ارشيف من : 2005-2008

لماذا يخشى جعجع مواجهة الأسرى المحرّرين أمام القضاء؟

لماذا يخشى جعجع مواجهة الأسرى المحرّرين أمام القضاء؟

انشغلت دوائر قصر عدل بيروت بالدعوى غير المنتظرة التي أقامها خمسة أسرى محرّرين من غياهب

معتقلات العدوّ الإسرائيلي، و"مولودين" من ظلمات زنازين المجلس الحربي التابع لميليشيا "القوّات اللبنانية"، ضدّ سمير جعجع، وكلّ من يظهره التحقيق، قام بفعل خطفهم من مرفأ بيروت وحاجز" المونتيفردي" وأنزل بهم التعذيب حتّى الموت، ثمّ سلّمهم إلى كيان معادٍ لكي يحتجز حرّيتهم ويبقيهم لديه سنوات وسنوات، خلافاً للمواثيق الدولية وشرائع حقوق الإنسان.‏

لماذا يخشى جعجع مواجهة الأسرى المحرّرين أمام القضاء؟

وتكمن أهمية هذه الدعوى التي يقف خلفها الأسرى المحرّرون حسين محمد طليس، وحسين بهيج أحمد، وأحمد بهيج جلول، وأحمد محمد طالب، وحسين أحمد رميتي، في توقيت تقديمها على هيئة شكوى مباشرة أمام القضاء، حيث يعتبر جعجع أحد أركان "الشباطيين" والفريق المسيطر على السلطة في بلد دأب حكّامه ومرجعياته ومسؤولوه على الإمعان في رفض التمييز والفصل بين السلطات ولا سيّما السلطة التنفيذية والسلطة القضائية، ما يجعل القضاء أمام تحدّ حقيقي، وهو المولج بإحقاق الحقّ مهما كان الثمن غالياً، ومهما كان السلطان جائراً، وجائعاً لارتكاب الظلم مرّتين.‏

وكما عوّدنا القضاء في محطّات كثيرة وشهيرة على عدم الالتفات إلى التدخّلات السياسية، وعدم الركون والخضوع للضغوطات التي يمارسها بعض المسؤولين فيه على من تكون الملفّات موجودة لديه، فإنّ الأسرى المحرّرين وسائر المظلومين الذين يعتبرون القضاء ملاذهم الأوّل والأخير، يتطلّعون إلى أن يعيد القضاء لهم اعتبارهم وحقوقهم ويدين المجرمين بالعقاب اللازم.‏

وقد تغيّب جعجع عن المثول أمام قاضي التحقيق الأوّل في بيروت عبد الرحيم حموّد في الجلسة الأولى في هذه الدعوى يوم الجمعة الفائت، على الرغم من تبلّغه نصّ الشكوى المباشرة بواسطة وكيله المحامي سليمان لبّوس الذي حضر إلى مخفر بزمّار وأبرز وكالته القانونية وتسلّم ورقة التبليغ المرسلة من مكتب حمود، وهو حقّ مشروع في القانون.‏

واستمهل لبوس لتقديم دفوع شكلية أجازها قانون أصول المحاكمات الجزائية، وإنْ كانت تقع عرفاً، تحت بند "الحيلة القانونية" التي يمارسها المحامون في أغلب الأحيان، للتأجيل والمماطلة والتسويف في دعاوى تكون نتائجها ساطعة كالشمس، وظاهرة للعيان والعميان، وذلك بغية كسب المزيد من الوقت، وتأخير حضور المدعى عليه أمام القضاء مع ما يترتّب على ذلك من ضغط نفسي وإعلامي عليه إذا كان شخصية معروفة، فكيف إذا كان مثل جعجع ومن قيادات السلطة ويواجه جرائم يندى لها جبين البشرية جمعاء.‏

وهذه ليست المرّة الأولى التي يتهرّب فيها جعجع من المثول أمام القضاء، فقد سبق له أكثر من مرّة، أن رفض تلبية تحدّي المعارضة وعائلة الرئيس رشيد كرامي له بأنْ يقبل بأنْ تعاد محاكمته في جريمة اغتيال الأخير بعد تشكيكه بالنتائج التي توصّل إليها كبار قضاة لبنان في المجلس العدلي، وهو أعلى هيئة قضائية في لبنان، بإدانته في غير جريمة، علماً أنّ بينهم القاضي رالف رياشي الذي كلّف رسمياً بمناقشة مسوّدة نظام المحكمة ذات الطابع الدولي في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري مع المسؤولين القانونيين في الأمم المتحدة.‏

