ارشيف من : 2005-2008

فريق السلطة: يعود إلى رشده، أم يستمر في غيّه؟

فريق السلطة: يعود إلى رشده، أم يستمر في غيّه؟

من استمع إلى الرئيس بري في مؤتمره الصحافي شعر، ولا شك، بحجم المرارة التي يختزنها رجل الدولة هذا في صدره من فريق السلطة. وهو ما كان ليقول ما قاله، وما كان ليضع النقاط على الحروف لولا أنه فاض به من ممارسات هذا الفريق الذي لا همّ له إلا تنفيذ ما يطلب منه فرنسياً وأميركياً، ولا همّ له إلا حساباته الخاصة والضيقة، حتى لو اقتضى ذلك الإمعان في تخريب البلد، وضرب استقراره، في حين أن أبواب الحلول ليست موصدة وإنما مفتوحة لكل من أراد الدخول من خلالها بحسابات محض وطنية.‏

وفي مطلق الأحوال، فإن كلام الرئيس بري الصريح كحد السيف، والعالي السقف لم يأت فجأة، وإنما جاء كتعبير عن ذروة امتعاضه من فريق السلطة الذي دأب منذ الشروع في عملية الحوار على عمل كل ما يلزم لنسفه، وإعادة الأمور إلى الوراء، مخضعاً البلاد والعباد مجدداً لرهاناته ومغامراته ومقامراته، وكأنه لم يكفه ما جره على لبنان رهانه على عدوان تموز.‏

من هنا، يجب وضع وقراءة كلام بري من خلال السياق التالي:‏

أولاً: لقاءات بري ـ الحريري:‏

كان واضحاً تماماً، أنه في الوقت الذي كانت تتمسك فيه المعارضة بموقفٍ ايجابي، وتحرص على توفير المناخات الملائمة، وتظهر كل مرونة ممكنة، لتعطي المساعي كل الفرص المطلوبة للتوصل إلى حل سياسي يوفر الحد الأدنى من الاستقرار في البلد، كان فريق السلطة ممثلاً بأركانه الرئيسيين، يحرص على ملاقاة إيجابية المعارضة بالتصعيد، وكل منهم لأسباب تخصه:‏

ـ ركّز جنبلاط وجعجع اعتراضاتهما على أمرين أساسيين: حكومة الوحدة الوطنية وإقرار قانون الانتخابات، وذلك لارتباطهما بلعبة الأحجام التمثيلية، وبنقاط ارتكاز النفوذ السياسي والمالي في السلطة.‏

إن تركيبة حكومة الوحدة الوطنية لا تعني فقط بالنسبة لجنبلاط وجعجع أنها مدخل إلى تمكين المعارضة من المشاركة الفعلية في القرارات السياسية المصيرية، وبالتالي وضع حد للمشروع الاميركي في لبنان، وإنما تعني أيضاً المس مباشرة بحصصهما داخل هذه الحكومة. وأما قانون الانتخابات، فإن مجرد إقراره سيطلق عملية فرز وضم شاملين داخل مجلس النواب الحالي من ضمن حساب المعادلات الانتخابية، والتحالفات في كل دائرة.‏

ولا شك، أن جعجع وجنبلاط يحاولان استثمار التوجه الأميركي القاضي بتأجيل الحل بهدف توظيفه في مساومات أشمل تخص المنطقة، أو انتظار الوجهة التي ستستقر عندها مقاربته للملف النووي الإيراني.‏

2 - ان السنيورة الذي يرى نفسه بوصفه رجل أميركا الأول اليوم في لبنان، وأنه رأس الحربة في المواجهات الداخلية ومع دمشق، وفي طليعة من يتحمل الكلفة المباشرة لهذه المواجهات، يرى نفسه مستبعداً عن كثير مما يجري، ما يسيء إلى صورته السياسية، ويضعف من موقعه ومكانته.‏

ثانياً: فريق السلطة والتصعيد السياسي:‏

عبّر هذا التصعيد عن نفسه بجملة مواقف وأحداث أبرزها:‏

أ - تشكيك أركان فريق السلطة خصوصاً جعجع وجنبلاط والسنيورة بجدوى لقاءات بري ـ الحريري، وتحميل مسؤولية فشلها إلى المعارضة.‏

ب ـ شن حملة مركزة على الرئيس بري تحت عنوان أنه يتصرف كرئيس لحركة أمل، لا كرئيس للمجلس النيابي، وأنه يصادر المجلس لحساب المعارضة، وصولاً إلى اتخاذ قرار بدعوة نواب فريق السلطة للاعتصام في المجلس النيابي بصورة استفزازية ومتحدية للرئيس بري.‏

