ارشيف من : 2005-2008

الدستور المصري:ضرورات الأمن تسبق الحريات

الدستور المصري:ضرورات الأمن تسبق الحريات

القانون الدستوري هو القانون الأساسي الذي يبين شكل الدولة ونظام الحكم فيها وينظم السلطات العامة من حيث تكوينها واختصاصاتها وعلاقاتها بعضها ببعض، ويضع الضمانات لحقوق الأفراد وحرياتهم, والدستور يعلو على كل السلطات، ومن ثم كان طبيعيا ألا يصدر قانون على خلاف الدستور وإلا كان ذلك قانونا باطلا يتعين الامتناع عن تطبيقه.‏

وقد برز مطلب تعديل الدستور المصري الحالي الصادر عام 71 في أدبيات المعارضة المصرية قبل الحزب الحاكم ليلائم الطموحات لمزيد من الديمقراطية وتقييد السلطات شبه المطلقة لرئيس الجمهورية، وربما طمح البعض لتحديد فترة توليه للسلطة التي تظل مفتوحة لمدد لا نهائية منذ تعديل أجراه السادات عام 80 ولم تمهله الأقدار لينعم به, وما زال أنصار النظام يرون أنه لا يجب تقييد مطلب الشعب في التعبير عن حبه ورغبته باستمرار القيادة.‏

الفقيه الدستوري المستشار طارق البشري حذر كثيرا من مغبة المناداة بتعديل دستوري في هذا الوقت، حيث لفت الأنظار إلى أن الدساتير وهى بمثابة العقد الاجتماعي بين النظام والشعب تكون أكثر ميلا لإطلاق الحريات عندما تصدر في بدايات عهد النظام بالسلطة، وشوكة النظام لم تتصلب بعد، بينما تميل للقمع والاستبداد في نهايات العهود حيث تستقر الأمور بالسلطة ويكتمل عصفها بمعارضيها، وتأتي الصياغات الدستورية لتثبت ميزان القوى القائم بالفعل، ولا يمكن أن تنشئ واقعا مغايرا, وقد خبرت مصر الدولة الأقدم في المنطقة هذه الدورات الدستورية صعودا وهبوطا منذ العام 1882م تاريخ ميلاد الدستور الأول.‏

وعلى غرار التعديل الأخير الذي أجراه الرئيس مبارك للمادة 76 من الدستور عام 2005 والذي نظم شروط الترشح لمنصب رئيس الجمهورية، وجاء مثيراً للجدل ربما من حيث قصر القابلية للترشح في قادم الأيام على مرشح بعينه, تأتي التعديلات الأخيرة لـ34 مادة دستورية دفعة واحدة من مجموع 311 مادة لتزيل صراعا قانونيا طالما سببته المحكمة الدستورية العليا التي تحتكم لنصوص الدستور، حيث قضت غير مرة بعدم دستورية قوانين يسنها برلمان أغلبية الحزب الحاكم, بل ونزعت الغطاء الدستوري عن البرلمان، وتسببت بحله عدة مرات لعدم دستورية قواعد منظمة للإجراءات الانتخابية, وقد تعرض رئيسها الراحل المستشار عوض المر لتجاهل مؤسسات الدولة، ولم تلتفت لتكريمه سوى نقابة الصحفيين.‏

وهكذا برزت الضرورة الملحة لإغلاق بوابات الإزعاج في وقت مشحون بالترقب فيما يخص ملف خلافة الرئيس, الدكتور فتحي سرور رئيس البرلمان لم يجد غضاضة في التصريح بأن "علينا التضحية ببعض الحريات من اجل الأمن العام".‏

