ارشيف من : 2005-2008
قمة الرياض: البحث العربي عن أدوار صعبة... ومفقودة
لعل التشخيص الأهم الذي قُدم لقمة الرياض العادية التي حملت الرقم تسعة عشر هو ذلك الذي صاغه وزير خارجية قطر حمد بن جاسم بإعرابه عن أمله في "خروج العرب من القمة متصالحين أكثر من كونهم متفقين".
ويبدو واضحاً من حجم الاهتمام الشعبي الضئيل جدا بهذا الاجتماع الدوري أن حجم الرهانات ضئيل، ان لم يكن معدوماً، بخروج المجتمعين بنتائج تحدث تغييراً كبيراً في الوضع العربي العام، فضلا عن تغيير أوضاع عدد لا بأس به من الأقطار ممن تعاني أزمات سياسية، وبالدرجة الأولى، فلسطين، العراق، لبنان، السودان...الخ، وسياسية واقتصادية على حد سواء، كالصومال... هذا بمعزل عن العلاقات البينية التي تشكل هم المواطن العربي الأول باعتبارها المدخل لتسلل جميع الأزمات اليه.
على أن اليأس المسبق من نتائج "قومية" ينبع من أسباب عدة أبرزها:
1ـ عدم قناعة دول عربية كثيرة ـ ان لم يكن جميعها ـ بفعالية مؤسسة الجامعة ودورها في حل النزاعات، فضلاً عن دورها في ادخال العرب في عالم سياسي واقتصادي جديد.
2ـ تركيبة الجامعة وآلية اتخاذ القرارات فيها ـ بالإجماع ـ التي تتيح لدولة صغيرة عرقلة أي قرار.
3ـ التزام القسم الأكبر من الدول العربية بأطر اقليمية ودولية تعتمدها كحامية وضامنة لأمنها، وبالدرجة الاولى في وجه شقيقاتها العربيات وليس اعدائها غير العرب.
4ـ هيمنة النظام الدولي على مراكز القرار في العديد من العواصم العربية، واجهاضها للنظم والمؤسسات الاقليمية، بحيث تبدّي هذه العواصم علاقاتها الدولية على علاقاتها البينية. وهذا يفاقم من ناحية النزاعات عندما تستعين دول بـ"غرباء" على شريكاتها في الجغرافيا والهوية والدين، ويمنع من ناحية أخرى انجاز تسويات للمشاكل العالقة الا في اطار مقاربة دولية تتخذ بالدرجة الأولى مصالح الأطراف الخارجية على حساب مصالح دول المنطقة. وباختصار فإن البعد الدولي لدى عدد لا بأس به من الأطراف العربية يتفوق بل يجهض البعد القومي.
وتنام هذه الأطراف على قناعة بأنه من غير المسموح لها معالجة أزماتها الا في اطار ما يرتئيه لها الاخرون.
من هنا يمكن تفسير تراجع الاهتمام بالملف اللبناني باعتباره أزمة ملحة تحتاج الى علاج سريع يضع حداً للفتنة التي تسعى الولايات المتحدة لتفجيرها في لبنان، من خلال أدواتها المحلية. وقد حال الرفض الاميركي الصريح لصيغة التسوية التي كاد طرفا النزاع، الموالاة والمعارضة، يتوصلان اليها بدعم ايراني وموافقة سورية، دون إنجاز الحل وحمله الى قمة الرياض تتويجا لجهود المملكة ومن سعى معها. لكن لان المقاربة الأميركية تستخدم الورقة اللبنانية أداة تفاوض للحصول على مكاسب في العراق تخفف من مأزقها فيه تمهيداً لاخراج نفسها منه، فإنها رهنت هذا الأمر لنتائج الحوارات التي بدأت في مؤتمر بغداد وستستأنف في مؤتمر اسطنبول.