ج ـ مواصلة الهجوم على حزب الله والمقاومة، بشكل مباشر أو ضمني، من قبل جعجع وجنبلاط والسنيورة، حيث حملها الأخير مسؤولية تعطيل البلد من خلال مواصلة الاعتصام.‏

د ـ عقد السنيورة جلسة لوزراء فريق السلطة، واتخاذه قراراً بتشكيل وفد خاص إلى القمة العربية.‏

هـ ـ العودة إلى استخدام الشارع من خلال دفع بعض الأهالي في منطقة المنية وبر الياس لاعتراض وفد حزب الله والسفارة الايرانية ورئيس الجمهورية إلى المشاركة في ذكرى الأسير يحيى سكاف، والاعتداء على الشيخين عبد الناصر الجبري وأحمد قطان وتدمير سيارتيهما.‏

إن هذه الوقائع تشير إلى أن فريق السلطة:‏

ـ منزعج، على الأقل، من المسار الذي تتخذه اللقاءات بين بري والحريري، ويرى أن محصلتها العامة لا تخدمه، خصوصاً جعجع وجنبلاط والسنيورة.‏

ـ يريد الضغط على الرئيس بري لدفعه إلى عقد جلسة عامة للمجلس، تسمح له بتمرير نظام المحكمة الدولية.‏

- تجاوز دور بري كرئيس للمجلس ما يفتح الطريق للتعامل المباشر مع الأمم المتحدة وبدون الاضطرار لاعتماد الآليات الدستورية، وخصوصاً أن فريق السلطة سبق ومهّد لهذه الخطوة بسلسلة إجراءات أبرزها إرسال السنيورة عريضة تحمل تواقيع نواب الأكثرية إلى الأمم المتحدة تظهر الرئيس بري تارة بأنه مكره وغير مالك لزمام قراره، وأنه خاضع لسوريا أو لحزب الله، وتارة أخرى بأنه يعمل على تعطيل مؤسسة المجلس النيابي.‏

خلاصة القول هنا، ان مسألة المحكمة الدولية ما زالت تتحكم بأولويات فريق السلطة، ويحاول أن يبتكر مخارج لتمريرها خصوصاً بعدما وجد أن الطريق عبر الفصل السابع مقفل، وكذلك الطريق عبر الآليات الدستورية الداخلية، اذا لم يتم التوافق على التعديلات الواجب ادخالها على نص نظام المحكمة وبالاتجاه الذي يبعده عن التسييس.‏

وهذا إن دل على شيء، فهو يدل على أن هذا الفريق لا يريد التوصل إلى توافق سياسي داخلي على عناوين الخلاف، وإنما ما زال يبحث عن وسائل تسمح له بإحداث خلل في التوازن السياسي لمصلحته.‏

فمن نافل القول، ان نجاح فريق السلطة في تمرير نظام المحكمة الدولية من خارج إطار أي تسوية داخلية، سيسمح له أولاً بتمريرها كما هي، ما يحولها إلى أداة ضغط وابتزاز سياسيين قويين في يده وفي يد الولايات المتحدة، وثانياً يصبح غير مضطر للمقايضة بينها وبين حكومة الوحدة الوطنية، ما يقوي موقعه التفاوضي.‏

ثالثاً: فريق السلطة والاعتصام في مجلس النواب:‏

ـ إن توجه نواب السلطة للاعتصام في مجلس النواب يأتي في سياق:‏

أ ـ ممارسة المزيد من الضغوط على الرئيس بري لحمله على دعوة المجلس النيابي إلى عقد جلسة عامة، تفتح الطريق أمام تمرير نظام المحكمة كما هو.‏

ب ـ التمهيد لما كشفه الرئيس بري من مخطط للتعامل معه كما تمّ التعامل مع الرئيس لحود، بحيث يتم تجاوز موقعه ودوره باتجاه التعامل مباشرة مع الأمم المتحدة لتمرير نظام المحكمة، ولا سيما أن فريق السلطة كان يخطط لتصعيد خطواته هذه بالتزامن مع زيارة الأمين العام للأمم المتحدة إلى لبنان.‏

ج ـ إن ما أعلنه جنبلاط ونواب جعجع من مواقف تكشف نيات فريق السلطة لجهة رفض إجراء أي نقاش حقيقي لنظام المحكمة، ومن ثم العمل على تمريره في المجلس النيابي كما هو.‏

د ـ إن المشاركة الكثيفة لنواب تيار المستقبل تشير الى أن هذه الخطوة هي موضع تنسيق كامل مع جعجع وجنبلاط.‏

