ارشيف من : 2005-2008

أجازها الإمام الرضا (ع) ونعى نفسه فيها:القصيدة التائية لـ"دعبل الخزاعي"

أجازها الإمام الرضا (ع) ونعى نفسه فيها:القصيدة التائية لـ"دعبل الخزاعي"

اشتهر الشعراء العرب بإلقائهم قصائد متنوعة في مضمونها، فكان الهجاء والرثاء والغزل والمديح عناوين متفاوتة لأصناف القصيدة العربية.

وقد برع في كل صنف شعراء امتازوا عن غيرهم، فبرزت أسماء في كل نوع منها. وكان للملوك والوزراء نصيب وافر من قصائد المديح التي تقال فيهم لنيل عطائهم وكسب رضاهم. أما أهل بيت النبوة (ع) فكانت تقال القصائد بحقهم وتمدحهم لما لهم من الفضل والكرامة، وقد اشتهر عدد من القصائد التي قيلت فيهم، ومنها قصيدة "البردة" التي قالها الشاعر كعب بن زهير في مدح النبي الأكرم (ص) ومطلعها:‏

بانت سعاد فقلبي اليوم متبول‏

متيمٌ إثرها لم يُفدَ مكبولُ‏

وقصيدة الفرزدق التي ارتجلها في مدح الإمام زين العابدين (ع)، لما سأل هشام بن عبد الملك (قبل استلامه الحكم) عن الشخص الذي أفسح له الناس المجال في الكعبة المشرفة ليصل الى الحجر الأسود، وهو الذي لم يصل اليه، فأجابه الفرزدق بقصيدته المرتجلة التي مطلعها:‏

هذا الذي تعرف البطحاء وطأته‏

والبيت يعرفه والحل والحرم‏

أما القصيدة الرائعة التي قيلت في أهل البيت (ص) وذاع صيتها، فهي القصيدة التائية للشاعر دعبل الخزاعي الذي اشتهر بها، وعنوانها "مدارس آيات"، حيث اعتبرت إحدى قمم البلاغة العربية، وأحسن الشعر، وفاخر المدائح المقولة في أهل البيت (ع) بحسب ما أورد أبو الفرج الأصبهاني في كتابه الشهير "الأغاني"، وعُدت من أحسن الشعر وأسنى المدائح بحسب "معجم الأدباء" لياقوت الحموي. وقد روى دعبل قصة إلقائه القصيدة أول مرة فقال:‏

"في سنة (198هـ) دخلت على سيدي الإمام أبي الحسن علي بن موسى الرضا (ع) بخراسان، فقلت له: يا بن رسول الله، إني قلت فيكم أهل البيت قصيدة، وآليت على نفسي أن لا أنشدها أحداً قبلك، وأحب أن تسمعها مني. فقال لي (ع): هاتها.. فأنشدته:‏

مدارس آيات خلت من تلاوة‏

ومهبط وحي مقفر العرصات‏

لآل رسول الله بالخيف من منى‏

وبالبيت والتعريف والجمرات‏

ديار علي والحسين وجعفر‏

وحمزة والسجاد ذي الثفنات‏

ديار عفاها جور كل منابذ‏

ولم تعف بالأيام والسنوات‏

ديار لعبد الله والفضل صنوه‏

سليل رسول الله ذي الدعوات‏

منازل كانت للصلاة وللتقى‏

وللصوم والتطهير والحسنات‏

منازل جبريل الأمـين يحلها‏

من الله بالتسليم والزكوات‏

ولما بلغت قولي:‏

أرى فيأهم في غيرهم مقسّماً‏

وأيديهم من فيئهم صفرات‏

بكى أبو الحسن (ع) وقال لي: صدقت يا خزاعي.. فواصلت إنشادي حتى انتهيت إلى قولي:‏

إذا وتروا مدّوا إلى أهل وترهم‏

أكفّاً عن الأوتار منقبضات‏

فبكى الإمام الرضا (ع) حتى أُغمي عليه، فأومأ إليّ خادم كان على رأسه: أن أسكت.. فسكتّ. فمكث (ع) ساعة ثم قال لي: أعد، فأعدت القصيدة ثانية حتى انتهيت إلى هذا البيت أيضاً، فأصابه مثل الذي أصابه في المرة الأولى، فأومأ الخادم إليّ مجدداً أن أسكت.. فسكتّ.‏

فمكث الإمام الرضا (ع) ساعة أخرى ثم قال لي: أعد، فأعدت القصيدة، فجعل (ع) يقلب كفيه ويقول:‏

