ارشيف من : 2005-2008
العدوان البشري على الطبيعة... إلى متى؟
سيتقاسمون الهزيمة في الحرب الأخرى، أي في الحرب الطاحنة التي تدور رحاها بين الإنسان والطبيعة.
حرب أهم سماتها أن كل انتصار يحققه الإنسان عليها في العاجل هو هزيمة له في العاجل والآجل.
آخر أخبار تلك الحرب أن كتلة جليدية مساحتها 66 كلم مربعاً وسمكها أربعون متراً قد انفصلت عن القطب المتجمد الشمالي في أواخر العام الماضي، قبل أن تتجه جنوباً للبدء في رحلة الذوبان.
قبلها، في العام 2002، وبالتوازي مع ذوبان الجليد فوق قمم الهملايا والألب والأنديز، انفصلت عن القطب نفسه قطعة أكبر مساحتها توازي ربع مساحة لبنان، لتذوب هي أيضاً في مياه المحيط الساخنة.
هذه "الحركات الانفصالية" يعيشها القطب الجنوبي بالوتائر نفسها، والتوقعات تذهب باتجاه القول بأن الجليد القطبي، شمالاً وجنوباً وفوق قمم الجبال، سيذوب بشكل كامل في غضون الأربعين أو الخمسين عاماً المقبلة، وستذوب معه البيوت المبنية من الجليد التي يسكنها، في المناطق القطبية، نحو أربعة ملايين إنسان من المعروفين باسم الإسكيمو.
لكن الضرر لن يلحق بالإسكيمو وحدهم، لأن الكوكب وكل الكائنات الحية التي تهب وتدب على سطحه قد بدأت بدفع الثمن منذ عقود، وهي تدفعه وستدفعه بوتائر متصاعدة في السنوات المقبلة، على شكل فيضانات نسمع أخبارها يومياً في بنغلادش والهند وباكستان والصين، أي في الرقعة المحيطة بجبال الهملايا، ولكن أيضاً في أوروبا، عند أقدام جبال الألب، وعلى شكل ارتفاع مستمر، نتيجة لذوبان الثلوج، في مستوى مياه المحيطات، التي بدأت باكتساح الكثير من الجزر والمناطق الساحلية. إعصار كاترينا وما فعله بجنوب الولايات المتحدة لا يزال طرياً في الذاكرة، وجزر المالديف في المحيط الهندي مثلاً شارفت على الغرق. والخرائط "الاستباقية" ترينا جغرافيا غرائبية لكثرة ما ستلتهمه مياه البحار والأنهار من مدن عامرة على الشواطئ. ولا بأس بأن نعلم أيضاً أن مياه الكثير من الأنهار قد بدأت تجري بالمقلوب، من المصب باتجاه المنابع حاملة معها المياه المالحة إلى المناطق الداخلية، نتيجة لاشتداد الضغط البحري وضعف الضغط النهري الناجم عن "اعتقال" مياه الأنهار في السدود! والسبب في كل ذلك هو الارتفاع المستمر في درجات الحرارة على سطح الكوكب. وهذا الارتفاع هو نتيجة للنشاط البشري الذي أصبح قائماً بكلِّيّته على فعل "الإحراق".
إحراق في محركات السيارات والطائرات والمصانع والمطابخ وأجهزة التدفئة والتبريد بالغاز والنفط والكهرباء... الحرارة الناجمة عن الإحراق تختفي في الإطار المنظور من قبل المستهلكين، ولكنها تنتشر وتنحبس في جو الأرض، حيث تلتقي بالحرارة القادمة من الشمس، ويصبح المشهد ناراً على نار!