هـ ـ إن هذه الخطوة منسقة مع فرنسا والولايات المتحدة اللتين تصران على تمرير نظام المحكمة كما هو، ومن دون أي تعديل حقيقي، وكذلك عدم إدخال أي تعديل على توازنات الحكومة من خلال عدم الاستجابة لمطالبة المعارضة بصيغة 19 ـ 11.‏

و ـ إن فريق السلطة يهمه نقل الحوار إلى مجلس النواب لأن ذلك يتيح له تمرير ما يريد انطلاقاً من كونه يشكل الأكثرية العددية فيه. في حين، أن إبقاء الحوار بالشكل الذي يتم به الآن يخضعه لمنطق توازنات مختلف وأكثر موضوعية، ويعكس ما يريده اللبنانيون على نحو أدق.‏

رابعاً: المؤتمر الصحافي لبري:‏

كان الرئيس بري دقيقاً في توقيته، فهو أراد أن يضع حقيقة ما يجري برسم الجميع:‏

داخلياً برسم الرأي اللبناني ليكون على اطلاع دقيق وموضوعي بمن يتحمل مسؤولية إعاقة الحل، ومن يعمل على المقامرة بلبنان لحسابات خارجية، ولحسابات محض خاصة، ولا فرق عنده، اذا ما حرق البلد عناداً وحقداً منه، وبروحٍ ثأرية متشفية لا تميز بين الحق والباطل.‏

وخارجياً، أولاً، برسم الدول المعنية والحريصة على ايجاد حلّ في لبنان كالسعودية وسوريا ومصر ومنظمة الجامعة العربية وإيران، ليتحمل كل منها مسؤوليته تجاه الفريق الذي له دالة عليه، أو تأثير ما، وثانياً برسم القمة العربية التي باتت على الأبواب لتأخذ في الحسبان حقائق الأمور وهي تقارب الأزمة اللبنانية، وثالثاً برسم الرأي العام العربي حتى لا يخضع لتأثير البروباغندا الاعلامية الجهنمية الاميركية والجنبلاطية والجعجعية والسنيورية الحريصة على تصوير الصراع في لبنان بوصفه صراعاً مذهبياً.‏

بكلمة موجزة لقد وضع كلام الرئيس بري فريق السلطة في العراء لا يسترهم شيء، وكان يمكن لهذا الكلام أن يعتبره البعض أنه مجرد مواقف تصدر عن شخص هو طرف سياسي، لكن ملاقاة السفير السعودي الخوجة لبري في وسط الطريق، وموافقته له على كل ما قاله، لا يضع مجالاً للشك في صدق وموضوعية كلام بري، وليتحمل عندها كل انسان وكل طرف مسؤوليته كاملة.‏

لقد خلط كلام بري الأوراق مجدداً، موقعاً في أيدي فريق السلطة الذي يكاد لا يلوي على شيء، وتراه يتخبط من فرط عجزه خبط عشواء، ويحار ماذا يعمل، وخصوصاً أن الرئيس بري كان حاسماً في الغاء هامش المناورة الضيق أمام هذا الفريق وحكومته اللاشرعية، وذلك عبر توسل غير دستوري، وغير قانوني للمجلس النيابي، لاستخدامه لأغراض خاصة، سواء تجسدت بتمرير نظام المحكمة كما يريده الاميركي، وكما عبر عنه بولتون سابقاً، أو لتمرير انتخاب رئيس جديد للجمهورية حين يحين موعد هذا الاستحقاق، وفق المقاييس الخاصة لمصالح هذا الفريق ولمن يعمل لمصالحهم في الخارج.‏

إن هذا الفريق هو مجدداً أيضاً أمام خيار من اثنين، إما أن يعود اليه وعيه ورشده، ويتحمل مسؤولياته الوطنية كاملة، فيستجيب لشروط المصالحة والحل الوطني الحقيقي، وإما أن يركب رأسه فيستمر في نهجه التصعيدي، وفي معاركه الدينكوشوتية، وفي رهاناته الاميركية التي لن تجر عليه إلا المزيد من الخيبة والخسران، ولا سيما أن عدوان تموز ليس ببعيدٍ عنه.‏

فليختر ما يريد هذا الفريق، لكن هذه المرة لن تكون العودة الى طاولة الحوار والتفاوض أمراً سهلاً، حيث إن أبواب الحسم التي تملك المعارضة أوراقه كاملة سيكون مشرعاً.‏

مصطفى الحاج علي‏

الانتقاد/العدد1207 ـ 23آذار/مارس2007‏

2007-03-23