ارشيف من : 2005-2008
نيكولا ساركوزي: أقرب إلى الأليزيه
باريس ـ نضال حمادة
من الأفضل ألا يكون المرء عربيا أو أسود البشرة في فرنسا "العدالة والإخاء والمساواة" هذه الأيام، فهذا يجعله موضع شك وريبة أينما حل، وبالتالي من الصعب أن ينجو من قانون الطوارئ أو من الحملة المسعورة التي يقودها المرشح الرئاسي نيكولا ساركوزي تحت شعار الأمن ومكافحة الجريمة.
وعلى الرغم من الشعارات الجميلة الموروثة من الثورة البورجوازية للعام 1789 فإن عددا قليلا من الفرنسيين يعترض علانية على سياسة ساركوزي الأمنية، بل ربما يقع مؤيدو المرشح الرئاسي ضحية شعاراته البراقة المليئة بالعنفوان الوطني وصفات البطولة التي تغطي في الواقع سياسة التمييز المعتمدة ضد سكان الضواحي البائسة، علما أن الشعارات المذكورة يوظفها الوزير في معركته المعلنة للوصول إلى كرسي الرئاسة الأولى في انتخابات نيسان/ أبريل المقبل.
اللافت أن المرشح الذي شغل منصب وزير الداخلية حتى الاثنين الفائت (26/3/2007) يردد يوميا شعارات "المحافظون الجدد" في أميركا على مسامع الفرنسيين {أمنكم مهدد} {أنا المسؤول عن حمايتكم } {فرنسا بحاجة لمن يحميها} وذلك عبر تصريحات تنقلها وسائل الإعلام دوريا.
أما صور ساركوزي فتراها حيثما ذهبت، وهي تكاد لا تفارق الفرنسي لحظة واحدة في مترو الأنفاق, على لوحات الإعلان, على أغلفة المجلات, وعلى صدر الصفحات الأولى للجرائد.
في فرنسا اليوم يمكن لأي إنسان أن يصبح بطلا "في عرف ساركوزي" كرجل الإطفاء الذي يخمد حريقا في صندوق قمامة أو الشرطي الذي يقبض على فتى "أسود", حتى رئيس بلدية باريس (دي لانويه) الذي كان حتى وقت ليس ببعيد ينعت بأسوأ الأوصاف، هو أيضا "بطل", حتى المشاركون في التظاهرة السنوية للشاذين جنسيا لهم نصيبهم من البطولة في قاموس الوزير المرشح.
هذا النوع من البطولة المرتبطة بمآسي المهمشين والمهاجرين يذكرنا بمسرحية غاليلو إذ يعلن أحدهم:
(حزين البلد الذي لا يوجد فيه بطل ويجيبه آخر حزين البلد الذي يحتاج إلى بطل).
المؤسف أن إدارة ساركوزى الأمنية التي تنطوي على إعطاء صلاحيات واسعة للشرطة في التعامل مع أهل الضواحي جعلت الكثير من الفرنسيين يعتقدون أن أية تجاوزات يقوم بها رجال الشرطة مبررة، طالما أنها سوف تسمح بالقضاء على "الأشرار الذين يشكلون خطرا" على أمن الدولة.
إن الشعارات الديماغوجية والتعبوية التي يطرحها الوزير المرشح، تحوّل المهاجر الضحية إلى جلاد، وهي عموما لا تصمد أمام الوقائع، فلو سئل السيد ساركوزي عن عدد الأشخاص الذين يشكلون خطرا بالاستناد إلى ملفات وزارة الداخلية لكان الجواب بضع عشرات من أصل سبعة ملايين مهاجر.
ولو طرح عليه سؤال آخر عن عدد الذين شاركوا في أعمال إرهابية ضد فرنسا فإننا لن نحصل على جواب شاف، ولكن العدد يقدر بالآحاد.
بيد أن الوجه الظالم لهذه السياسة الفئوية يكمن في طبيعة الناس الذين تستهدفهم، ذلك أن الغالبية الساحقة من سكان الضواحي هم من قدامى المحاربين الذين ساهموا في تحرير فرنسا من الاحتلال الألماني إبان الحرب العالمية الثانية، ومنهم عمال ساهموا في إعادة بناء هذا البلد بعد الدمار الذي أصابه جراء تلك الحرب.
لا بد من القول أيضا ان أبناء هؤلاء هم أنفسهم شباب الضواحي الذين يعانون من التمييز العنصري المتعاظم في فرنسا!.
هكذا في فرنسا وفي مطلع القرن الواحد والعشرين هناك سياسي اسمه ساركوزي يجعل من التهجم على ملايين البشر المقيمين في البلاد خبزه اليومي، مشددا الخناق عليهم، ناعتا إياهم بـ"الحثالة"، جاعلا من مناطقهم أحياءً معزولة تعيش في ظل ما يشبه حالة الأحكام العرفية غير المعلنة.
لقد امتدت بطولات الوزير المرشح للرئاسة إلى وزارات أخرى فقد أكد برغم كونه ليس وزيرا للعدل "أن الأشخاص الذين يعتدون على رجال الشرطة سوف يعرضون على المحاكم كمجرمين حتى لو كانوا قاصرين".
في اليوم نفسه تدخل في نطاق صلاحيات وزارة التربية مقررا إجبار تلاميذ المدارس على البقاء في الصفوف حتى الساعة السادسة مساءً بدلا من الساعة الرابعة متذرعاً أنه خلال هذا الوقت يمكن لهم القيام "بواجباتهم بدل التسكع في الشوارع" ما حدا بأحد أهم المعلقين في كبرى الصحف الفرنسية للقول متهكما على هذه التدخلات (أقول للفرنسيين انه لا داعٍ للانتخابات الرئاسية) ذلك (أنه إذا واصل هذا النهج فإنه سوف يسيطر على جميع الوزارات، وما على زملائه الوزراء سوى الذهاب في رحلة استجمام طويلة أو التقاعد).
في المحصلة يريد ساركوزي إقناع الفرنسيين أنهم مستهدفون من مجموعات إرهابية شريرة تسكن في ضواحي مدنهم، وأنه الوحيد القادر على مواجهة الخطر الإرهابي الداهم، ويملك العصا السحرية ويحملها غليظة، وما عليهم إلا الالتحاق به وانتخابه رئيسا لفرنسا.
تبقى الإشارة إلى أن ساركوزي يتزعم تيار "المحافظون الجدد" في فرنسا، وهو صديق معروف لرامسفيلد وتشيني وكبار غلاة المحافظين الجدد في المقلب الثاني لمحيط الأطلسي، وينسب إليه السعي لحشر فرنسا في مشروع حرب الحضارات، فهل تقع بلاد حقوق الإنسان بالمحظور؟.. الجواب عن هذا السؤال تحمله وحدها صناديق الرئاسيات في نيسان/ أبريل القادم؟
الانتقاد/العدد 1208 ـ 30 آذار/مارس2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018