ارشيف من : 2005-2008
المنطقة نحو تمديد الهدوء أم المزيد من التجاذبات.. المعلن والمستور في قمة الرياض
الإجابة عن هذه الأسئلة وسواها تقتضي ملاحظة التالي:
أولاً: التوقيت السياسي لهذه القمة بالغ الدلالة، فهي تنعقد في الوقت الذي تجهد فيه واشنطن وتل أبيب في لملمة واحتواء نتائج وآثار وتداعيات مأزقهما الاستراتيجي في المنطقة، هذا المأزق الذي بلغ ذروته مع فشل العدوان الاميركي ـ الصهيوني على لبنان. ومن نافل القول ان الأنظمة العربية التي راهنت على هذا العدوان وركبت مركبه الصعب ودعمته بالموقف، أقحمت نفسها في دوامة هذا المأزق، وباتت جزءاً لا يتجزأ من مفاعيله وتداعياته.
ومن المعلوم أن ما تخشاه واشنطن وتل أبيب ومعهما كل من رهن مشروعيته السياسية بالمشروع الاميركي وخيار التسوية، هو أن يتمكن خيار المقاومة الذي امتلك زخماً كبيراً وقوة دفع هائلة بفعل تمكنه من إحباط عدوان تموز، وعبر تجلياته المختلفة في أفغانستان والعراق وفلسطين وصولاً إلى الصومال، من أن يملأ الفراغ السياسي في المنطقة، خصوصاً أن خيار التسوية هو بمثابة خيار خاوٍٍ وجثة هامدة منذ العام 1999 كحد أقرب.
إن بقاء المنطقة في حالة فراغ تسووي سيعني حتماً ترك الساحة لخيار المقاومة كخيار وحيد مع كل ما يستلزمه من إعادة نظر في مجمل أوضاع وسياسات دول المنطقة وأحوال شعوبها. كما سيعني حتماً إعادة عقارب الساعة إلى الوراء وضرب كل المنجزات الأميركية ـ الصهيونية والمتمثلة استراتيجياً في إخراج الأنظمة من معادلة الصراع العسكري مع الكيان الصهيوني وتطبيعها مع فكرة ومفهوم التسوية، بل قل الإذعان لمتطلبات المشروع الصهيوني في المنطقة.
ولا شك في أن أنظمة المنطقة تدرك أن دينامو الصراع مع الكيان الاسرائيلي هو استمرار القضية الفلسطينية حية، ووجود قوى مقاومة فاعلة تحت هذا العنوان، إضافة إلى وجود دول مقاومة وممانعة لهذا الكيان، وتصر على إبقاء الصراع معه في حدود تناقضاته الوجودية.
ثانياً: بروز المزيد من التحديات والأخطار الاستراتيجية، منها ما هو عربي متمثلاً بالاحتلال الاميركي للعراق، وتحوله إلى قضية لا تقل في نتائجها وتداعياتها وانعكاساتها عن القضية الفلسطينية، ومتمثلة أيضاً ببروز الجمهورية الاسلامية الايرانية ومن موقعها الإسلامي المركزي، كدولة إقليمية قوية وفاعلة، وتشكل اليوم القاعدة الاستراتيجية المركزية لخيار المقاومة في وجه الكيان الاسرائيلي وفي وجه مشاريع الاستعمار الاميركي الجديد للمنطقة.
في السياق عينه يمكن النظر إلى لبنان وفلسطين بوصفهما أحد التعبيرات الرمزية وكثيفة الدلالة على طبيعة التناقضات والمشاريع والمحاور المتصارعة.
ثالثاً: الترهل والوهن الكبيران اللذان يعاني منهما اليوم النظام الاقليمي العربي، لدرجة لم يعد بالإمكان معهما التحدث عن وجود نظام كهذا.. هذ الترهل وهذا الوهن يمكن تلمس معطياتهما في التالي:
أ - تراجع المفاهيم القومية في مقاربة القضايا لمصلحة المقاربة القطرية والكيانية.
ب ـ ضمور فاعلية الدول المركزية الأساسية:
مصر التي تعاني من تناقض استراتيجي بين وزنها وموقعها الإقليمي والشعبي ودورها التاريخي وواقعها الحالي، حيث استحالت مجرد دولة عادية لا وزن لها ولا دور فعلي.
سوريا المثقلة بالحصار والضغوط الدولية والعربية، وبافتقادها المقومات الطبيعية التي تسمح لها بلعب دور كبير، ولولا تمسك دمشق برؤاها ومقاربتها القومية وما تملكه من هوامش مناورة، لنجحت الضغوط وعمليات الحصار في تحويلها إلى مصر أخرى.
أما السعودية فتبدو مثقلة بجملة من التحديات الأساسية، منها ما يعود إلى طبيعة النظام نفسه، ومنها ما يعود إلى الخطر الأصولي واقترابها من خطوط النار المشتعلة في المنطقة.
وما يميز النظام السعودي اليوم ويجعله أكثر قدرة على لعب دور إقليمي، هو قدراته المالية وعلاقاته الوثيقة بالسياسة الاميركية، وما تختزنه أراضي المملكة من رموز إسلامية تمكنها من تشكيل رمزية اسلامية خاصة.
ج ـ تفكك الثالوث العربي المؤلف من مصر والسعودية ودمشق بعدما شكّل فترة نوعاً من التعويض لحال السقوط للنظام العربي، ذلك أن مصر والسعودية هما اليوم في موقع وسوريا في موقع آخر.. كما أن محاولات إبدال سوريا بالأردن لم تنجح بتفعيل دور هذا الثالوث للفارق الكبير في الوزن والموقع والدور بين سوريا والأردن.