المادة 179 المعدلة تتيح لسلطات الأمن حرية الاعتقال وتفتيش المنازل والتنصت على الهواتف من دون اذن قضائي، وذلك لمواجهة محتملة مع الإرهاب دفعت بالمستشارة نهى الزيني "صاحبة السبق في كشف التزوير بالانتخابات البرلمانية السابقة" للقول إن التاريخ لن يرحم كل من شاركوا في وضع هذه المادة، وكل من وافقوا عليها، لأنهم ارتكبوا جريمة في حق هذا الشعب, فلا يوجد تعريف دولي لمصطلح الإرهاب فضلا عن تعريف محلي، والنص يطلق سلطة رئيس الجمهورية في تعريف وتحديد الخطر، إنه أسوأ من قانون الطوارئ.‏

المادة 88 ألغت الإشراف القضائي فعليا عن أي عملية انتخابية حيث يتضمن "تتولى هيئة عليا تتمتع بالاستقلال والحيادة، الإشراف على الانتخابات، على أن يكون من بين أعضائها أعضاء من هيئات قضائية حاليين وسابقين"، و"على أن تشكل اللجان العامة من أعضاء من هيئات قضائية".‏

وهكذا اللجان التي ستشرف على عملية الاقتراع واللجان الرئيسية التي تتولى الفرز تُـشكَّـل من أعضاء هيئات قضائية, وأعضاء الهيئات القضائية غير القضاة أعضاء السلطة القضائية الذين تجاهلتهم المادة تماما.‏

وكان القضاة قد خاضوا معركة مضنية مع السلطة التنفيذية لحملها على القبول بإشراف قضائي كامل على كل مراحل الانتخابات, وقد ترافق إعلان هذه المادة مع تصريحات لأقطاب الحزب الحاكم عن حرصهم على وقت القضاة المخصص للفصل في قضايا عدلية!!, وعدم تكرار تعرضهم لإهانات جراء الاشراف على عمليات الاقتراع الميدانية، مع التذكير بأن القضاة ليسوا وحدهم الشرفاء في هذا البلد!!, المستشارة نهى الزيني ترى في هذه المادة نوعا من دسترة التزوير ليس إلا.‏

المادة 136 أطلقت يد رئيس الجمهورية في حل مجلس الشعب، واشترطت فقط أخذ رأي رئيس الوزراء، وفي ظل ما هو سائد من علاقات بين الرئيس ووزرائه يتدنى لصيغة الأمر الشكلي بعد أن كان مقيدا في السابق بضرورة الموافقة الشعبية عبر استفتاء عام.‏

المواد التي تتناول الشكل الاقتصادي كرست لما هو قائم بالفعل منذ انتهاج مصر لسياسة الانفتاح على الغرب، وأسقطت كل النصوص التي تتناول ريادة القطاع العام، وملكية الشعب لوسائل الانتاج، وعدالة توزيع الثروة، وتقريب الفوارق بين المداخيل لتصبح حرية النشاط الاقتصادي وكفالة الأشكال المختلفة للملكية.‏

المادة الخامسة وهى فيما يبدو موجهة ضد جماعة الأخوان المسلمين ذات الحضور على الساحة حيث حظرت قيام الأحزاب على أساس ديني، وأباحت حرية تكوين الأحزاب وفقا للقانون, وهذا القانون يعرقل فعليا قيام أحزاب ذات حضور في الساحة، فيما سمح بظهور أحزاب كرتونية.‏

نواب الأخوان والمستقلين وبعض الحزبيين وهم قرابة المئة قاطعوا جلسات إقرار الدستور، بينما سارع الحزب الحاكم لتمرير النصوص دون ازعاج، ويبدو ان الرئيس في عجلة من الأمر حيث قام بتبكير موعد دعوة المواطنين للاستفتاء على النصوص الجديدة الى 26 آذار/ مارس الجاري بدلا من أوائل الشهر القادم, ويبقى أمل المعارضة في دعوة الشعب إلى مقاطعة الاستفتاء معلقا على قدرة الحزب الحاكم في حشد الأنصار والموالين.‏

أما السؤال الكبير الذي يطرحه الشارع فهو كيف تحمّل الرئيس الحكم قرابة ربع قرن في ظل دستور يحتاج كل هذا الكم من التعديلات؟‏

الانتقاد/ العدد1207 ـ 23 آذار/مارس 2007‏

2007-03-23