ارشيف من : 2005-2008

لماذا حرّض مجلس القضاء للردّ على لحود؟

لماذا حرّض مجلس القضاء للردّ على لحود؟

في خطوة نادرة وقلّما تحدث، أقحم وزير العدل في الحكومة الفاقدة للشرعية شارل رزق، مجلس القضاء الأعلى في السجال الذي افتعله مع رئيس الجمهورية العماد إميل لحود، وذهب إلى أبعد من ذلك بتوريط هذا المجلس في مساندته في التصدي للردّ على لحود، وهو ما يعتبر مسّاً باستقلالية القضاء.‏

لماذا حرّض مجلس القضاء للردّ على لحود؟

وتفسّر مصادر في "العدلية" الهدف مما فعله رزق، بأنّه "تستّر على الشوائب التي تعتري عمله إزاء تدخّله المكشوف لإبقاء الضبّاط الأربعة اللواءين جميل السيّد وعلي الحاج والعميدين مصطفى حمدان وريمون عازار قيد الاعتقال التعسفي والاعتباطي في قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وذلك إرضاءً للقوى "الشباطية" لعلّها تبقى على التزامها له بانتخابه رئيساً للجمهورية، وهي التي لا تمون على نفسها".‏

وهذا التدخّل غير المقبول وغير المسبوق أكّده اللواء جميل السيّد أكثر من مرّة، في مذكّراته القانونية وبياناته المقدّمة للقضاء، والمنشورة في وسائل الإعلام، حيث اتهم رزق صراحة بالضغط على النائب العام التمييزي القاضي سعيد ميرزا الذي يضغط بدوره على المحقّق العدلي القاضي إلياس عيد لإبقاء الضبّاط الأربعة خلف قضبان سجن "رومية" المركزي، على الرغم من أنّ القانون خوّل عيد بمفرده صلاحية البتّ سلباً أو إيجاباً في أمر التوقيف والإفراج، ولكنّه لا يتخذ موقفاً واضحاً بسبب ضغوط قوية يمارسها ميرزا عليه. وهذا الكلام ورد في غير مرّة وبأسلوب صريح وشفاف في متن بيانات السيّد ووكيل الدفاع عنه المحامي أكرم عازوري.‏

وقد رمى رئيس لجنة التحقيق الدولية القاضي البلجيكي سيرج برامرتز الكرة في ملعب القضاء اللبناني بالقول مراراً بأنّ صلاحية الإفراج عن هؤلاء الضبّاط تعود للقضاء، وإنّه لا يوجد ما يستدعي توقيفهم ما يحتمّ تخلية سبيلهم فوراً، ولكن القضاء اللبناني راح يعتمد أسلوب المماطلة والتسويف متذرّعاً بحجج واهية، تارة بأنّه يدرس تقويم لجنة التحقيق لإفادات شهود الزور الذين اخترعهم مسؤولون في القوى "الشباطية" والرئيس السابق للجنة التحقيق الألماني ديتليف ميليس، وطوراً بأنّ الوقت لم يحن بعد لاتخاذ مثل هكذا موقف، بينما الحقيقة المعروفة هي رفض الانصياع للضغوطات السياسية التي يقوم بها رزق.‏

وجاء التقرير السنوي لوزارة الخارجية الأميركية عن أوضاع حقوق الإنسان في لبنان ليفضح المستور من حيث لم يحتسب "الشباطيون" والفريق الحاكم ومن يعمل بإمرتهم، بوصفه توقيف الضبّاط الأربعة بـ"الاعتقال التعسفي"، وهذا ما شكّل مفاجأة لهؤلاء، وخصوصاً أنّه ممهور بتوقيع كونداليزا رايس التي غذّتهم بالكثير من النصائح والإرشادات التعسفية حتّى أصيبوا بالتخمة المفتعلة.‏

