ارشيف من : 2005-2008
حكومة الوحدة الوطنية: خطى متعثرة
غزة ـ عماد عيد
ما زال ملف الأمن هو جوهر الحوار بين حركتي فتح وحماس حتى في ظل حكومة الوحدة الفلسطينية التي وُلدت حديثا، فبمجرد أن صدر مرسوم رئاسي فلسطيني بتعيين محمد دحلان مسؤول لجنة الأمن والداخلية في المجلس التشريعي الفلسطيني مستشارا للرئيس الفلسطيني محمود عباس لشؤون الأمن القومي وأمين سر مجلس الأمن القومي، حتى بدأت التصريحات الصادرة عن حركة حماس في التشريعي بانتقاد هذا التعيين. وقالت انه لم يكن متفقا عليه ولم يكن تعيينا قانونيا ولم يأتِ في وقت مناسب، فضلا عن التحفظات التي لدى حماس على شخص محمد دحلان بوصفه الرجل القوي في المواجهات الدموية التي دارت في الأراضي الفلسطينية بين الحركتين الفلسطينيتين.
ولكن مع استشراف الواقع الفلسطيني فإن هذه التصريحات لن تتحول إلى أزمة كبيرة يمكن أن تشكل عقبة حقيقية في وجه مسيرة الحكومة الحالية، على الأقل خلال الأشهر الثلاثة القادمة، وهو ما أكدته مصادر مطلعة ومسؤولة في الحركتين. وبحسب مصادر مسؤولة في حماس فلا يمكن أن يمر مثل هذا المرسوم الرئاسي من دون أن يُعلّق عليه ويُسجَّل الموقف من قبل حماس على الأقل تناغماً مع مشاعر قواعدها التي تنظر إلى دحلان كرجل غير مرغوب فيه لأسباب كثيرة. ولكن هذه المصادر قالت إنها مدركة ضرورة أن يعمل دحلان في هذه التشكيلة الجديدة، وأنه يجب عدم تجاوزه أو القفز عنه لما له من علاقات وقوة، وما لديه من خبرة في المجال الأمني.
على أن المحك الحقيقي هو إعادة هيكلة وتشكيل الأجهزة الأمنية الفلسطينية على أسس جديدة من قبل مجلس الأمن القومي الذي سوف يعاد تشكيله هو الآخر بنص مرسوم رئاسي صدر مع مرسوم تعيين دحلان، وهذه برأي كل المراقبين هي القضية والمساعي الأكثر تعقيدا في المرحلة القادمة، فالأجهزة الأمنية في غالبية أعضائها محسوبة على فتح أو على الأقل غالبية قادة هذه المؤسسة، ومرحلة الاشتباكات الدامية دفعت قيادات في الحركة إلى حملة تنقلات في أوساط هذه الأجهزة لتنقية هذه المؤسسة مما وُصف بالاختراق الحمساوي. وفي المقابل فإن معضلة القوة التنفيذية التي هي من كتائب القسام بنسبة ساحقة ويجب دمجها في صفوف الأجهزة الأمنية الفلسطينية بموجب قرار الرئيس محمود عباس بأعداد متفق عليها لا تتجاوز ثلاثة آلاف، كل ذلك يجعل من إمكانية الدمج أو إعادة التشكيل للمؤسسة الأمنية الفلسطينية القنبلة الموقوتة التي يمكن أن تفجر خلافات لا أول لها ولا آخر، وهذا هو التخوف الحقيقي.
وفي هذه المرحلة على الأقل التي ما زال الفلسطينيون يحتفلون فيها بميلاد الحكومة الجديدة، لن تأخذ حماس أو فتح على عاتقها المسؤولية بالعودة إلى الخلافات التي يمكن أن تصل إلى حد المواجهة في الميدان، وهو الاتفاق غير المعلن الذي يجري التعامل وفقه بين الطرفين آنياً.
الشأن السياسي وعلى رأسه ملف الشراكة السياسية والخلاف الكبير بين مفهوم الشراكة لدى الطرفين وملف الحصار المفروض على الشعب الفلسطيني وإمكانية تفكيكه من قبل الحكومة الحالية، لا يقل شأناً عن الملف الأمنى من حيث الصعوبة والتعقيد.. فقضية الشراكة السياسية سوف يطول النقاش حولها بين الطرفين، وأما بالنسبة الى الحصار فقد بدأت المؤشرات على انه لن يكون بالقدر الذي كان عليه طوال العام الماضي. فقد بادرت غالبية الدول العربية والإسلامية إلى الاعتراف بهذه الحكومة، وأبدت استعدادها للتعامل معها ودعمها والعمل من أجل كسر الحصار عن الفلسطينيين. فيما تفاوتت المواقف الأوروبية بين متردد وموافق ومبارك للحكومة، وبين معارض للتعامل معها حتى تنصاع بشكل كامل إلى شروط اللجنة الرباعية الدولية، وأهم هذه الشروط الاعتراف الواضح والمباشر والمعلن بالكيان الصهيوني.
فقد سارعت النرويج الى الاعتراف والترحيب وأرسلت نائب وزير خارجيتها للاجتماع برئيس الوزارة إسماعيل هنية، والتصريحات التي صدرت عن بقية الدول الأوروبية لم تكن متشددة كما هي الحال سابقا، وبالتالي سارعت أميركا عبر وزيرة خارجيتها كونداليزا رايس إلى الالتقاء بأعضاء الرباعية حتى يجري تنسيق المواقف خوفا من أن ينفرط عقد الموقف الدولي المناهض للحكومة الفلسطينية. وإذا أضفنا الموقف الصهيوني الذي هو الأصعب في هذا السياق وتحكمه في كثير من الأوراق التي تلعب دورا كبيرا في تحديد طبيعة المواقف الدولية من هذه القضية، فإن العامل الصهيوني سيكون بمثابة عامل الحسم في التوجهات الدولية نحو التطرف أو نحو المرونة، ومدة فترة شهر العسل لهذه الحكومة.. على أن الملفات الداخلية كاستتباب الأمن وقضية الرواتب وفرض القانون والقضايا الملحة الأخرى ستكون امتحانا صعبا أمام الحكومة الجديدة في ظل هذه الموازين والظروف الدولية والإقليمية المعقدة.
الانتقاد/ العدد1207 ـ 23 آذار/مارس 2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018