ذوبان الثلوج وما يؤدي إليه من تداعيات ليس النتيجة الوحيدة للانحباس الحراري والحمى التي يعاني منها هذا الكوكب، ففي مقابل كل إعصار أو طوفان في منطقة من مناطق العالم، تشهد منطقة أخرى ظاهرة من ظواهر الجفاف والتصحر الناجم عن تراجع سقوط الأمطار ونضوب الينابيع والأنهار، وما يستتبعه ذلك من موت لموارد الغذاء وجوع وعطش متزايدين تعاني منهما الكائنات الحية. ويتآزر الجفاف الناجم عن النشاط البشري مع أنشطة بشرية أخرى في إبادة الغابات الكبرى والأشجار القليلة المتبقية لمصلحة صناعات الأخشاب والورق وغيرها. وإذا كانت نباتات الأرض وأجناسها الحيوانية والحشرية تنقرض بسرعات مذهلة، فإن الظاهرة ليست حكراً على البر وحدة. فالتصحر يضرب أيضاً أعماق البحار حيث تموت النباتات والأسماك نتيجة لهذه الظاهرة ولظواهر أخرى ناتجة عن تكاثر السموم التي يلقيها البشر في البحار، من النفايات الصناعية إلى أصناف الصابون ومواد التنظيف ومساحيق الغسيل التي تجد طريقها الإجباري إلى البحر جنباً إلى جنب مع تسربات النفط وغيرها من الآفات.
وفي الحالتين، موت النبات في البر وموته في البحر، تموت مصادر الأوكسيجين، العصب الأساسي من أعصاب الحياة، وتتفاقم مشكلة الانبعاثات السامة. مشكلات بيئية قاتلة أخرى تنجم عن تقدم وسائل الزراعة من الحراثة والري إلى المبيدات والمخصبات. وكل ذلك، وغيره كثير، هو نتيجة لأنماط الاجتماع البشري الجديدة: زحف شامل نحو المدن يفرغ الأرياف ويؤدي إلى ظاهرة الانحباس البشري في المدن العملاقة المتكاثرة. أهون الشرور الناجمة عن هذه الظاهرة هو شر النفايات.
جبال النفايات ومقابر النفايات الظاهرة وغير الظاهرة باتت من المشكلات الكبرى التي تعجز عن حلها الحكومات والدول.
أزمات الماء والكهرباء و، قريباً، الغذاء، هي نتائج مباشرة للاكتظاظ البشري في المدن، وروافع للمشكلات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وللكثير من الحروب الأهلية وغير الأهلية التي توصف بالمجنونة لأن الناس يطمسون أسبابها الحقيقية. وكل ذلك دون الحديث عن الأمراض المستجدة الناجمة عن الحضارة المدينية.
موت الهواء والماء والتراب، وتوقعات علمية باستحالة الحياة على سطح الكوكب في غضون عقود من الزمن.
من المسؤول عن ذلك؟ كل المقاربات الممكنة لا يمكنها إلا أن تلتقي عند ظاهرة هذا الإنسان الذي يربح ملياراً من الدولارات بكبسة زر، وذلك الإنسان الذي يسعى جاهداً وبكل الوسائل المشروعة وغير المشروعة لتحصيل دولاره اليومي. وأيضاً ذلك الإنسان الذي يموت من الجوع لأنه يعجز عن تحصيل ذلك الدولار.
وبالطبع، كانت هنالك، قبل الدولار، صولات الدرهم والدينار. لكن الثورة الصناعية والعلمية وما ولدته من وهم بشري بالقدرة على بناء جنة أو جنات على الأرض، رداً على الطرد من جنة السماء، وإعراضاً عن العودة إليها بالطرق المشروعة، هي المسؤولة، أولاً وأخيراً، عن الكارثة البيئية وما يرتبط بها من كوارث اجتماعية وسياسية. والأكيد أن نمط العيش الأميركي الذي كثيراً ما يتحدث عنه الرئيس بوش في تبرير حروبه على العالم هو المولد الأساسي لتلك الكوارث.
والمحزن أن ذلك النمط القائم على الاستهلاك والإحراق والتخطيط المعقلن بكل أنانية وعدم التفكير بمستقبل الأبناء والأحفاد والأجيال القادمة، هو اليوم مرتع الجميع ومطلبهم وبغيتهم سواء كانوا أميركيين أو غير أميركيين.
لذا، فإن المطلوب من حركات التحرر والقوى المناهضة للإمبراطورية الأميركية أن تعرف جيداً أن معركة تحررها لن تسفر، حتى ولو تكللت بالانتصار الساحق، إلا عن هزيمة ماحقة، إذا لم تقرن نضالها السياسي والعسكري بنضال لا هوادة فيه ضد نمط العيش الأميركي المتغلغل في كل مجالات عيشها، بلا استثناء.
عقيل الشيخ حسين
الانتقاد/العدد 1208 ـ 30 آذار/مارس2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018