وبحسب قانونيين ومحامين التقتهم "الانتقاد" في قصر العدل، فإنّه لا يمكن لـ"لحكيم" الذي أظهر في الفترة السابقة فطنة مستجدّة في علم القانون تمرّس عليها في سجن وزارة الدفاع الوطني، أن يدلي في الدفوع الشكلية المنتظرة من وكيله، بأنّ هذه القضية ساقطة بمرور الزمن العشري لأنّ معظم المدعين خرجوا من السجون في العام 2000 أي قبل سبع سنوات، ولم تمرّ عشر سنوات على هذه الجناية لكي تسقط بمرور الزمن العشري.‏

كما أنّ جعجع لا يستطيع أن يدلي بأنّ الجرائم المنسوبة إليه ساقطة بقانون العفو العام الصادر في العام 1991، لأنّ الجرم متمادّ، واستمرّ تسع سنوات بعد صدور القانون المذكور.‏

وبعد بتّ القضاء في الدفوع الشكلية، فإنّه يرجّح أن يعمد جعجع إلى استئنافها أمام الهيئة الاتهامية في بيروت، ومن ثمّ، إذا اقتضى الأمر، تمييزها أمام محكمة التمييز الجزائية، من أجل تحقيق هدف وحيد هو المماطلة، إلى أن يحين موعد استجوابه ومواجهته بالأدلة والقرائن التي تثبت صحّة أقوال المدعين، ويقال إنّها كثيرة وتحمل في طيّاتها مفاجآت غير سارة، بطبيعة الحال، لجعجع.‏

أما بالنسبة لتدعيم هذه القضيّة بالمستندات والوثائق التي تؤكّد صحّة وقائعها، فيمكن، بحسب القانونيين والمحامين أنفسهم، سلوك الطرق التالية:‏

أولاً: معرفة أسماء شركاء جعجع في هذه الجريمة من عناصر وضبّاط ميليشياته من خلال استعادة "محفوظات" "القوّات اللبنانية" على غرار ما حصل في غير قضية حوكم فيها جعجع وخصوصاً جريمة اغتيال كرامي، وهي متوافرة لدى الأجهزة الأمنية الرسمية.‏

ثانياً:إنّ نظرية "الآمر الناهي" التي يعشقها جعجع وظهرت جلّياً في محاكماته السابقة، راسخة في هذه الدعوى، لأنّ عملية تسليم "القوّات اللبنانية" لحليفها العدوّ الإسرائيلي مواطنين لبنانيين محتجزين لديها، لا يُقرّ ولا يَمرّ من دون موافقة جعجع المباشرة عبر من يليه في التراتبية المعمول بها في هيكلية هذه الميليشيا آنذاك، وهم معروفون بالأسماء الكاملة وبعضهم يعيش خارج لبنان ومطلوب للعدالة.‏

ثالثاً: الحصول على أوراق من لجنة الصليب الأحمر الدولي كانت تنقل أخبار هؤلاء الأسرى ومعلومات عنهم من مكان وجودهم لدى "القوات" او العدوّ الإسرائيلي، إلى ذويهم في لبنان. وهذه الأوراق متوافرة ولا يمكن التشكيك بها.‏

رابعاً: اعتراف العدوّ الإسرائيلي نفسه باستلامه ستّة مواطنين لبنانيين بينهم أربعة من المدّعين، من" القوّات"، وهذا الأمر ليس سرّاً أو خافياً على أحد، وهو منشور في صحف عديدة.‏

وخلاصة القول إنّ هذه القضية لا تسقط بتفصيل قانون عفو على قياس جعجع كما حصل بإيعاز أميركي فرنسي عند إخراجه من السجن في شهر تموز/ يوليو من العام 2005، ما دام أنّ هناك حقّاً وراءه مطالب، ويستحيل أن يصفح المُعذّبون عمن أذاب سنوات من أعمارهم في المعتقلات من دون سبب جوهري، باستثناء الاختلاف معه في الدين والرأي السياسي وبناء الوطن الحرّ.‏

علي الموسوي‏

الانتقاد/ العدد1207 ـ 23 آذار/مارس 2007‏

2007-03-23