وهكذا سجل لبنان سابقة بذهاب وفدين منه الى الرياض، واحد برئاسة رئيس الجمهورية الموجهة الدعوة حصرياً له باعتبارها قمة رؤساء وملوك وأمراء، ووفد آخر برئاسة فؤاد السنيورة الذي حضر كضيف. وانعكس ذلك على طريقة استقبال الضيفين ضمن معادلة سعت المملكة بموجبها لعدم اغضاب احد. وبدل ان يكون الجهد السعودي والعربي عموماً منصباً على ايجاد حلول للأزمة اللبنانية، انصب على العمل لتلافي المشاكل في القمة، حيث كانت الرياض حريصة بدرجة كبيرة على عدم اثارة أي ضوضاء تؤثر على المسار العام لأعمال القمة فلا تحتسب نقطة عليها. وقد جرت اتصالات مكثفة لايجاد ورقة لبنانية واحدة تحظى برضى الوفدين غير التي حاول السنيورة تمريرها لمصلحة فريقه ووجهة نظره، حيث تصدى رئيس الجمهورية لهذا الموضوع، وطلب ادخال تعديلات عليها بحيث يوظف الدعم لمصلحة لبنان ككل وليس لحكومة بذاتها، وهو ما حصل عبر اخذ رئاسة القمة وامانتها العامة بالغالبية العظمى من ملاحظات لحود، ان لم يكن كلها، فأصبح الدعم للبنان وللحكومة أيضاً، ولم يجر تبني نقاط السنيورة السبع التي طرحها إبان عدوان تموز، بل جرى الترحيب بها. كما نص البيان الختامي على الاشادة بمقاومة لبنان الباسلة وتصديها للعدوان الاسرائيلي، والمطالبة بإطلاق الاسرى اللبنانيين، وتطبيق القرار 1701 ووقف الخروقات الاسرائيلية، والانتقال من حال وقف العمليات الحربية الى وقف شامل للنار. على ان البارز كان في تحميل اسرائيل مسؤولية عدوان تموز، وهو نص يسجل لمصلحة المقاومة التي سارع بعض العرب الى اتهامها بـ"المغامرة" بعيد عملية الأسيرين.
كما ان الصيغة المتعلقة بالمحكمة الدولية لحظت وجوب مرورها بالقنوات الدستورية والقانونية اللازمة لاقرارها في لبنان، وفي اطار توافق اللبنانيين بعيدا عن التسييس والانتقام.
لكن جوهر المشكلة بقي ذاته اذ اقتصرت القمة على كلام عام يدعو اللبنانيين الى حل مشاكلهم بالحوار ودعم جهود الجامعة العربية بهذا الشأن، دون أن تقدم أي مبادرة، لادراكها المسبق بالفيتو الاميركي عليها. وعليه فبدل ان تخرج القمة بحل للمشكلة اللبنانية كان الجهد منصبا على تفادي المشاكل بين الوفدين اللبنانيين داخل القمة.
على ان شيئاً ما خرجت به القمة ـ وفي اطار المصالحة طبعاً ـ وهو ما يتعلق باعادة المياه الى مجاري العلاقات السعودية ـ السورية التي توجها لقاء مطول بين الرئيس بشار الاسد والملك عبد الله بن عبد العزيز استغرق نحو ساعتين، واتسمت اجواؤه بالايجابية، وأنهى جميع المشكلات بين البلدين وفق كلام لنائب الرئيس السوري فاروق الشرع. وقد تم الاشتغال على هذا الموضوع طيلة الفترة التي سبقت القمة واستمرت حتى وصول الاسد الى الرياض ليتم تجاوز غيمة الصيف العابرة كما وصفها الرئيس السوري.
وهنا يجري الرهان على سياق مختلف للأزمة اللبنانية يمكن ان يساهم في اطار ثنائي سوري ـ سعودي بتذليل بعض العقبات، لكن تبقى المعضلة الاميركية بالمرصاد. اما في حسابات دمشق فإنها اخرجت نفسها في القمة مما اصطلح البعض على تسميتها بالعزلة العربية، لكن المسألة لم تصل حد استعادة الاطار الثلاثي المصري السوري السعودي.
وبالنسبة للموضوع العراقي فإنه وبرغم المساحة الكبيرة التي احتلها في بنود البيان الختامي، وربما كانت الأكبر، فهو وبمعزل عن الكلام الذي اخذ من طرف واعطى طرفا آخر، بحيث حاول أن يرضي ما أمكن من مكونات المجتمع السياسي العراقي الراهن ـ مع تحيز واضح لفريق بعينه ـ فإنه لا يتوقع أن يخرج اي من النصوص الواردة الى حيز التطبيق لأن العرب استيقظوا متأخرين على هذا الملف، ولانه ليس من عادة الولايات المتحدة أن تشرك أحداً في حل ازماتها، الا في اطار تطويعهم لمصالحها، لذا فإن مسار الأمور في هذا البلد يبقى محصوراً في الاطر الثنائية التي انطلقت في بغداد، أي بالدرجة الاولى مع سوريا وايران اللتين تقدمهما واشنطن على أنهما طرفان نافذان على الساحة العراقية، وترى أن حوارها معهما وحده كفيل بحل مأزقها على الاقل حسب الوصفة التي قدمتها لجنة بيكر ـ هاملتون.
