ارشيف من : 2005-2008

أميركا تعبت من حرب العراق

أميركا تعبت من حرب العراق

في الأزمنة القديمة، كانت الحروب تشن صراحة لغايات من نوع بسط السيطرة أو حتى لمجرد سعي القادة لتحصيل المجد. وفي الأزمنة الحديثة أيضاً، مع فارق هام هو دخول النفاق والتلاعب والإفك كلاعبين أساسيين في تسويغ الحروب تحت قيم إنسانية وشعارات دفاعية.‏

فحروب التوسع الاستعماري التقليدي كان "تحضير الهمج" أبرز شعاراتها المعلنة. والحرب العالمية التي يقودها الرئيس بوش حالياً قد شنت من أجل تصدير الديموقراطية والحرية والرفاه.‏

وفي كلتا الحالتين، كانت الشعوب تقتنع إلى حد بعيد بصدقية هذه الشعارات بعد أن تكون قد خضعت لعمليات مسح دماغ تستفيد أحياناً من معطيات من نوع وجود هذا الديكتاتور، أو ذلك الوضع الفاسد في البلد، او عند الجهة التي تستهدفها الحرب.‏

والواقع أن ثلاثة أرباع الشارع الأميركي والغالبية الساحقة من المعارضة الأميركية قد أعلنت تأييدها للحرب على العراق، قبل أربع سنوات.‏

كما أن كثيرين عندنا تباشروا بهذا الغزو وتفتقت قرائحهم عن نظريات من نوع تلك التي ربطت بين سقوط اليابان وألمانيا في الحرب العالمية الثانية وبين قوتهما الاقتصادية الراهنة، ثم راحوا يتنبأون للعراق بمستقبل زاهر بفضل الاحتلال الأميركي.‏

وبالطبع، تغيرت الصورة حالياً، وتقلص عدد مؤيدي الحرب في أميركا إلى واحد من كل أربعة أشخاص، بعد أن تبين أن الديموقراطية والحرية والرفاه قد انكشفت عن الوضع المأساوي الذي يعيشه العراق مثلما تعيشه أيضاً، بنسب تزيد أو تنقص، شرائح واسعة من الشعب الأميركي الذي يدفع تكاليف الحرب المالية، ويشاهد أبناءه وهم يعودون "إلى المنزل" في التوابيت أو على عجلات المعاقين، أو مصابين بأمراض وعاهات لا تلتفت السلطات الأميركية إلى مجرد تقديم الحد الأدنى من العناية لأصحابها.‏

وإذا كان الأميركيون وغيرهم قد خدعوا بشعارات تصدير الديموقراطية، فإنهم قد خدعوا أيضاً عندما وقعوا فريسة لمشاعر الخوف من الخطر الذي يشكله الخصم الفعلي أو المؤتفك بشكل يجعله قادراً على تلبس عقول الناس ومشاعرهم، وبالتالي على ضمان تأييدهم لما تعده السلطات العليا من مشاريع الحروب.‏

فقد حفلت تسعينات القرن الماضي، وهي السنوات التي تم فيها التخلص من البعبع الشيوعي، بخطابات مشحونة بالتخويف من الإرهاب والتطرف وبما يشكله ذلك من أخطار داهمة لحضارة الغرب وشعوبه.‏

وعندما وقعت تفجيرات الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر عام 2001، تحولت سيكولوجيا الرعب من التفجيرات الإرهابية في أميركا ثم في إسبانيا وبريطانيا وبعض البلدان العربية والإسلامية إلى ظاهرة سائدة حرص الممسكون بدفة السياسة على تغذيتها بما لا يحصى من أشكال التهويل اليومي بعمليات إرهابية وشيكة الحدوث، وبإجراءات أمنية واسعة النطاق لإقناع الناس بأنهم مهددين وبأن عليهم أن يردوا على التهديد وأن يبتكروا أكثر الطرق ناجعية في هذا السبيل عبر الحروب الاستباقية والوقائية.‏

الابتكار الأخير استلزم إقناع الناس بأن الضربات المؤلمة إلى الداخل الأميركي، لا بل إلى رموز العظمة الأميركية في منهاتن والبنتاغون، وكذلك إلى محطات القطارات في مدريد ولندن ما هي إلا إرهاصات لأعمال إرهابية أشد هولاً وأبعد أثراً تقوم بإعدادها عناصر غريبة تعيش بعيداً عن أميركا، في أفغانستان مثلا.‏