وبالنسبة لاتهام الرئيس لحود للوزير رزق بالتدخّل في عمل مجلس القضاء الأعلى خلال إعداد التشكيلات القضائية التي جمّدها لحود لاحقاً لتضمّنها غبناً بحقّ بعض القضاة الموارنة والشيعة، فإنّ الأمر غير مستبعد، وتصفه مصادر "العدلية" "بالطبيعي لأنّه بإمكان وزير العدل أنْ يطلب من مجلس القضاء "تمرير" تعيين قضاة مقرّبين منه أو طُلب منه الاهتمام بهم، في مراكز مهمّة، ولن يتأخّر المجلس في النزول عند رغبته ما دام أنّه يمكن تبرير هذا الفعل بأنّه جرى اعتماد مبدأ الأقدمية أو الدرجات أو ما شابه، وليس في هذا الأمر انتقاص من عمل المجلس، وإنّما يكون قد جرى تفضيل شخص على آخر".‏

وتقدّم هذه المصادر دليلاً إضافياً على "مونة" الوزير رزق على مجلس القضاء الأعلى بما يشبه التدخّل في عمله بالقول "إنّ المكتب الإعلامي لوزارة العدل وزّع على وسائل الإعلام خبراً عن موعد اجتماع مجلس القضاء يوم الاثنين الفائت، من دون أن تكون له علاقة بالموضوع، فضلاً عن أنّ هناك فصلاً تاماً بينهما، ولا سلطة لوزير العدل على هذا المجلس لا من قريب ولا من بعيد، ويعتبر تدخّله ضرباً لاستقلالية القضاء، وانتهاكاً للدستور الذي شدّد على أنّ السلطة الثالثة أيّ القضاء، سلطة مستقلّة ومنفصلة عن السلطتين التنفيذية والتشريعية".‏

ولم يكتف رزق بتوزيع هذا الخبر، بل ضمّن ردّه على لحود فقرة تحريضية لمجلس القضاء على الأخير، ولكن مجلس القضاء لم ينزلق إلى ما أراده رزق تماماً، فأطلق نداءً استغرب فيه إقحامه "بما يسيء إليه في معرض سجال سياسي لا علاقة له فيه".‏

أما بشأن الاستشارة الصادرة عن "هيئة التشريع والاستشارات" في وزارة العدل، التي وزّعها الوزير رزق لتأكيد رأيه بأنّ "صلاحيات السلطة الدستورية مقيّدة بشأن مرسوم التشكيلات القضائية"، فإنّ هذه الاستشارة غير ملزمة على الإطلاق، لأنّ صفة هذه الهيئة تقديم الاستشارات للوزارات والحكومة من دون أن تعمل بها، فضلاً عن أنّها "استشارة ضمن أهل البيت الواحد" على حدّ تعبير مصادر "العدلية".‏

كما أنّ رئيس هذه الهيئة القاضي شكري صادر هو عضو في مجلس القضاء ومقرّب كثيراً من رزق الذي عيّنه أيضاً عضواً في الوفد اللبناني الثنائي لمناقشة بنود مشروع نظام المحكمة ذات الطابع الدولي.‏

ومهما يكن من أمر، فإنّ النقاش حول التشكيلات القضائية غير موجب في هذا الوقت، لأنّ هذه التشكيلات صارت من الماضي، وسقطت بفعل تقاعد قضاة منذ تجميدها في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر 2006 بينهم قاض كان عضواً في مجلس القضاء هو سهيل عبد الصمد، ولم يعيّن أحد مكانه حتّى الآن، وتخرّج دفعة من القضاة من معهد الدروس القضائية يبلغ عددهم 38 قاضياً، وقرُب تخرّج دفعة أخرى.‏

وهذا يعني أنّ الضرورة باتت ملزمة لمجلس القضاء الأعلى لإعداد مناقلات جديدة في الصيف المقبل، وإذا وجد لحود فيها غبناً بحقّ بعض القضاة كما في المرسوم المتوقّف، فإنّه لن يوقّعها لتبقى الأمور على ما هي عليه بانتظار انتخاب رئيس جديد للجمهورية وتشكيل حكومة وتعيين وزير للعدل، ويكون عدد إضافي من القضاة قد أحيل على التقاعد وبينهم أعضاء في مجلس القضاء ورئيسه أنطوان خير، وبالتالي فإنّ أيّ مرسوم مناقلات قضائية جديد لن يبصر النور إلاّ في خريف العام 2008 ما لم تطرأ مستجدّات سياسية على الساحة الداخلية.‏

علي الموسوي‏

الانتقاد/ مقالات ـ العدد1206 ـ 16 آذار/مارس 2007‏

2007-03-15