ارشيف من : 2005-2008
الصراع على فرنسا: لعبة الدين والمال
لم يكن الحديث الذي أدلى به رئيس الوزراء الفرنسي السابق ريمون بار عن سيطرة اللوبي اليهودي على الحياة السياسية في فرنسا الأول من
نوعه الذي يصدر عن كبار رجال السياسة الفرنسيين من حملة الفكر الديغولي، أو من يلقبون بآخر حصون الكاثوليكية في فرنسا.
فالرجل أدلى بما يختلج في قلوب الكثيرين ممن لا يجرؤون على البوح به خوفا من سطوة اللوبي المالي والإعلامي.
بار وخلال مقابلة على امواج راديو (كورتوازيه) قال إنه سوف يصوت للمرشح الرئاسي فرانسوا بايرو لأنه على الأقل ليس يهوديا، مجددا في اليوم التالي نفس الكلام في حديث أدلى به لإذاعة (آر ت أل) قائلا إن هناك لوبيا ماليا يهوديا يسيطر على الحياة السياسية في فرنسا، ما أثار احتجاج المجلس التمثيلي للمؤسسات اليهودية في فرنسا، فضلا عن وسائل الإعلام وجمعية مناهضة العنصرية.
حديث بار هذا تزامن مع صدور كتب جديدة تتناول هذا الموضوع، من زوايا عديدة، أهمها كتاب صدر عن المرصد من أجل المجموعات الفئوية المختص في شؤون الفئات المكونة للمجتمع الفرنسي، بعنوان ضد الفئوية، حيث يحمّل الكتاب مسؤولية تنامي المشاعر الفئوية في فرنسا وتقدمها على الإحساس الوطني للجالية اليهودية وللساسة الفرنسيين الذين يبالغون في كسب ود هذه الجالية.
كتاب آخر صدر حول هذا الموضوع تحت عنوان (judéomanie) أو المبالغة في حب اليهود تناول فيه الكاتب جان روبان التأثيرات السلبية لتفضيل اليهود على المكونات الأخرى للمجتمع، مستعرضا أحداثاً جرت خلال السنوات العشر الأخيرة، منها محاكمة الوزير السابق في حكومة فيشي موريس بابون، وقضية الحجاب، منتقدا بشدة مغالاة الطبقة السياسية في إحياء ذكرى اليهود الذين قضوا في الحرب العالمية الثانية دون سواهم من العرقيات والديانات الأخرى، حيث كتب ان فرنسا هي البلد الوحيد في العالم الذي يحيي ذكرى ترحيل اليهود أربع مرات في العام.
تاريخيا شهدت الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، وعودة الجنرال ديغول إلى فرنسا أزمة ثقة بين اليهود وشريحة كبيرة من الفرنسيين، بفعل الاتهامات التي وجهها أطراف في اليمين الفرنسي، لرئيس الوزراء الفرنسي السابق ليون بلوم الذي وصل إلى الحكم عام 1936، أي في الفترة التي سبقت الحرب مباشرة، بتأخير المصادقة على تصنيع طائرة عسكرية متطورة، كانت الصناعات العسكرية قد انتهت من تصميمها، ما ساهم في خسارة فرنسا الحرب، نظرا لتفوق سلاح الجو الألماني آنذاك.
وسط كل ذلك لعب الجنرال شارل ديغول دورا محوريا في الإشارة إلى اللوبي اليهودي، ونفوذه في فرنسا، وكان أول من أشار الى ذلك في جملته الشهيرة (هناك لوبي مالي وإعلامي يهودي يمارس نفوذا كبيرا على السياسة الفرنسية).
ديغول دخل في صراع مع بعض الكبار في هذا اللوبي، وله في هذا الصدد حادثة مأثورة مع مارسيل داسو (مؤسس شركات داسو) للصناعات العسكرية. وخلاصة القصة ان داسو طلب موعدا مع الرئيس ديغول الذي وافق بعد فترة، وعند دخول داسو الى المكتب الرئاسي صاح به ديغول (سيد داسو إذا كنت تريد الحديث في أمورك الشخصية فهذا لا يهمني، وإن كنت تريد الحديث في امر الدولة، فهذا لا يعنيك).
في هذا السياق يبدو الصراع على أشده بين الكنيسة الكاثوليكية وأنصارها، وبين اللوبي اليهودي مدعوما من القوى الماسونية النافذة في فرنسا، وإن بقي هذا الصراع مخفيا إلا أن بعض آثاره تطفو على السطح من وقت لآخر كما حصل في حديث ريمون بار.
من هنا فإن المصادر المقربة من اليمين الكاثوليكي تتحدث عن صراع خفي يدور على مواقع ومناصب في الدولة يعتبرها أرباب الكنيسة الحصون الكاثوليكية الأخيرة في وجه السيطرة اليهودية التي شملت كل مرافق الدولة والمجتمع باستثناء أربع مؤسسات هي على النحو التالي:
1 ـ رئاسة الجمهورية.
2ـ القيادة العامة للقوات المسلحة.
3ـ حهاز مراقبة الأراضي (المخابرات).
4ـ بعض المناصب من الدرجتين الثالثة والرابعة في وزارة الخارجية، التي يشغلها أحفاد العائلات الفرنسية النبيلة، أيام حكم الملكية.
المصادر المذكورة، ترى في شيراك وصديقيه رئيس الوزراء السابق آلان جوبيه ورئيس الوزراء الحالي دومينيك دوفيلبان رأس الحربة في مواجهة تمدد النفوذ اليهودي، فيما تعتبر ساركوزي رجل المصالح الأطلسية واللوبي الذي يؤيدها في فرنسا، وهي تعتبر ان التظاهرات التي ساهمت في إسقاط حكومة جوبيه في بداية عهد شيراك والمحاكمات التي تعرض لها فضلا عن الضغوط التي تعرض لها دوفيلبان في قضية إصلاح قانون العمل، إضافة إلى فضيحة بنك كليرستريم، مصدرها اللوبي الأطلسي، الذي أراد محاسبة شيراك على موقفه في مجلس الأمن قبل غزو العراق. وتضيف المصادر أن شيراك أعاد تطبيع العلاقات مع اميركا عبر القرار 1559 والتشدد في الملف النووي الإيراني، أما فرنسيا فالطريق الأسرع لتطبيع العلاقة مع اميركا مرت عبر اعادة ساركوزي الى وزارة الداخلية في الحكومة الحالية، وهي الوزارة الأساس للوصول الى قصر الأليزيه، وتسليمه مقاليد الحزب الحاكم الذي مكنه من الترشح للرئاسة الأولى، مؤكدة ان صعود بايرو المفاجئ جزء من صراع النفوذ بين الطرفين.
الانتقاد/العدد1207 ـ 23 آذار/مارس2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018