ارشيف من : 2005-2008

"التنوّع لأجل الوحدة"

"التنوّع لأجل الوحدة"

هل نفهم أنفسنا وندرك معنى المجتمع من حيث هو بيئة واحدة قائمة على التفاعل والتضامن والتكافل؟

لعل من أخطر الآفات أننا نحيا وفي وعينا الباطني أننا مجرد تجمع بشري لا مجتمع مجرد أفراد لا انتماء لهم، لا بنية مترابطة، كل يرسم مستقبله ومصيره على طريقته، لا مصير المجتمع ومستقبله.. وكل يتحدث عن الثقافة والذاتية الثقافية حديثاً عنصرياً ضبابياً غير منفتح، ونتناسى الوعي العلمي بمعنى الثقافة الاجتماعية وضرورتها.. والكل يتباهى بثقافته، ومنطلقه النزعة العصبوية حيث حدود وآفاق الثقافة مدى درجة تعصّبه دون إدراك، وبالتالي قبول التنوع الثقافي الذي هو ضرورة اجتماعية وتاريخية، وهذا وجه التسامح الحقيقي، والتعزيز لدينامية التطور الاجتماعي المطرد، والضمان للنهوض، فارتقاء المجتمعات على مدى التاريخ رهن الثقافات وتنوّعها وتفاعلها عبر آليات اجتماعية تكفل التفاعل الإيجابي الحر.‏

فالتأمل في طبيعة حياتنا يطرح تساؤلاً: من نحن في علاقاتنا الاجتماعية في الحاضر وفي التاريخ؟ ولماذا هذا التفكك في أواصر روابطنا الاجتماعية؟ وما السبيل إلى الترابط؟ وأن نسأل التالي: ما الذي حدث فعلاً في تاريخنا الاجتماعي، فأصبحنا على ما نحن عليه من وضاعة حال؟ فما الخطوات العملية التي يجب القيام بها؟‏

يجب التفكير جدياً بطبيعة ثقافتنا ومدى تماشيها مع حركة الزمن، لأن الامتداد الزمني يعني الفعل البشري النشيط، لا مجرد قدرٍ مرسوم نتجمد عنده.. فالنظرة إلى كينونة المجتمع تنبع من أفكار مسبقة ومعلبة عن السلوكيات الاجتماعية، فمجتمع الآخر نريده مثل مجتمع "الأنا"، سلوكياً واجتماعياً، وهنا الخطورة، فلا مجال إذ ذاك للتنوع، وبالتالي للحوار والتسامح. فالخطيئة كل الخطيئة أننا نعلّب الحقيقة فتصبح جزءاً من الموروث الذاتي، وعندما نطرحها تأتي ميتة لا تعبّر عن الواقع الصحيح. فالحقيقة هي وليدة فعل وتفاعل وحوار بين الذوات المشتركة ومدى تفاعلهم مع ذواتهم والواقع، وليست رهينة ذاتٍ واحدة تدّعيها، فالحوار يجب أن ينطلق من مسلّمات ليكون سوياً وحياً، فتعدد الواقع وحركة الزمن يفرضان تعدد أساليب الحوار وتغيّر مضمونه ولغته على مستوى المجتمعات زماناً ومكاناً. لذا فالأجدى بنا إعادة الفعالية للإنسان من خلال تصويب نظرته، فوجود التاريخ مرهون بهذه الفعالية، وحياتنا الاجتماعية خلاصتها في تكوين حدث زماني ومكاني له سيرورته. فالحوار هو التفاعل الحي لإرادة الإنسان في فعالية ثقافية تصنع التاريخ ماضياً وحاضراً ومستقبلاً.‏

هذه الفعالية الخصبة تتشكل ذاتياً عبر أنماط واستجابات متنوعة على المستوى الفردي، حيث الفرد يبني تصوّره عن مجتمعه الفردي في إطار سيكولوجي وعقلي خاص. ومن هنا يأتي التنوع الثقافي والاجتماعي، وأضحى هذا التنوع والتغيير في ذاتهما شرطاً أساسياً لوجود حياة اجتماعية متجددة، والإنسان السوي يملك الإمكانيات والقابليات للتنوع في حركة دينامية، فمن البديهي قبوله وتقبله للآخر في سير طبيعي نحو الإبداع، فالعودة إلى اللغة الحوارية بالعودة إلى دراسة الأنماط الاجتماعية بشكلٍ واعٍ وعلمي ومنفتح تعطي فرصة حقيقية ومطلوبة لتطور المجتمع ونهوضه من الركود والضعف.. فكلما زادت درجة التشابك وتعمقت الروابط يكون الانتماء ايجابياً لجهة توحد اللغة او الفكر، وتتماثل الأهداف وتنهزم الرجعية والتخلف. فالطبيعة الاجتماعية متحورة ذات تاريخ مديد قائمة على التفاعل الذي هو جوهر الروح الاجتماعية، وبالتالي الثقافية، فيجب ان لا تكون الثقافة هي العلة في التباعد، بل هي الإطار الصالح للفعل الاجتماعي، وهي النهج السليم للتبادل والتواصل المشترك، فحياتها السلوكيات المتجسدة عملياً في الواقع، وعندما يكون الإنسان صاحب مروءة وصاحب علم ومنطق يتكيف مع قابلية التغير في الطبيعة الاجتماعية، ولا ينبغي الخوف والتعقيد من مصطلح "التغيير" لأنه مطلوب وبديهي، انه اعادة خلق الحياة من جديد، وهذا ما يفرض مهارات وإبداعات لإيجاد أسلوب يوازي بين التغيّر والمضمون الاجتماعي والقيمي الجديد لبث روح المعاشرة الاجتماعية الجدّية. ولا بد من ذكر ما قال الفيلسوف الهندي "رادها كرشنان": "اذا ما تعالينا عن مظاهر الاختلاف بين المعتقدات والثقافات فسنجدها واحدة، لأن الإنسانية في جوهرها واحدة، وإن تنوّعت وتعددت ثقافاتها".‏

محمد فضل الله‏

الانتقاد/ العدد 1207 ـ 23آذار/مارس2007‏

2007-03-23