ارشيف من : 2005-2008

على ضوء اقرار أولمرت بالتخطيط المسبق للعدوان على لبنان:الجيش الاسرائيلي استعد للفشل وخيّب حلفاءه

على ضوء اقرار أولمرت بالتخطيط المسبق للعدوان على لبنان:الجيش الاسرائيلي استعد للفشل وخيّب حلفاءه

أحدث إقرار رئيس وزراء كيان العدو ايهود أولمرت أمام لجنة فينوغراد، بأن "إسرائيل" اتخذت قرار الحرب على لبنان وخططت لها قبل أربعة اشهر على اندلاعها، صدمة في الوسطين السياسي والعسكري الإسرائيليين، وخاصة انه اسقط مقولات واثبت اخرى، فضلا عن انه أدى إلى ردود فعل متباينة داخل المؤسسة العسكرية، بين نافٍ ومؤكد ومستشعر بأن فشل الجيش الإسرائيلي كان اكثر خطورة مما تصوره القادة والرأي العام.‏

على ضوء اقرار أولمرت بالتخطيط المسبق للعدوان على لبنان:الجيش الاسرائيلي استعد للفشل وخيّب حلفاءه

ولم يكن اقرار اولمرت بأن التخطيط للحرب على لبنان تم في شهر اذار/ مارس 2006، الوحيد الذي تضمنه كشف صحيفة هآرتس، اذ اقترن ايضا بجملة امور منها، حديثه عن خطط عسكرية جاهزة عرضها الجيش عليه واختار من بينها ما اسماه الخيار الوسطي، وطلب الولايات المتحدة من "اسرائيل" تقييد حربها بما يحافظ على حكومة فؤاد السنيورة، اضافة الى تقدير رئيس اركان الجيش انذاك، دان حالوتس بأن اي عملية اسر قد يقدم عليها حزب الله ستكون تداعياتها على منظومة الردع الاسرائيلية خطيرة جدا.‏

ما تقدم يفرض التوقف عند كل من النقاط المشار اليها واستخراج ما تنطوي عليه من معان وابعاد.‏

لا شك ان إقرار أولمرت يمثل إضافة أساسية في المعطيات التي تساهم في بلورة رؤية ادق واوضح لحرب تموز، كما يؤكد دقة الرؤية التي أعلن عنها قادة المقاومة مرارا بأن الحرب كان مخططا لها مسبقا، وعدم صحة النظرة التي اعتبرتها وليدة تنفيذ عملية محدودة تستهدف اسر جنود اسرائيليين لتحرير المعتقلين اللبنانيين.‏

أيضاً، لا تقتصر ابعاد اقرار اولمرت بكونه أماط اللثام عن صحة رؤية وخطأ اخرى، وانما اسقط ايضا الأساس الذي استندت إليه العديد من الجهات السياسية اللبنانية المتمثلة بقوى السلطة، وحاولت من خلاله، تأليب الجمهور اللبناني والعربي على المقاومة عبر تحميلها مسؤولية العدوان الإسرائيلي الأميركي على لبنان، إذ اتضح بشكل قاطع ان قرار العدوان لم يكن له اي صلة بتوقيت عملية الأسر التي نفذها مجاهدو حزب الله، من جهة انها اتت في أعقاب عملية اسر سابقة نفذها رجال المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة، وهو ما جعلها، بحسب هذا الافتراض في وضع محشور، وبالتالي لم يكن بإمكانها تحمل ضربتين متتاليتين من هذا النوع. والدليل على ذلك ان قرار العدوان على لبنان، وفقا لإقرار اولمرت، قد اتخذ في شهر اذار/ مارس 2006، بينما نفذت عملية الوهم المتبدد التي ادت الى اسر الجندي غلعاد شاليط في 25 حزيران/ يونيو. وبالتالي فإن المدة الفاصلة بين قرار الحرب وعملية اسر الجندي في غزة، حوالى ثلاثة اشهر.‏

