ارشيف من : 2005-2008

خليل زاد: أخطاء وخطايا في العراق..

خليل زاد: أخطاء وخطايا في العراق..

بغداد ـ عادل الجبوري

يعتبر زلماي خليل زاد ثاني سفير اميركي في العراق بعد الإطاحة بنظام صدام، فقد سبقه لهذا المنصب جون نيغروبوبنتي الذي كان يشغل منصب مندوب الولايات المتحدة الدائم في نيويورك قبل ان يأتي الى بغداد، وشغل بعد تركه منصب مدير أجهزة الاستخبارات الوطنية، ليصبح في اطار التغييرات الجديدة مساعدا لوزيرة الخارجية كوندوليزا رايس. ومن المقرر ان تكون وجهة السفير زاد نحو نيويورك لشغل منصب مندوب بلاده الدائم في المنظمة الدولية.‏

بقي زلماي خليل زاد في العراق حوالى عامين، ولم يكن الرجل يتصرف ويتحرك كأي سفير دولة عادي، بل لعب دورا اكبر بكثير من عنوانه الوظيفي والسياسي.. وربما لم يكن من الناحية الفعلية يختلف عن الحاكم المدني للعراق بول بريمر، من حيث مساحة الصلاحيات الممنوحة والقدرة على التحرك وفرض الأجندة الاميركية على الواقع العراقي.‏

آخر تصريح أدلى به السفير زاد قبل مغادرته العاصمة العراقية بغداد، هو انه "كانت هناك محادثات مع ممثلين عن مجموعات مختلفة بعد الانتخابات البرلمانية وخلال إعداد الحكومة قبل وقوع حادث سامراء، ثم بعده أيضا". ربما لم يأتِ السفير الاميركي المنتهية ولايته بشيء جديد يخفى على الكثير من العراقيين، لا سيما ان تسريبات وسائل الاعلام والمحافل السياسية عن الاتصالات والمحادثات والمفاوضات بين الجانب الاميركي والجماعات المسلحة كانت مستمرة ومتداولة في الشارع العراقي على ألسنة كثير من الناس الذين يجابهون يوميا خطر الاعمال الارهابية في شوارع بغداد والمدن العراقية الاخرى. وتعيين زلماي الذي ينحدر من أصول أفغانية من طائفة البشتون، سفيرا في العراق بعد ان كان سفيرا في أفغانستان، لم يأتِ اعتباطا، بل ان ذلك القرار كان محسوبا بدقة، فهو خبير بشؤون المنطقة وبشؤون العراق تحديدا، وبكل تجاذبات الحالة العراقية، مستفيدا من عمله في وقت ممثلا للرئيس الاميركي في القضية العراقية ومسؤولا عن الملف العراقي في المرحلة الاخيرة من عمل المعارضة التي سبقت الاطاحة بنظام صدام.. وهو الذي أشرف بالكامل على المؤتمر الموسع للمعارضة العراقية أواخر عام 2002، الذي سبق حرب إسقاط صدام بشهور قليلة.‏

ويرى بعض السياسيين العراقيين ان الطريقة التي أدار بها زلماي خليل زاد الملف العراقي أدت الى تفاقم المشاكل والازمات واتساع هوة الخلافات والاختلافات بين فرقاء الساحة العراقية، وأن أداءه السياسي كان يسير بنفس اتجاه الاداء العسكري الذي يقوم على مبدأ ترك بعض الازمات تستفحل وعدم الاسراع الى حلها، لاعتبارات وحسابات سياسية خاصة تعكس الرؤية او الاستراتيجية الاميركية حيال الوضع العراقي خصوصا، والوضع في المنطقة على وجه العموم، وآلية التعاطي مع أطراف اقليمية ارتباطا بملفات معينة، وتوظيف الورقة العراقية للضغط باتجاهات ما دون الاهتمام كثيرا بتداعيات مثل تلك السياسة على الواقع العراقي المتأزم والمضطرب والمرتبك أساسا.‏

ويصف النائب في مجلس النواب العراقي عن القائمة العراقية القاضي وائل عبد اللطيف اداء خليل زاد بأنه كان سلبيا، وأن توجهاته كانت طائفية. ويتفق آخرون مع عبد اللطيف في تقييمه، لكنهم قد يترددون في الافصاح عن ذلك لأسباب ومبررات خاصة بهم، او لكونهم محكومين بمواقف الاحزاب والكتل التي ينتمون اليها. وفي منتصف شهر آب/ أغسطس الماضي اتهم السفير زاد في سياق حوار أجراه معه مراسل صحيفة "نيويورك تايمز" الاميركية من مقر اقامته في المنطقة الخضراء ببغداد، ايران بالضغط على الميليشيات الشيعية ـ يعني جيش المهدي ومنظمة بدر ـ بغرض شن هجمات على القوات التي تقودها الولايات المتحدة ردا على الهجوم الإسرائيلي على لبنان. وتحدث السفير في تلك المقابلة عن مخططات لإقامة هلال شيعي يضم العراق وإيران ولبنان.. ويمكن لأي متابع ان يدرك طبيعة ردود الفعل والمواقف التي تخلفها تصريحات استفزازية من هذا القبيل، وخصوصا لدى الاوساط السياسية والدينية السنية العراقية، وكذلك لدى اطراف اقليمية لا تبدي ارتياحا ازاء الواقع السياسي الحالي الذي يتمتع به الشيعة بنفوذ لا بأس به مقارنة بالعقود الثمانية الماضية منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة عام 1921، حتى الاطاحة بنظام صدام عام 2003. ولا يحبذ البعض الاستغراق في توجيه الانتقادات للسفير الاميركي المنتهية ولايته، لأنه لم يكن سوى مترجم لسياسة وتوجهات بلده. لذلك فمن الخطأ التعويل على حصول متغيرات يعتد بها في السياسية الاميركية حيال العراق بعد مجيء السفير الجديد رايان كروكر، الذي تولى ادارة الملف العراقي فترة قصيرة بعد سقوط نظام صدام. ربما سيحاول كروكر كسب ثقة كل الفرقاء السياسيين العراقيين، من خلال اصلاح بعض أخطاء زاد، او الإيحاء بأنه يريد ان يفعل ذلك، لكنه بالتأكيد لن يخرج عن مسارات مرسومة ومحددة مسبقا في واشنطن وليس في بغداد، ومعيار النجاح لأي سفير اميركي في العراق هو قدرته على السير فيها بأقل قدر من الخسائر والاستحقاقات، وبأكبر قدر من المكاسب والإنجازات.. لواشنطن لا لغيرها.‏

الانتقاد/العدد 1208 ـ 30 آذار/مارس2007‏

2007-03-30