ارشيف من : 2005-2008

مفاوضات عين التينة: "مكانك راوح"

مفاوضات عين التينة: "مكانك راوح"

تتباين المعطيات التي رشحت حتى الآن عن المدى الذي بلغته ويمكن أن تصل اليه جولات الحوار الثنائي بين رئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس كتلة المستقبل النائب سعد الحريري في مقر الرئاسة الثانية في عين التينة، التي كان الواحد منها يستغرق أكثر من ساعتين من النقاش لإيجاد حل للأزمة السياسية في البلاد. وبناءً على هذا التباين والغموض في النتائج استمرت الأسئلة مطروحة من قبل الأوساط السياسية المتابعة: هل هناك احتمالات قوية لإمكانية التوصل إلى حل للأزمة السياسية قبل موعد القمة العربية المقررة في الثامن والعشرين والتاسع والعشرين من آذار الحالي في الرياض وفق ما تروج له بعض الجهات الحريصة على إظهار جرعة زائدة من التفاؤل، أم أن الحوار لا يزال يراوح مكانه، وهو يؤدي غرض التهدئة والمراوحة إلى حين انعقاد هذه القمة، من دون حصول اختراق جدي لحل الأزمة حتى ذلك الحين؟ وهو ما تراه قوى أخرى تحاذر من التفاؤل الزائد، لأن فريق السلطة لم يعط بعد إشارات واضحة تدل على أنه سلم بمعادلة الثلث الضامن للمعارضة في أي حكومة وحدة وطنية.‏

الأوساط المتابعة تحدد المعطيات التي تدفع بعض الجهات إلى التفاؤل بإمكانية أن يؤدي الحوار إلى نتائج ايجابية قبل القمة العربية، ومنها:‏

مفاوضات عين التينة: "مكانك راوح"

أولاً: المناخ الإقليمي الموجود الذي يساعد في امكانية ايجاد حلول قريبة، ومن هذه المعطيات انعقاد القمة العربية نهاية الشهر الجاري وحرص السعودية وعلى رأسها الملك عبد الله بن عبد العزيز، على ايجاد حل للأزمة قبل القمة، لأن هذا الحل يؤدي إلى إنجاحها، في حين ان الوصول إلى القمة دون حل الأزمة في لبنان يعني حصول انقسام داخل قاعات المؤتمر.. فضلاً عن حرص السعودية على حل أزمة تمثيل لبنان، فهي وإن كانت وجهت الدعوة الرسمية حصراً إلى رئيس الجمهورية العماد إميل لحود، فإنها ترغب بأن يرافقه رئيس الحكومة اللاشرعية فؤاد السنيورة، وقد فاتحت الرئيس لحود بهذا الأمر من دون أن يقبل بذلك إذا لم يكن قد حصل حل للأزمة على أسس مقبولة، وهذا ما يجب أن يتم قبل انعقاد القمة.‏

ثانياً: نجاح مؤتمر بغداد الذي عقد في العاصمة العراقية السبت الماضي وحضره ممثلون لدول الجوار والدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن، حيث كان الأهم في هذا المؤتمر هو اجتماع ممثلين للولايات المتحدة الاميركية والجمهورية الاسلامية الايرانية وسوريا على طاولة واحدة. وما شجع المناخ التفاؤلي هو الإعلان عن ان هذا المؤتمر قد شكل نجاحاً أولياً بشأن حل مشاكل المنطقة عن طريق الحوار والتعاون وليس عبر التهديد بحروب وعقوبات، وهو كان مقدمة لمؤتمر آخر سيعقد الشهر المقبل على مستوى وزراء الخارجية.‏

ثالثاً: يرى أصحاب وجهة النظر التفاؤلية بإمكانية الحل قبل القمة العربية، أن ما يعزز هذا التوجه أيضاً هو ما رشح عن اجتماعات الرئيس بري والنائب سعد الحريري عن دخول النقاش في التفاصيل بعد بت المبادئ العامة بشأن حكومة الوحدة الوطنية ونظام المحكمة ذات الطابع الدولي في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري. ويتوقع هؤلاء ان تشكل الأيام المقبلة حداً حاسماً يمكن أن تتبلور خلالها الأفكار، بإعلان "نوايا" عن مسودة الاتفاق تمهيداً لتتويجه بلقاء لأقطاب المعارضة والموالاة يعقد في السعودية برعاية الملك عبد الله بن عبد العزيز.‏

أما أصحاب "الرأي الحذر" بشأن تقدم المفاوضات بين الرئيس نبيه بري والنائب سعد الحريري، فإنهم يستندون بالمقابل الى العديد من المعطيات التي يرون أنها تؤكد أن "البحث لا يزال يراوح مكانه" دون تحقيق أي تقدم يذكر، ومنها:‏

أولاً: استمرار اطلاق النار على هذا الحوار من قبل العديد من أفرقاء فريق السلطة، بعضهم بشكل علني كما فعلت القوات اللبنانية عبر رئيس هيئتها التنفيذية سمير جعجع، والبعض الآخر من تحت الطاولة كما يفعل رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط، الغائب مرحلياً عن واجهة الشاشة لاستجلاء اتجاه الرياح اقليمياً، اضافة إلى مواقف رئيس الحكومة اللادستورية فؤاد السنيورة الذي شكك في أكثر من موقف وخطوة بإمكانية نجاح الحوار. وهو بهدف وضع العصي في دواليب الحوار عقد الجلسة الأخيرة للحكومة اللادستورية التي كُلف خلالها رئاسة وفد فريق السلطة إلى القمة العربية بموازاة الوفد الذي سيترأسه رئيس الجمهورية العماد اميل لحود.‏