يُضاف الى ذلك ان اقرار اولمرت بالتخطيط للحرب مسبقا يؤكد أن الاعتبارات السياسية كانت هي الحاكمة في اتخاذ القرار، كما هي حال اي قرار هجومي او انكفائي يتخذه العدو في اعقاب اي تطور سياسي او ميداني. كيف وأن القرار الذي نتحدث عنه يتصل بحرب شاملة على لبنان، مع ما لها من نتائج وتداعيات عسكرية واقتصادية وسياسية محلية واقليمية ودولية، وتغيير في موازين قوى محلية واقليمية.‏

وما يعزز هذه الرؤية هو ما نقلته صحيفة هآرتس عن ان اولمرت حدد في نقاشات سابقة بأن الهدف السياسي للعملية العسكرية في لبنان سيكون تنفيذ قرار مجلس الأمن الرقم 1559، الذي يتضمن... بحسب الصحيفة، نزع سلاح حزب الله.‏

يُضاف الى ما تقدم ان شعبة الاستخبارات العسكرية الاسرائيلية، امان، اعلنت مطلع عام 2006، على لسان رئيسها اللواء عاموس يادلين، بأن الرهان على نزع سلاح حزب الله من خلال المسار السياسي الداخلي اللبناني، المدعوم دوليا، قد تبدد وبدأت مرحلة اخرى ترتكز الى هذا فشل هذا الرهان، وهو ما يفترض في السياق الطبيعي للأحداث محاولة اللجوء الى اساليب اخرى لتحقيق هذا الهدف (نزع سلاح حزب الله) في حال توافرها. ومن هنا اصبح بالامكان الجزم أن الحديث عن الخلفيات والاهداف السياسية للحرب لم يكن مجرد وجهة نظر، وان كان يستند الى معطيات، وأحيانا معلومات، راسخة ومتينة، وانما هي حقائق دامغة ستزداد جلاء مع تقدم الزمن.‏

وبخصوص ما اسماه اولمرت "الخيار العسكري الوسطي"، الذي تبناه من بين مجموعة خطط عسكرية عرضها الجيش عليه في شهر اذار، بناءً على سؤال وجهه اليه. فإن من ابرز ما ينطوي عليه هذا الكشف، انه يبدد محاولة الربط الدائم بين فشل الجيش في عدوانه وبين عدم استعداده كما ينبغي، من دون ان يعني ذلك بالضرورة عدم وجود اية عيوب او اخطاء، وخاصة ان الجيش كان يملك الفترة الكافية لاستكمال استعداداته، من دون ان ننسى الاشارة الى ما اوردته وسائل الاعلام الاسرائيلية مرارا عن مناورات الجيش التي نفذها استعدادا للحرب.‏

اضف الى تقدير مفاده بأن اولمرت تبنى هذا الخيار، استنادا الى تقديرات عسكرية، أنه يمكن عبر هذا الخيار، وما احتواه من خطط عسكرية ترتكز على سلاح الجو بشكل اساسي وعمليات برية، تحقيق الاهداف العسكرية والسياسية للعدوان. وهذا ما كشفته، لاحقا، التقارير الاعلامية والمواقف التي ظهرت خلال وبعد الحرب. ولكن النتيجة كانت فشلاً مدوياً واخفاقاً ذريعاً. واستكمالا للصورة ولوضع كلام اولمرت في سياقه الصحيح نورد ايضا ما نقلته هآرتس عن اولمرت، بأنه "لو كانت العمليات البرية السابقة للجيش في جنوب لبنان ناجحة، لما كانت إسرائيل في الوضع الذي وجدت نفسها فيه في نهاية الحرب". وهذا يعني ان اسرائيل لم تلجأ ابتداءً للخيار البري ولكن عندما ايقنت ولمست فشل خيار الاعتماد على الجو بدأت باللجوء تدريجيا الى الخيار البري، وصولا الى القرار بشن هجوم بري واسع يستطيع الجيش من خلاله الوصول الى وادي السلوقي لضرب البنية التحتية لحزب الله فيه، ولو قدر للجيش ان يحقق هدفه العسكري لما توقف القتال في التاريخ الذي توقف فيه.‏

