ارشيف من : 2005-2008
العراقيون في الذكرى الرابعة للغزو.. أمل يقتله الألم
لا يمكن للمرء أن يرسم صورة متجانسة المعالم والملامح والخطوط لمواقف ورؤى ووجهات نظر العراقيين وهم يعيشون الذكرى الرابعة للحرب الأميركية ـ البريطانية التي أطاحت بنظام صدام بعد عشرين يوما فقط من اندلاعها.
لا يمكن ذلك لسببين: الأول أنه من غير الممكن التعاطي مع كل ما حصل من وقائع وأحداث طيلة الاعوام الاربعة المنصرمة بنفس واحد وبمنهجية واحدة، لأن السلبيات اختلطت وتداخلت مع الايجابيات. والسبب الثاني ان لكل عراقي نظرته الخاصة حيال الوقائع والاحداث، وتتحدد تلك النظرة على ضوء واقعه السياسي والاجتماعي والحياتي على وجه العموم، سواء في ظل عهد النظام السابق او في اطار العهد الحالي.
وفي ما يتعلق بالسبب الأول يمكن أن نقرّب الصورة من خلال مقاربتها بالواقع.. فمثلا حظي الاميركان في بادئ الامر وبعيد الاطاحة بنظام صدام بقدر لا بأس به من القبول والترحيب من اوساط العراقيين، وهذا القبول والترحيب لم ينطلق من قناعات حقيقية وتقييمات موضوعية بقدر ما خضع لمشاعر ونزعات عاطفية وحالات انفعال وجداني، أفرزتها احداث اللحظة التي تمثلت اساسا بزوال أسوأ نظام ديكتاتوري استبدادي عرفته البشرية رزح على قلوب ونفوس العراقيين طيلة ثلاثة عقود ونصف من الزمن.
وفي الحقيقة لم يكن الشخص الذي سألته احدى وسائل الاعلام قبل اربعة أعوام عن رأيه بالقوات الاميركية وهي تدخل العراق وقال: "كلنا أميركان"، يعي ما يقول، لأن فرحته العارمة بسقوط تمثال صدام في ساحة الفردوس وسط بغداد جعلته يفقد القدرة على التعبير عن الموقف بطريقة موضوعية دقيقة. وذلك الشخص لو قُدر لوسيلة اعلامية ان توجه له الآن سؤالا مشابها لذلك السؤال، فبالتأكيد سيكون جوابه مختلفا الى حد كبير عن جوابه قبل أربعة اعوام.
بعد أربعة اعوام يرى الكثير من العراقيين ان الواقع السيىء الذي يعيشون تحت وطأته هو في جانب منه، كما يقول السيد علي النعيمي (باحث أكاديمي)، نتاج سياسات خاطئة وغير ممنهجة يتحمل تبعاتها الاحتلال، سواء كانت مقصودة او غير مقصودة. ويؤكد النعيمي: صحيح ان زوال نظام صدام كان حلما بالنسبة لمعظم ـ ان لم يكن كل ـ العراقيين، لكن لم يكن احد يتمنى او حتى يتوقع ان تؤول الامور الى هذا المستوى من السوء.
ويشاطره أحمد الهاشمي (ناشط في مجال حقوق الانسان) الرأي، لكنه يضيف: ان خيار اسقاط نظام صدام عبر القوة العسكرية لم يكن خيار العراقيين لا في الداخل ولا في الخارج، وهذا البلد لديه تجربة تاريخية مريرة مع الاحتلال البريطاني، ومن الخطأ ان ننظر الى كل ما حصل على انه أخطاء غير مقصودة، اذ ان ذلك تبسيط مخل بالحقائق الموضوعية.
وفي ما يتعلق بالسبب الثاني، فإنه ربما كان الظلم والحيف الواسع الذي لحق بفئات وشرائح اجتماعية معينة من العراقيين مثل الاكراد والشيعة من قبل نظام حزب البعث، مبررا لهم للترحيب والتفاعل مع أي صيغة تفضي الى تغيير الواقع وتبدل معادلة الحكم والسلطة. في الوقت ذاته فإن أبناء الطائفة السنية الذين قد لا يكونون تعرضوا للقدر نفسه من الظلم والحيف والاستبداد الذي لحق بشركائهم في الوطن من الاكراد والشيعة، وكانوا يتمتعون بنفوذ وامتيازات في ظل سلطة حكم البعث، ربما لم يكن خيار التغيير ـ أيا كانت طريقته ـ يروقهم.
هذه الجدلية في تحديد وتشخيص المواقف لا تنطوي على شيء من الغرابة ولا تدعو الى الدهشة، لأنها تمثل انعكاسا لطبيعة المنهج الذي سار عليه النظام السياسي البائد، لتبقى آثاره وتبعاته قائمة وشاخصة حتى بعد سقوطه.
هكذا يرى عبد الرحمن السعيدي المتخصص في علم النفس الاجتماعي، الذي يرفض الفصل بين واقع ما قبل العشرين من آذار/ مارس او ما قبل التاسع من نيسان/ أبريل 2003 وما بعدهما، لأنه بحسب رؤيته فالامور متداخلة ولا تخرج عن سياق التعامل معها على ضوء المقدمات والنتائج المترابطة.
وبينما ترى السيدة هيفاء الربيعي (خبيرة في الشؤون المصرفية والحسابية)، ان الحرب الأميركية ـ البريطانية مثلت إيذانا ببدء عهد جديد ليس في حياة العراقيين فحسب، بل وفي حياة شعوب ودول المنطقة بالكامل، تصر نضال حمد حسون (طالبة دراسات عليا في القانون) على القول انه لم يكن هناك مفر مما حصل، لأن التجارب أثبتت ان نظام صدام الذي كان صنيعة غربية ـ أميركية وأدى أدوارا ومهام في غاية الاهمية خدمة للمصالح الاستراتيجية الغربية في المنطقة، ما كان ممكنا ان يزول ويختفي إلا عبر الأدوات نفسها التي أوجدته وجعلت منه "بعبعا" يدخل الرعب في نفوس الكثيرين. لكن نضال حمد حسون تحرص على الاشارة والتأكيد أن رؤيتها تلك لا تعني انها ترى او تعتقد ان الحرب وبعض ما خلفته من آثار ونتائج هي الشيء الصحيح.
فالحرب لكي نكون موضوعيين، مثلما يؤكد فاضل الجنابي (اقتصادي ورجل أعمال)، تركزت تأثيراتها وآثارها الايجابية والسلبية المباشرة على العراقيين اكثر من سواهم، وإذا كانت قد مهدت وأدت الى الاطاحة بصدام ونظامه الدموي، ووفرت للعراقيين فضاءات واسعة من حرية التعبير كما يبدو في ظاهر الامر، فهي في الوقت ذاته دفعت بهم الى دوامات من الازمات والمشاكل اليومية التي لا بداية لها ولا نهاية.
وفي كل الأحوال فإن جدل اليوم قد يكون في معظم جوانبه هو ذاته جدل الأمس، وهو ذاته سيكون جدل الغد، وخصوصا اذا بقيت المشاكل والأزمات على حالها، ولم يتبدل واقع الحال عما هو عليه الآن.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018