ارشيف من : 2005-2008
واشنطن: الفيتو الرئاسي أقوى من الديمقراطية!
أقر مجلس النواب الأميركي، يوم الجمعة الماضي (23/3/2007)، مشروع قرار يربط بين موافقته على الاستمرار في تمويل الحرب على العراق وأفغانستان، وبين انسحاب القسم الأكبر من الجيش الأميركي من العراق في مهلة أقصاها الواحد والثلاثون من آب/ أغسطس 2008.
وقد صوت لمصلحة المشروع 218 نائباً مقابل 212 صوتوا ضده، واعتبر هذا التصويت بمثابة الهجوم الأكثر جرأة من قبل مجلس النواب الذي يسيطر عليه الديمقراطيون على الحرب التي تخوضها الإدارة الأميركية في العراق، والتي تتطلب، فوق التغطية المالية لإرسال 30 ألف جندي جديد، ضمن إطار الخطة الأمنية الجديدة، تمويلاً سنوياً بحدود 218 مليار دولار، إضافة إلى 500 مليار دولار تم صرفها على الحرب حتى الآن.
ومن جهة أخرى، صوتت لجنة المالية في مجلس الشيوخ على مشروع قانون آخر قدمه الديمقراطيون يطلب من الرئيس بوش أن يباشر في سحب القوات الأميركية من العراق في غضون أربعة أشهر، في وقت ينتظر فيه أن يصوت كل أعضاء مجلس الشيوخ على هذا المشروع.
هذا على مستوى السلطة التشريعية، أما على مستوى الشارع، فيشير آخر استطلاعات الرأي إلى أن 56 بالمئة من الأميركيين يعتقدون أن الحرب الأميركية على العراق كانت خطأً، وأن الرئيس بوش قد كذب في دعوى امتلاك العراق لأسلحة دمار شامل، في حين اتفقت آراء ستين بالمئة ممن شملهم الاستطلاع مع مطلب الانسحاب في المهلة التي أقرها مجلس النواب.
وقد اعتبرت نانسي بيلوزي، رئيسة مجلس النواب الأميركي، أن التصويت خطوة عملاقة على طريق الانسحاب، مضيفة أن الشعب الأميركي يرى جيداً ما وصلت إليه الحرب ولم يعد يثق بقيادة الرئيس بوش الذي لا يرى ما يراه الشعب.
وبعد ساعة واحدة من إعلان نتائج التصويت، ظهر الرئيس بوش في البيت الأبيض محاطاً بمحاربين قدامى وبعض أسر الجنود الأميركيين في العراق، ليعلن عزمه على مواجهة قرار مجلس النواب بالفيتو الرئاسي وفقاً للصلاحيات التي يقرها له الدستور بوصفه قائداً أعلى للقوات المسلحة الأميركية. وقد تذرع لتبرير ذلك بالفارق الضئيل في الأصوات، وعاد إلى الاستثمار في معزوفة الصعوبات التي سيعاني منها الجنود إذا ما قطعت عنهم الإمدادات تحقيقاً لرغبة من أسماهم الأقلية الضئيلة التي تخلت عن مسؤولياتها.
اعتبر بوش تصويت مجلس النواب عملاً مسرحياً لن يتحول بفعل الفيتو الرئاسي إلى قانون، وكرر اتهامه للديمقراطيين بأنهم يريدون فرض قيود على عمل العسكريين ويحددون تاريخاً عشوائياً للانسحاب دون النظر في الشروط التي يعيشها الجنود على الأرض.
والحقيقة أن أفكار بوش هذه هي ما يدور حولها النقاش أيضاً بين النواب الديمقراطيين ممن فضلوا التصويت ضد مشروع حزبهم لأنهم لا يريدون إرباك عمل القوات الأميركية في العراق، أو من أولئك النواب الأكثر يسارية الذين صوتوا أيضاً ضد المشروع لأنهم اعتبروه خجولاً، حيث أنه لم يطلب وقفاً فورياً للحرب. إلا أن مظاهر التخلخل في صفوف الديمقراطيين لم تحل دون إنجاح المشروع ولو بفارق قليل من الأصوات، وستسمح بحدوث مواجهة دستورية بين البيت الأبيض والكونغرس من النوع الذي شهدته أميركا خلال الحرب الفيتنامية. مواجهة أياً كانت نتائجها لن تسفر إلا عن المزيد من تعمق أزمة الرئيس بوش. فالانسحاب في آب/ أغسطس 2008 يعني فشلاً أكيداً للجمهوريين في الانتخابات الرئاسية في تشرين الثاني/ نوفمبر.
والاستمرار في الحرب أو تصعيدها أو فتح حروب جديدة (تصريحات غيتس الأخيرة عن قدرة أميركا على فتح جبهة ثالثة) بحثاً عن نصر يسمح للجمهوريين بخوض الرئاسيات مع شيء من الأمل بالفوز فيها، يعني الدخول في مغامرة قد لا تقف تداعياتها عند الرئاسيات الأميركية، لتتجاوز ذلك ربما إلى فشل السياسات الأميركية في الشرق الأوسط والعالم.
ع.ح
الانتقاد/العدد 1208 ـ 30 آذار/مارس2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018