اما بخصوص وصف رئيس الاركان المستقيل بفعل فشله في الحرب، دان حالوتس، تداعيات اي عملية اسر قد يقدم عليها حزب الله بأنها استراتيجية من جهة تأثيرها على قدرة الردع لدى اسرائيل. فيمكن طرح السؤال الذي يطرحه كثيرون على المقاومة، لكن بشكل معاكس، لو كانت القيادات العسكرية والسياسية الاسرائيلية تقدر او تعلم النتائج التي خلصت اليها الحرب هل كانوا سيقدمون عليها؟ فإن كان السؤال نعم، وهو بالقطع غير صحيح، لماذا هذا الحديث الاسرائيلي الدائم عن فشل وشعور بالهزيمة وتشكيل لجان تحقيق واستقالات واقالات جنرالات في الجيش و"الحبل على الجرار". وان كان الجواب لا، وهو المقدر والمنطقي، يترتب على ذلك السؤال التالي، هل تعززت قدرة الردع الاسرائيلية، على ضوء نتائج الحرب، ام ازدادت تهشما؟ وخاصة ان الاهداف السياسية والعسكرية الاستراتيجية للحرب لم تتحقق باعتراف الاسرائيليين انفسهم، مع تفاوت في التعبير عن ذلك. وفي ظل حقيقة انه للمرة الاولى منذ العام 1948 يتعرض العمق الداخلي للكيان الاسرائيلي، لهذا القصف الصاروخي المتواصل والمكثف، من دون ان يتمكن الجيش من تدمير القدرات الصاروخية للمقاومة او يردعها من استهدافه؟ اضافة الى ايقاف مجاهدي حزب الله لزحف سلاح المدرعات وتوجيه ضربات قاسية له حتى تحولت هذه القضية احدى القضايا الاساسية التي يتم التحقيق معه بخصوصها.‏

أميركا وحكومة السنيورة‏

ومن ضمن ما كشفت عنه "هآرتس" ايضا أن الولايات المتحدة قيّدت خطة الحرب على لبنان عبر طلبها من الحكومة الاسرائيلية ومن ايهود اولمرت عدم التعرض لحكومة الرئيس فؤاد السنيورة، وهو ما فهمه المسؤولون الإسرائيليون من أنه ينبغي عدم استهداف البنى التحتية كوسيلة للضغط، كما كان مقرراً في الخطة.‏

بداية يلاحظ ان ما طلبته الولايات المتحدة من اسرائيل اكدته الممارسة العملية للجيش الاسرائيلي خلال العدوان، وعكسته المواقف السياسية التي اطلقت خلاله، ويبدو ان خلفية ذلك تعود الى كون حكومة السنيورة تشكل الورقة الاميركية على الساحة اللبنانية والتي ينبغي الحفاظ عليها، اضافة الى انه لو قدر للجيش الاسرائيلي ان يحقق اهدافه العسكرية، سواء من جهة القضاء على القدرات الصاروخية والقتالية لحزب الله، او القضاء على بنيته القيادية الجهادية، لا بد من وجود طرف داخلي لبناني يوكل اليه مهمة توظيف هذا الواقع الميداني الى نتائج سياسية وتثميره باتجاه تنفيذ القرار 1559 وفقا للمفهوم الاسرائيلي والاميركي، والا فإن اية نتائج عسكرية مفترضة للعدوان من دون جهة قادرة وفاعلة للقيام بهذه المهمة ستؤدي الى تضييع هذه النتائج. وعليه كان من الطبيعي ان يكون الاداء الاسرائيلي الاميركي، بالشكل الذي تم التعبير عنه وشهدناه ميدانيا.‏

الانتقاد/ مقالات ـ العدد1206 ـ 16 آذار/مارس 2007‏

2007-03-15