وبذلك تحول تدمير البرجين التوأمين إلى هبة من سماء هرمجدون تلقفها الرئيس بوش، برغم الأصوات الرصينة التي دعت إلى التبصر في فهم ما حدث بعدما طبعت أطنان من الكتب التي شككت بالروايات الرسمية حول التفجيرات، وقدمت الكثير من القرائن على وجود أصابع الموساد ووكالة الاستخبارات المركزية الأميركية فيها. تلقفها واستند إليها في إعلان الحرب على طالبان والقاعدة، أي بكلام أكثر جدية، لاحتلال أفغانستان في ضوء ما هو معروف عن إمكانيات نظام طالبان، وعن الطابع الخفي الذي يسمح لمراقبين كثيرين بالقول بأن تنظيم القاعدة غير موجود أصلاً.‏

وإذا كان غزو أفغانستان قد حاز موافقة الشرعية الدولية وتم، في قسم منه، تحت رايات الشرعية الدولية وشعارات الاقتصاص من الجهة التي افترضت مسؤوليتها عن تفجيرات نيويورك وواشنطن، فإن هذا الغزو لم يكن بيت القصيد مع أنه استفرغ كامل جعبة التبريرات الأميركية.‏

وفي تلك الفترة، كان الأميركيون يتساءلون علناً عن الجهة التي يمكن أن ينقلوا رحى حربهم إليها. وقد ذكرت في هذا السياق أسماء السودان والصومال، لكن غياب التسويغات المقنعة جعلهم ينصرفون بأنظارهم نحو بيت القصيد الحقيقي. نحو العراق. مع مسوغ يبدو أكثر قدرة على الإقناع: دكتاتورية صدام حسين التي كانت قبل سنوات زعامة لا تشوبها أية شائبة في حربها المدعومة عربياً وعالمياً ضد إيران، من جهة، ودعوى امتلاك العراق لأسلحة دمار شامل، من جهة ثانية. نفاق في الجهة الأولى لأن الولايات المتحدة هي المسؤولة عن إقامة النظم الدكتاتورية كوسيلة فضلى لتمرير سياساتها على أكتافهم قبل أن تجد طريقة أو أخرى للتخلص منهم، وكذب صريح من الجهة الثانية لأن أسلحة الدمار الشامل المزعومة لم يكن لها وجود في العراق بشهادة المفتشين الدوليين.‏

وإلى هذا الكذب، يضاف الكذب الآخر على الأميركيين: حرب قصيرة تفضي سريعاً إلى الانتصار الذي وعد به بوش، انكشفت عن حرب طويلة لم يحقق فيها بوش غير الهزائم. الأحلام الضمنية بازدهار أميركي بعد وضع اليد على نفط العراق وثرواته بما فيها آثاره التاريخية، ابتلعت القسم الأكبر منها شركة هاليبرتون المحمية من مديرها السابق المعلن، والحالي غير المعلن نائب الرئيس الأميركي، ديك تشيني، والشركة نفسها باعت المحروقات حتى للجيش الأميركي في العراق بأسعار تزيد عشر مرات عن أسعار السوق! ومع هاليبورتون وغيرها، تصبح الحرب الأميركية على العراق وسيلة غير مشروعة للإثراء غير المشروع، على حساب الشعب العراقي، لا لمصلحة أميركا، بل لمصلحة حفنة من رجال الأعمال والسياسيين الأميركيين. شعارات انتهازية، تخويف، كذب، وسرقة.‏

كل ذلك بات الآن معروفاً من الجميع في أميركا وخارج أميركا، تحت ستار حرب تمتد لا أخلاقيتها من أبو غريب إلى غوانتانامو والسجون السرية.‏

وبعد كل ذلك، وفي الوقت الذي تغلي فيه المدن الأميركية بالغضب على سياسات بوش، لا يجد هذا الأخير غضاضة في اعتماد سيناريوهات التسويف. فقد قال في آخر كلام له ان الخطة الأمنية التي حشد لها أكثر من عشرين ألف جندي إضافي تتطلب أشهراً قبل تحقيق أهدافها.‏

كذبة "استباقية" هذه المرة عرفها الأميركيون على حقيقتها وبدأوا الضغط على الكونغرس من أجل وقف تمويل الحرب. فالأميركيون، والجيش الأميركي، قد تعبوا من الحرب. والجيش الأميركي تحديداً لن يوافق على حرب ضد إيران لأسباب أدناها أنها قد تفرض العودة إلى التجنيد الإجباري، وبالتالي إلى زعزعات أميركية داخلية في منتهى الخطورة.‏

عقيل الشيخ حسين‏

الانتقاد/العدد1207 ـ 23 آذار/مارس2007‏

2007-03-23