ثانياً: عدم بروز أي مؤشرات جدية تؤكد أن النائب سعد الحريري قد سلم بإعطاء الثلث الضامن للمعارضة في حكومة الوحدة الوطنية، ما يعني بحسب هذه الأوساط أن الحوار لا يزال يدور في دائرة مفرغة دون أن يحقق أي تقدم، وأن الهدف منه هو تحقيق حالة من التهدئة من الآن حتى انعقاد القمة العربية نهاية الشهر الجاري في الرياض.‏

ثالثاً: رفض السعودية إعطاء ضمانات للمعارضة بعدم عرقلة الاتفاق الذي قد يُتوصل اليه من قبل بعض أقطاب فريق السلطة كما كانوا يفعلون مع المبادرات السابقة، وتأكيدها أن دورها يقتصر على رعاية الحوار وتقريب وجهات النظر بين الجانبين دون أن تمارس ضغوطا على أحد.. وعليه فإن هذه الأوساط ترى أن الحديث عن لقاء لبناني في الرياض سابق لأوانه، وأنه لن يحصل قبل إنجاز اتفاق كامل في لبنان، وهو ما لم تلح بوادره حتى الآن.‏

"الانتقاد" علمت من مصادر مطلعة أن قطباً أساسياً في فريق السلطة معني بالمفاوضات الدائرة اقترح صيغة لحكومة وحدة وطنية على مرجع معني بالتفاوض من جانب المعارضة تقوم على الأسس التالية:‏

ـ أن تكون الحكومة من أربعة وعشرين وزيراً.‏

ـ أربعة عشر وزيراً للموالاة.‏

ـ سبعة وزراء للمعارضة.‏

ـ ثلاثة وزراء يجري الاتفاق عليهم بين الطرفين.‏

ـ وبهذا تتدنى حصة الموالاة عن الثلثين (14).‏

ـ لا تحصل المعارضة على الثلث الضامن (7).‏

ـ تبقى الحكومة الحالية على حالها ويجري الطلب إلى خمسة وزراء الاستقالة، ويعود وزراء حزب الله وحركة أمل ويدخل ثلاثة وزراء للتيار الوطني الحر إلى الحكومة.‏

وبحسب المصادر المطلعة فإن المرجع رفض الاقتراح، لأنه لا يعطي المعارضة الثلث الضامن في حكومة الوحدة الوطنية، وهو الحد الأدنى المقبول من جانبها في أي تسوية للأزمة السياسية. بل أكثر من ذلك فإن المصادر ترى أن هذا الاقتراح يعيد الأمور إلى الوراء ويعد أسوأ من صيغة (19 ـ 10 ـ 1) المرفوض أساساً من قبل المعارضة.. وتضيف المصادر: ان المعلومات التي رشحت تشير إلى أن القطب الأساسي في قوى السلطة سعى إلى إحياء المطلب القديم لفريق السلطة بالحصول على وزارة الخارجية وعدم إعطائها لوزير محسوب على حزب الله وحركة أمل.‏

في هذه الأثناء ووسط المراوحة في جولات الحوار، أكدت المعارضة مطالبها الأساسية لأي تسوية يمكن أن تحصل قريباً أو في مرحلة لاحقة.‏

وهي تقوم ـ كما بات واضحاً ـ على ثلاثة أسس:‏

1 ـ تشكيل حكومة وحدة وطنية للمعارضة فيها الثلث الضامن.‏

2 ـ اقرار نظام المحكمة الدولية بعد إجراء تعديلات تخرج المحكمة من الاستغلال السياسي إلى كونها محكمة جزائية تحاكم قتلة الرئيس الحريري فقط، ولا تستخدم للضغط على قوى سياسية أو دول عربية بسبب رفضها المشروع الاميركي الصهيوني في المنطقة.‏

3 ـ إقرار قانون انتخاب عادل تمهيداً للانتخابات النيابية المبكرة. وفي هذا السياق تعكف قوى المعارضة على بلورة صيغة محددة للدوائر الانتخابية لقانون الانتخاب بما يؤمن حسن التمثيل، ولطرحه على طاولة المفاوضات عندما تصل إلى مرحلة التفاصيل. ولهذه الغاية يتوقع أن يعقد اللقاء الوطني برئاسة الرئيس عمر كرامي اجتماعاً في وقت قريب يخصص لبحث شكل قانون الانتخاب.‏

في كل الأحوال، فإن الضبابية لا تزال سيدة الموقف، وإن كان استبعاد حل الأزمة السياسية قبل موعد القمة العربية هو الأرجح. وعليه فإن الأنظار تتجه لما بعد القمة.. فهل يكون هناك تصعيد، أم تستمر أجواء التهدئة وتواصل المفاوضات؟ أسئلة تتضح الإجابة عنها في الأيام والأسابيع المقبلة.‏

هلال السلمان‏

الانتقاد/ مقالات ـ العدد1206 ـ 16 آذار/مارس 2007‏

2007-03-15