ارشيف من : 2005-2008

تجارب لكتّاب تلقفوا النصيحة والمصيبة و"مشقة" الكتابة

تجارب لكتّاب تلقفوا النصيحة والمصيبة و"مشقة" الكتابة

تمر في حياة الكاتب أحداث مؤثرة في شخصه وإنتاجه الأدبي، فتجعله يحسم خياراته في الحياة بشكل عام وفي قصصه ورواياته لإنتاجها خاصة، وربما يصل إلى الإبداع فيها. فيأتي صديق للكاتب وينصحه بأن "يبسّط" كتاباته، وتغدو "الوصفة" مفتاح الحل، كما حصل مع الروائي والكاتب الأميركي أرنست همنغواي.‏

تجربة مختلفة، تعيشها الروائية مارغريت ميتشيل، تعرضت لصدمة سيارة، فهي طريحة الفراش ويدفعها ذلك إلى القراءة والتأليف، ثم تموت في حادثة سيارة أخرى... ويمكن لوصفة النجاح التي يعطيها مؤلف قصص "طرزان" الخيالية، إدغار راس بوروز، أن تدل على الفكاهة وعمق الشخص في آن، لتضمنها وصفة النجاح للكاتب الذي عليه أن يكون "خائب الأمل، فشل على الصعد كافة"! وهو، أي بوروز، لم ينجح بتاتاً في عمل آخر غير الكتابة.‏

همنغواي: نصائح وأقوال‏

تمثل رواية "العجوز والبحر" رائعة انتاج الصحافي والكاتب الاميركي أرنست همنغواي، يروي فيها قصة حياة عجوز أمضى 48 يوماً في البحر من دون أن يصيد سمكة، وفي إحدى المرات، علقت في شباكه واحدة، وكانت "قوية وكبيرة" فبدأت تجره إلى وسط البحر، أياماً وليالي، والصياد مصر على الظفر بها "لإثبات مهارته"، لكنه يقتلها في وسط البحر عند النهاية... لم يصل همنغواي إلى الرواية المذكورة بأسلوبه البسيط المنساب الا بعد أن أخذ بنصيحتين.‏

قالت له الشاعرة الاميركية غيرترود شتاين "إنك صحافي جيد، وتصف، أما الكاتب فعليه ألا يصف أبداً".‏

يسألها همنغواي، "ماذا على الكاتب أن يفعل"، تجيبه: "يدع الناس يحيون حياتهم، لا يقول شيئاً عنهم بل يدعهم وحدهم يتكلمون".‏

ويبرز تأثير ذلك باستعمال الكاتب كلمة "يقول" بدلاً من يصرخ، أو يتحدث..‏

أرنست يُنصت أيضاً إلى صديقه الشاعر غررا باوند حين يشرح له "تملك أسلوباً جميلاً، أترك كل الألفاظ المدوية، وحاول قدر ما تستطيع أن تصف الأشياء ببساطة أشد".‏

واستفاد من النصيحتين، فحذف كل ما ليس ضرورياً، تماماً "الكتابة كالرسم"، يحدد همنغواي.‏

وله روايات عدة من أبرزها: الشمس تشرق أيضاً(1926)، لمن تُقرع الأجراس (1940)، وداعاً للسلاح (1929).‏

ويعطي أرنست همنغواي خلاصة لتجاربه الكتابية، فيعتبر أن الكتابة ليست موهبة يمتلكها المرء بل إنها مسألة "تتخللها الحماسة والمزاجية". "إنها حرفة يمكن للإنسان إتقانها بعد تعلمها جيداً".‏

ومن سوء حظ هذا الكاتب الأميركي، أنه نال جائزة نوبل في عام 1954 غير أنه لم يستطع الحضور ليتسلمها بسبب مرض ألَمَّ به.‏

في آخر أيامه، يذكر النقاد أن همنغواي انتحر، ويرجع بعضهم ذلك إلى كآبته، وإحساسٍه بعدم قدرته على الإبداع والكتابة.‏

