ارشيف من : 2005-2008
مصر.. دستور مُعدل وآفاق مسدودة
جفّت الأقلام وطويت الصحف وفازت مصر بدستور مُعدل.
فقد أكد صفوت الشريف رئيس مجلس الشورى والأمين العام للحزب الوطني، أن الاستفتاء على التعديلات الدستورية يعد خطوة فارقة في تاريخ مصر، وأن على كل محب لوطنه التوجه للمشاركة باعتبار ذلك واجباً مقدساً.
وأشار إلى أن التعديلات تمثل نقلة نوعية كبيرة في دعم مسيرة الديمقراطية، مضيفا أن يوم الاستفتاء يوم مشهود لانتصار إرادة الشعب وتعزيز الديمقراطية, وعلى الخطى نفسها كان شيخ الأزهر يصدر فتواه ليحث المواطنين على التوجه لصناديق الاقتراع، إذ صرح أن مقاطعة الاستفتاء على التعديلات الدستورية تعتبر بمثابة كتمان للشهادة، موضحاً أن على كل شخص الإدلاء بشهادته فيها استجابة لقوله تعالى "ولا تكتموا الشهادة، ومن يكتمها فإنه آثم قلبه".
البابا شنودة الثالث دعا المسيحيين لأن يصموا آذانهم عن دعوة أحزاب المعارضة لمقاطعة الاستفتاء، بل وتصدّر مجموعة من القيادات الكنسية متوجها الى دائرته الانتخابية للاقتراع بنعم. وربما لا تكون المرة الأولى التي تتدخل فيها الكنيسة المصرية في عهد شنودة لتحديد مسار الاقتراع السياسي لشعبها, الا أنها المرة الأولى التي يُسمح فيها للرعية بالتصريح بذلك علانية, وقد ساهم هذا في ارتفاع نسب التصويت ببعض مناطق صعيد مصر.
هذا الاستخدام المكثف للدين للتصويت لنصوص أحدها يحظر إقامة أحزاب على أساس ديني أثار قدرا غير قليل من الدهشة في أوساط المتابعين.
رجال المال والأعمال أعضاء الحزب الحاكم لم يقصروا في حشد مرؤوسيهم وكذلك موظفي الدولة والإدارات التابعة لها، وتسربت أوامر إدارية تنص على ضرورة الحشد والتصويت بنعم.
الرشى المالية الصغيرة أو وجبة طعام وحلوى المولد النبوي وبعض الهدايا العينية كانت وسائل لترغيب المقترعين فى بعض القرى والأحياء الفقيرة, وهذا ما قد يفسر ظاهرة ربات البيوت الحريصات على "أداء واجبهنّ الانتخابي"، هكذا أعادت الموالاة تجريب كل ما هو معروف من وسائل حشد الناخبين الا ان الطريف هو ظهور وسيلة جديدة يمكن تعريفها بالحشد خلف مبادئ افتراضية، فقد رفع أحد رجال الحزب الوطني لافتات تقول "نعم للتعديلات ـ نعم للتعليم المجاني ـ نعم للحرية" في حين أنه لا علاقة لهذه التعديلات بمجانية التعليم، والأمور تسير نحو تفريغ المجانية من مضمونها.
الأمن كان حاضرا بكثافة لتأمين عملية الاقتراع وقام باحتجاز نشطاء أثناء توجههم للمشاركة بنشاطات احتجاجية، وحصار المحتجين بميدان التحرير أكبر ميادين العاصمة عشية الاستفتاء، وكذلك حصار بؤرة التوتر وتداعي المحتجين في نقابتي الصحفيين والمحامين وسط القاهرة وذلك "في إطار من القانون ولحماية المحتجين أنفسهم من التعرض لأي سوء أثناء تعبيرهم عن رأيهم" وفق تصريح مصدر إعلامي رسمي, ولم تفلح هيبة ووقار مفكر كالدكتور عبد الوهاب المسيري المنسق العام لحركة كفاية في اقناع القوات بفك حصارها عن المحتجين أو في افلاته هو شخصيا منها.
كل أساليب الحشد تمخضت وفق الرقم الرسمي المعلن عنتوجه 27,1% فقط للاقتراع من اجمالي عدد الناخبين المقيدين بجداول الاقتراع والذي يقدر بـ35 مليون ناخب من اجمالي الشعب المصري الذي يناهز الـ70 مليونا, وهو ما اعتبرته أوساط الاعلام الرسمي نسبة غير مسبوقة بالتاريخ, وبلغت نسبة المصوتين بنعم 75.9%, أي قرابة الـ7 ملايين صوت, اذاً نسبة واحد الى عشرة من اجمالي الشعب المصرى ووفق الرقم المعلن توافق على تعديل الدستور, فإذا أخذ في الاعتبار تقارير عدة تشكك فى صدقية هذه الأرقام يتكشف الأمر عن تداعٍ لشرعية الحضور والقبول الجماهيري.
تمت عملية الاقتراع وسط غياب شبه كامل للقضاة حيث يتحدث الرقم الرسمي عن إشراف 1000 قاض على الاقتراع، وهو رقم يشي بالغياب مقارنة بعدد اللجان على امتداد القطر, بينما يقدر نادي القضاة أن المشاركين لا يتجاوزون الخمسمئة بسبب اعتذار البعض, وقد تم اختيار القضاة المشاركين من قبل وزارة العدل.
المستقلون وهيئات المجتمع المدني يقدرون نسبة الحضور بأنها لا تتجاوز 5% كمتوسط عام, تتدنى للعدم فى بعض مواقع المدن والحضر وترتفع الى 15% في المناطق ذات الطابع الصناعي على خلفية الحشد العمالي. ظواهر عدة شابت الاقتراع تعد من كلاسيكيات التلاعب مثل عدم تنقية الجداول الانتخابية بحيث يعجز المواطن عن الاهتداء الى مقره الانتخابي وفق الجداول المعلنة, بالمقابل يتم حشد آخرين لا يحملون هويات للاقتراع ولعدة مرات فيما يعرف بظاهرة الأصوات الطائرة, بعض المراقبين يلمّح الى أن غياب القضاء أفضى الى تجاوزات كبيرة تعدت الكم المرصود وكيفيته أيضا.
جمال مبارك "نجل الرئيس" ورئيس اللجنة العليا لسياسات الحزب الحاكم يلمس وتر فتور الثقة الشعبية فيؤكد "ان العملية لم تنته بعد"، مضيفا "ان العملية ليست آخر الدنيا، وهناك اجراءات اخرى سيتم بحثها مع أمل تقديم المزيد من الضمانات لضمان ثقة الناخبين". وعلى مسافة غير بعيدة يعلن بعض المقربين من الحزب الحاكم عدم قبولهم الكامل بصياغات بعض النصوص الدستورية, وتطالب بالمقابل قوى المجتمع الأهلي المعارضة بالتريث لمواكبة التطبيق على أرض الواقع من خلال قوانين يتم سنها وفقا للتعديلات الجديدة, ويمكن من خلالها وفق رؤيتهم تقليم أظافر نصوص تطال الحريات العامة أو تمس بنزاهة العملية الانتخابية.
الخبراء وعلى خلفية ربع القرن المنصرم من التجربة السياسية لا يتعاملون بجدية مع دعوات كهذه، ويحذرون من مغبة انسداد كامل بالأفق السياسي, أما فقهاء الدستور فيقرون باستحالة ولادة قوانين بيضاء من رحم دستور أسود.
الانتقاد/العدد 1208 ـ 30 آذار/مارس2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018