أجل والله منقبضات.. فتابعت إنشادي:‏

وآل رسول الله نحف جسومهم‏

وآل زياد غلّظ القصرات‏

سأبكيهم ما ذرّ في الأفق شارق‏

ونادى منادي الخير بالصلوات‏

وما طلعت شمس وحان غروبها‏

وبالليل أبكيهم وبالغدوات‏

ديار رسول الله أصبحن بلقعاً‏

وآل زياد تسكن الحجرات‏

وآل زياد في القصور مصونة‏

وآل رسول الله في الفلوات‏

ويضيف دعبل: حين ذكرت الحجة القائم عجل الله فرجه بقولي:‏

فلولا الذي أرجوه في اليوم‏

أو غد تقطع نفسي إثرهم حسراتي‏

خروج إمام لا محالة خارج‏

يقوم على اسم الله بالبركات‏

يميّز فينا كلّ حقّ وباطل‏

ويجزي عن النعماء والنقمات‏

فيا نفسي طيبي ثم يا نفسي‏

اصبري فغير بعيد كل ما هو آت‏

فوضع الرضا (ع) يده على رأسه وتواضع قائماً ودعا له بالفرج، ثم رفع رأسه إليّ وقال: يا خزاعي، نطق روح القدس على لسانك بهذين البيتين، فهل تدري من هذا الإمام؟ أو متى يقوم؟ فقلت: لا يا سيدي؟ إلا أني سمعت عن آبائي بخروج إمام منكم، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً. فقال (ع): إن الإمام بعدي ابني محمد، وبعد محمد ابنه علي، وبعد علي ابنه الحسن، وبعد الحسن ابنه الحجة القائم، وهو المنتظر في غيبته، المطاع في ظهوره، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلئت جوراً وظلماً.. وأما متى يقوم فإخبار عن الوقت، لقد حدّثني أبي عن آبائه عن رسول الله (ص) قال: مثله كمثل الساعة لا تأتيكم إلا بغتة. ويضيف دعبل: تابعت الإنشاد، ولما بلغت إلى قولي:‏

لقد خفت في الدنيا وأيام سعيها‏

وإني لأرجو الأمن بعد وفاتي‏

قال الرضا (ع): آمنك الله يوم الفزع الأكبر.. ولما انتهيت إلى قولي:‏

وقبر ببغداد لنفس زكية‏

تضمّنها الرحمن في الغرفات‏

قال لي الرضا (ع): أفلا أُلحق بهذا الموضع بيتين بهما تمام قصيدتك؟‏

فقلت: بلى يا بن رسول الله.. فقال (ع):‏

وقبر بطوس يا لها من مصيبة‏

توقّد في الأحشاء بالحرقات‏

إلى الحشر حتى يبعث الله قائماً‏

يفرّج عنّا الهمّ والكربات‏

فقلت: يا بن رسول الله، هذا القبر الذي بطوس، قبر من هو؟ فقال (ع): قبري، ولا تنقضي الأيام والليالي حتى تصير طوس مختلَف شيعتي وزواري، ألا فمن زارني في غربتي كان معي في درجتي يوم القيامة مغفوراً له".‏

ولما فرغت من إنشاد قصيدتي كاملة قال لي (ع): أحسنت (ثلاث مرات) ثم نهض وأمرني: لا تبرح.. وبعد حين أنفذ إليّ بيد الخادم صرّة فيها عشرة آلاف درهم رضوي مما ضُرب باسمه واعتذر إليّ، فرددتها وقلت للخادم: والله ما لهذا جئت، وإنما جئت للسلام على ابن رسول الله(ص)، والتبرك بالنظر إلى وجهه الميمون، وإني لفي غنى، فإن رأى أن يستوهبني ثوباً من ثيابه للتبرك به وليكون كفني في آخرتي فهو أحبّ إليّ، فأعطاني الإمام الرضا (ع) قميصاً خزاً أخضر، وخاتماً فَصّه عقيق مع الصرّة وقال للخادم: قل لدعبل: خذها ولا تردها، فإنك ستصرفها، وأنت أحوج ما تكون إليها، واحتفظ بهذا القميص فقد صليت فيه ألف ركعة وختمت فيه القرآن ألف ختمة، فأخذتها فرحاً".‏

حسبُ دعبل الخزاعي فخراً بقصيدته أن الإمام الرضا (ع) قال له لما ذكر الإمام المهدي (ع) في قصيدته: "يا خزاعي، نطق روح القدس على لسانك بهذين البيتين" من ناحية، وألحق بها بيتين هما تمام القصيدة، نعى بهما نفسه الى شيعته ومحبيه من ناحية أخرى.‏

الانتقاد/ العدد 1207 ـ 23آذار/مارس2007‏

2007-03-23