"حادثتان.. مفيدة وقاتلة"‏

حياة المؤلفة الأميركية مارغريت ميتشيل تتسم بالـ"تراجيديا" وفائدة المصيبة معاً. وتعد روايتها "ذهب مع الريح" تحفة مؤلفاتها في عشرينيات القرن الماضي. بقيت طريحة الفراش لثلاث سنوات، بعدما صدمتها سيارة مسرعة، وهي تجتاز الطريق برفقة زوجها في ولاية "أتلانتا".‏

وينمو "الحلم" لديها، فزوجها يجلب لها الكتب، وشرع يمازحها "لم يعد من كتب في المكتبة! لماذا لا تؤلفين أنت بنفسك كتاباً، خذي هذه الأوراق وها هو القلم!"‏

بدت ميتشيل، المراسلة السابقة في صحيفة "أتلانتا" مترددة، ولم تجرؤ على خط جملة أولى، وفي لحظة معينة، تصمم على أن تبدأ، بالعكس، أي تنتهي من الفصل الأخير، وتبدأ بالفصل الذي قبله.‏

أحداث "ذهب مع الريح" تأخذ مكانها في الحرب الأهلية الاميركية، عن ابنة لاجئ ايرلندي في الولايات المتحدة، سكارليت، تعيش على أمل أن يعود من أحبّته اليها، والذي صرّح لها بأنه يحب صديقتها فقط. سكارلين غير مقتنعة إلى أن تكتشف أن حبها ما هو الا "انتقام لكبريائها الجريح". خلال "سيرها الروائي" ساورها شك بنجاح الرواية.‏

.."لا .. لا أحد سيقرأ ذهب مع الريح، أنا أنتج بشكل بطيء، وهذا لا يسمى تأليفاً". لكن مسؤولاً في دار النشر التي أصدرت روايتها اعتبرها "مختلفة عن الروايات الأخرى".‏

وبالفعل، فبعد صدورها بيع منها 4 ملايين نسخة في أميركا وحدها. وتحولت لاحقاً إلى فيلم.‏

أما مارغريت ميتشيل فذهبت مفارقة الحياة، عن 49 عاماً، إذ صدمتها سيارة "مرة أخرى".‏

بوروز "طرزان" ووصفة النجاح‏

مؤلف روايات "طرزان" الخيالية هو الأميركي إدغار رايس بوروز، نموذج "كاتب" كان يسخر من الكتاب بداية.‏

والمفارقة، هي أنه لما فرغ من أول قصة عن "طرزانه" حسم أمره "من سيقرأها، من يشتريها!!! ويُفاجأ بوروز بطلب الناشر منه إرسال بقية القصة، ويدفع له لقاءها مبلغاً محترماً.‏

و"طرزان"، اختراع بوروز، انسان ترعرع مع القردة في الأدغال، يعيش مغامرات، ويعود أخيراً إلى مكانه الطبيعي مع أسرته في المدينة بعد أن يعثر عليه إنسان في الجزيرة.‏

بوروز "يعترف" للصحافيين بأنه "لم أتعلم الكتابة قط". ويستفسرون منه عن "وصفة النجاح"، فيقول "لتأليف رواية على الإنسان أن يكون خائب الأمل، فشل على الصعد كافة، عاش حياة بغيضة لا تحتمل، يملك ذكاءً عادياً، لديه جزع كلي من الحياة الحضارية، ألا يتقن القواعد اللغوية، وقراءاته قليلة!".‏

أحياناً، تنفذ إلى الكُتّاب فرصة، يصنعونها بأنفسهم أو يهيئها لهم القدر المكتوب، وتطلق فيهم طاقات دفينة، فيؤلفون، ويبدعون، ويكون سلاح بعضهم الخيال فقط، وهم بحاجة إلى المثابرة و"التصميم على أمرٍ بعناد"، مفتاحان للوصول، وهناك أمثلة أخرى.‏

حسن زراقط‏

الانتقاد/ العدد 1207 ـ 23آذار/مارس2007‏

2007-03-23