اما الموضوع الاخر الذي أخذ حيزا من النقاش العلني والسري، السياسي والأمني، وبرعاية وحضور أميركيين مباشرين قبل القمة عبر زيارة وزيرة الخارجية الاميركية كونداليزا رايس الى المنطقة، فكان موضوع المبادرة العربية للسلام التي خرجت بها قمة بيروت عام الفين واثنين بطرح قدمه حينها ولي العهد السعودي الملك الحالي، وتقوم على التطبيع مقابل السلام، والانسحاب من الاراضي المحتلة عام 67، واقامة دولة فلسطينية مستقلة، وحل قضية اللاجئين الفلسطينيين. وقد كان الشق الاخير هو مجال السعي الاميركي الحميم لالغائه عبر ادخال تعديلات على المبادرة والطلب من بعض الدول العربية تولي هذا الموضوع، على قاعدة ان السلام الذي تقبل به اسرائيل هو فقط الذي من بين ما يتضمنه، اضافة الى مسائل اخرى هامة تتعلق بالدولة والسيادة والقدس وغيرها مما يسمى قضايا الوضع النهائي، هو عدم السماح بعودة هؤلاء الفلسطينيين الى وطنهم والى أي دولة تنشأ لهم فيه، حتى ولو كانت بالحد الادنى، أي أراضي غزة والضفة.
لكن تحرك رايس لم يفلح بسبب ممانعة عدد من الدول العربية على رأسها سوريا ولبنان ممثلاً برئيسه اميل لحود، وبسبب انهماك ايهود اولمرت بوضعه الداخلي جراء تحقيقات لجنة فينوغراد في حرب تموز، ما جعل الامر صعباً، لكنه حدد مصير هذه المبادرة بالرفض الاسرائيلي، وكشف من ناحية ثانية كيف ان الدول العربية تضطر الى التمسك بما كان يفترض انه حد ادنى، بدل ان يكون بإمكانها رفع سقوفها التفاوضية ولو من ناحية شكلية. بحيث انه كان يفترض بعد هزيمة اسرائيل في حرب تموز ودحرها عن قطاع غزة، أي استعادة الفلسطينيين جزءا من ارضهم بقوة المقاومة وليس بوسيلة المفاوضات، ان يكون ذلك حافزاً لتصعيد الشروط وتعديل المبادرة صعوداً وليس نزولاً. وهنا تكمن المشكلة في محاولة الجانبين الاميركي والاسرائيلي تحويل هزيمتهما في لبنان نصراً سياسياً، بدل ان يحوّل العرب نصر المقاومة العسكري تعزيزاً لموقعهم السياسي والعسكري أيضاً.
اما الملفان الاخران المتعلقان بالسودان والصومال فإنه ينطبق عليهما ما سبقهما من ملفات لجهة خضوعهما لمعادلات دولية واقليمية ـ غير عربية ـ تجعل من الصعوبة بمكان الخروج بحلول قومية. اما الملف النووي الايراني فإنه وبرغم ان البعض من العرب يتحدث عنه، فإن ذلك لا يعدو كونه تسجيلا لفظيا باعتبار ان هذه القضية مما لا يتيح الوضع العربي الراهن ولا طريقة تعاطيه مع الملف النووي الاسرائيلي، بأن يطلوا عليه من موقع من يؤخذ برأيهم، اللهم الا في اطار ما تريده الولايات المتحدة من بعض دول المنطقة من زجها في خلافات اكبر منها مع ايران.
وزير خارجية قطر حمد بن جاسم أعرب عن امله في خروج العرب من القمة متصالحين اكثر من كونهم متفقين.
عبد الحسين شبيب
الانتقاد/ العدد1208 ـ 30 آذار/مارس 2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018