ارشيف من : 2005-2008

تأملات في "الأسفار المكية" للدكتور طراد حمادة

تأملات في "الأسفار المكية" للدكتور طراد حمادة

حادثة واحدة، فكيف إذا كان الشاعر عاشقاً والأديب عارفاً؟‏

وإذا كان عنوان الكتاب يوحي لك بأن مؤلفه كان يلقي ببصره عيناً على العارف محيي الدين بن عربي في فتوحاته المكية، وعيناً على صدر المتألهين الشيرازي في "الأسفار الأربعة" ليجمع بينهما في لوحة واحدة، ويجني من رحيقهما ما لا يستغني عنه أهل المعرفة في حلهم وترحالهم، فقد تفاجأ عندما تعلم أنه لم يرهما في أسفاره هذه أصلاً، وإنما كان يوغل في سفره وحيداً وعلى طريقته، حيث لا أحد سوى المحبوب:‏

كل العشاق يجلسون في محفل عشقك.. سيدتي..‏

وأنا العارف والزمار.. أقبع في حزني.. في فرحي.. في كل جوانح قلبي.. في كل كيان وجودي لا أرى منهم أحداً..‏

ويتضاعف شعورك وأنت تتمعن بقراءة كل حرف من "الأسفار المكية"، باقترابك من الحق، حيث يتراكم في خيالك سفران إلى المحبوب، سفران في عالمين مختلفين متوازيين: سفر الخلق إلى الحق في رحلة الحج حيث بيت الله، وسفر العاشق إلى معشوقه بعروج الروح في رحلة العرفان نحو المطلق.‏

وعندما يسافر بك الحرف إلى عالم تتراكم فيه ومضات الحب إلى حافة السكر فالصحو، تتراءى لك مناسك الحج وهي ترتدي أثواباً من المعرفة لم تكن تراها من قبل، ولا خطرت لك على بال.‏

فلا تعود ترى في لباس الإحرام الا ولادة الجسد من جديد، وفي الطواف إلا دوران "المجنون" في عشقه إلى درجة الهيام.. ثم يبدأ العروج حيث "يصعد الخيال إلى أعلى أماكنه"، وآنئذٍ لا يبقى للعقل سوى أن يفلت من عقاله و"ينقاد إلى عرش الحبيب"، بعد أن كان قائداً إلى حقائق الكون. وهكذا تتدرج بكل المقامات حتى يلمح الخيال رمي الجمرات حرباً بين النفس والشيطان، ولا يرى في طي المنازل بين مكة والمدينة سوى مرقاة عشق في أثر الحبيب.‏

وفي دورانك في الطواف حول الكعبة تتعاظم في داخلك الفرحة لتعرج بك إلى السماء السابعة لدرجة الفناء عن الذات، وصولاً إلى حيث عرش الحبيب.‏

فرحة الأفراح في الدوران حول عرش القلب‏

تطلقه إلى السماء السابعة‏

يفنى عن ذاته‏

في دورانه حول عرش الحبيب.. دوران لا ينقطع‏

لأجساد لا تشقى‏

ولا يعود بإمكانك وأنت تناجي كعبة الوجود، سوى عتاب الحبيب على ما فعله بك من شدة الشوق والوجد..‏

يا صاحبة الوجد..‏

يا درّة تاج الحق..‏

ما الذي فعلت بقلبي المسكين؟‏

وتبلغ حيرتك مداها عندما تبحث عن شيء طيلة حياتك، ثم تكتشف أنه موجود معك، بل موجود فيك، بل تكتشف أنك في محضره أينما كنت، فتردد في أعماقك:‏

الوجود الذي أبتغيه هو هذا الوجود..‏

إذن ما الذي يجعلني أبحث عنه وأنا في محضره؟‏

ويعود المحب ليتساءل:‏

إذن لماذا أبحث عن قلبي وأنت فيه؟‏

لماذا أبحث عنك وأنت في قلبي؟‏

أسعى إليك في قلبي..‏

ويتسع لك قلبي..‏

ما هذا يا حبيبي؟‏

حيرتي لا تطاق‏

هذا شأن من يطلب "الظاهر الباطن في ظهوره".. ألم يحر العقل به، ولولا الروح العاشقة الولهانة لعاد خائباً؟‏

