخجلون من اقامة مجلسهم القروي على نمط مختلف عن السائد في العالم.. فنحن نعمل خلية واحدة من أجل الأفضل للأهالي الذين لا يجدون صعوبة او مشقة في الوصول الى رئيس مجلسهم، برغم معاناته من الإعاقة وعدم إمكانية تحركه دون كرسي كهربائي.. ولكن العنوان أصبح معروفا حتى للأهالي في القرى المجاورة والوفود والبعثات الأجنبية التي قدمت عدة مشاريع للعقبة، برغم أننا المجلس الوحيد في هذا العالم الذي ندير مجلسنا على هذه الشاكلة، ولكن ذلك لم يمنع عدة مؤسسات دولية من الوقوف معنا ومساعدتنا.‏

كثيرة هي المشاريع التي وُقعت تحت الخرّوبة، يقول صادق، وآخرها كان مشروعا بلجيكيا وُقع مع ممثلي هذه السفارة لبناء غرف صفّية جديدة لطلابنا، ومظلات واقية لهم. وعندما نوجه دعوة لأحد نذكر ان عنوان المجلس هو "خرّوبة العقبة" التي أصبحت جزءا من ثقافتنا وحياتنا، ورمز مواجهتنا لهذا المحتل.‏

الانتقاد/ تحقيقات ـ العدد1206 ـ 16 آذار/مارس 2007‏

2007-03-15