د ـ تآكل دور مؤسسة الجامعة العربية، بحيث تحوّلت إلى مجرد إطار فارغ من أي فاعلية، وإذا كان له من دور فهو دور طقسي ـ شكلي يشير الى الواقع العربي ـ الرسمي المتردي.
رابعاً: برزت قبل القمة مؤشرات عديدة ذات دلالة:
أ ـ نقل القمة بقرار سعودي مفاجئ من شرم الشيخ إلى الرياض.
ب ـ تحرك النظام السعودي على أربعة خطوط متلازمة: الخط الفلسطيني ـ الفلسطيني الذي أنجز اتفاق مكة الشهير.. الخط اللبناني ـ اللبناني الذي لم يفض إلى شيء حتى الآن.. الخط السعودي ـ الإيراني لتدارك مناخات الفتنة وتحصيل الاطمئنان المطلوب بالنسبة الى الملف النووي الإيراني، ولضمان مساعدة طهران فلسطينياً ولبنانياً، وحتى بالنسبة إلى سوريا.. خط العلاقات السعودية ـ السورية بهدف تسهيل مهمة الرياض فلسطينياً ولبنانياً، وبهدف حض سوريا على فك علاقتها بإيران، أو على الأقل وقوفها على الحياد.
ج ـ تحركات أميركية مكثفة قادتها وزيرة الخارجية الاميركية كوندوليزا رايس على محورين: أمني وسياسي، والهدف المعلن هو تحريك التسوية.
د ـ اعادة الاعتبار لمبادرة قمة بيروت للسلام، التي سرعان ما لاقت ترحيباً اسرائيلياً مفاجئاً، وترحيباً أميركياً أعلى حماسة! هذا في الوقت الذي أخذت تتوضح أكثر وجهة الأمور التي تعمل لها واشنطن، والمتمثلة ليس فقط بتحريك خيار التسوية، بل تحويل هذا الخيار الى عبارة لتشكيل إطار لقاء عربي ـ اسرائيلي البارز فيه هذه المرة هو الحضور السعودي، وبغطاء دولي.
خامساً: استمرار تعقيدات الملف الإيراني بفعل الإصرار الأميركي ـ الإسرائيلي أولاً والأوروبي ثانياً والدولي ثالثاً وعرب "الاعتدال" رابعاً، على عدم تمكين طهران من أن تمتلك القدرات النووية التي تؤهلها لإنتاج الوقود النووي على أراضيها.
هذا في الوقت الذي تصرّ فيه إيران على حقها هذا الذي كفلته لها القوانين المرعية، خصوصاً قوانين الوكالة الدولية للطاقة النووية.
ومن جهة ثانية فالمراقب لسياق تسلسل الخطوات التي تعتمدها واشنطن في معالجة هذا الملف، يكشف بسرعة كم هو متطابق مع سياق التحضير لحرب العراق: قرارات دولية متعاقبة لتشكيل قضية تبرر خيار الضربة العسكرية إذا ما عجزت الوسائل الضاغطة من دبلوماسية وسياسية على حمل طهران على التراجع.. حشود عسكرية ضخمة في الخليج.. محاولة توفير كل غطاء ضروري.
سادساً: كل ما تقدم يقود الى الخلاصات الرئيسة التالية:
أ ـ الحاجة إلى الرياض بوصفها الدولة العربية الأقدر اليوم لملء الفراغ الإقليمي بفعل قدراتها المالية ورمزيتها الإسلامية، خصوصاً في مواجهة الرمزية الإسلامية لإيران.
ب ـ الحاجة إلى إحياء التسوية كخيار في وجه خيار المقاومة، حتى لا يسارع هذا الخيار إلى ملء الفراغ في المنطقة.
وهذا بدوره يستلزم دعم ركائز هذا الخيار في المنطقة، واستدراج من يمكن استدراجه اليه من قوى مقاومة: اتفاق مكة نموذجاً، دعم فريق التسوية في لبنان ممثلاً بفريق السلطة، والعمل بكل قوة لمنع خيار المقاومة من الانتصار.
العمل على خطف دمشق من هذه الزاوية، أي ترغيب دمشق بتحريك خيار التسوية، وإمكان استرجاع الجولان من خلاله.
توفير خشبة خلاص لحكومة أولمرت تنتشله مما يتخبط فيه.
ج ـ توفير غطاء غير مباشر وسلبي للملف النووي الإيراني.
فتحت عنوان رفض استباحة المنطقة بأسلحة الدمار الشامل، تجري مقاربة الموقف من الملف النووي الإيراني.
هذا أولاً.. أما ثانياً، فالعمل على احتواء إيران وما يُعد نفوذاً لها.
ما تقدم يشكل الأهداف غير المعلنة للقمة، أو التي إذا ما أعلنت، فستعلن بصورة مضللة، لكنها أهداف تبقى أقرب في مجملها إلى التمنيات، لأن دونها صعوبات وتعقيدات شتى، الأمر الذي قد يجعل القمة محطة في سياق توفير الغطاء العربي الرسمي للسياسات الأميركية في المنطقة عموماً، واتجاه ايران تحديداً، وهذا ما يقتضي التنبه اليه ومراقبته بدقة.
وإذا صحّ هذا التقدير فإن ما ينتظر لبنان والمنطقة هو المزيد من التجاذبات والرهانات التي ستتكشف معالمها أكثر مع الوقت، خصوصاً في الشهرين المقبلين، ما لم يحدث حدث كبير يقلب كل المعطيات.
الانتقاد/ العدد1208 ـ 30 آذار/مارس2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018