ولكم تطرب وأنت تقرأ هذه الأبيات، كما يطرب العاشقون حينما يناجون معشوقهم بكل حروف الغزل العُلوي‏

أقرب من نفسي إلى نفسي..‏

ومن جسدي إلى حبل الوريد..‏

والدار دارك..‏

وأنا المسافر من بلد بعيد..‏

وحسبت أني قد نزعت الثوب.. مشتاق جديد..‏

وإذا كنت عارفاً فلن تنسى شيخك، فالعارف بحاجة اليه على كل حال ليسأله عن كل شيء، فكيف إذا كان يطلب الطريق إلى الكعبة فلا يجده؟‏

كانت أجوبة الشيخ تعانق أسئلتي..‏

من أين الطريق إلى الكعبة يا شيخ الأسرار؟‏

أشار إلى قلبي..‏

وفي السفر تحتاج إلى الصاحب، والصاحب إذا كان عاشقاً مثلك تسعد بصحبته، ولكن العاشق الحقيقي لا يبوح بسرّه:‏

إذا خلوت بصاحبي عرفت أنه من أهل الناي..‏

وإذا أصغيت إلى عزفه عرفت أن سره ضنين.. على غير أهله..‏

ولا يليق بك اليأس وأنت تبحث عن الحق، فتحاول ثم تحاول، فإن أصبت مرامك فذاك هو المنى:‏

سألت صاحبي: ما الذي تركت وراءك حين عزمت على السفر؟‏

قال: تخليت عن السوى.. (وهو كل معشوق سوى الله تعالى)‏

قلت: فهمت مرادك.. وما الذي تحمله في سفرك؟‏

قال: نجوى فؤادي، ويقظة حسي، وخفقة قلبي..‏

قلت: عرفت مقصدك..‏

قال: وسر الصحبة أن نتفق..‏

وللسر عند العارفين حكاية لا تنتهي، فكيان العارف في حفظ سره، ويخاف إن هو أذاع سرّه أن يخسر حبيبه.. لذا تراه يخفي السر، وينكر أن لديه سراً..‏

لا السر سرّي‏

ولا ما قالت الأسرار أرويها‏

وما يخفى على قلبي من المعنى.. يحاكيها‏

وأخفى من حكاية الأسرار راويها..‏

وتتعاقب الصور أمام ناظريك، تنقلك من منزلة إلى منزلة، حتى إذا وصلت إلى نهاية المطاف عند عتبة الحبيب المصطفى، ورأيت البعض مطروحين هنا وهناك، تراءت لك ملامح الوصول إلى كمال الوصال..‏

والنائمين على البساط‏

موتى من العشق..‏

مطروحين على ساحة قصر الحبيب..‏

إنها نهاية السفر ومنتهى المسير، حيث لا يبقى أمامك سوى الموت عشقاً على أقدام الحبيب..‏

هكذا ينقلنا الدكتور طراد حمادة في "أسفاره المكية" من عالم ضيّق ممجوج إلى عالم رحب لا يتسع له سوى الخيال الخصب لشاعر عارف، مزج الأدب بالفلسفة، وخلط الحقيقة بالوهم، ثم وبمهارة العارفين، غمس ريشته في حبر مشاعره المرهفة، ليرسم لنا على صفحات الخيال رحلة الحب إلى كعبة الربّ.‏

ويبقى في النفس شيء لا تجد بداً من السؤال عنه:‏

لماذا لم يحدثنا العارف عن السعي بين الصفا والمروة؟‏

ألأنه لم يرَ فيه شيئاً يجذبه إلى المحبوب؟‏

أم لأن كل ما ورد في "الأسفار المكية" ليس سوى السعي اليه؟‏

إبراهيم البدوي‏

الانتقاد/ العدد 1207 ـ 23آذار/مارس2007‏

2007-03-23