ارشيف من : 2005-2008
محمد فنيش في حوار مع "الانتقاد": الأكثرية واهمة عاجزة حانقة
من المكتب الجديد لكتلة الوفاء للمقاومة كان الوزير المستقيل محمد فنيش يتابع "مباشرة على الهواء" اعتصام نواب الفريق الحاكم في المجلس النيابي بكثير من الامتعاض، لعلمه أن هذا الفريق ارتهن بالكامل للأميركي، إلى حد بات دوره تعطيل أي حل سياسي للازمة.. لكنه حمل "أول اعتراف لهذا الفريق بأنه كان يستخدم هواه السياسي لإسقاطه على تفسير الدستور".. ويرجع فنيش ذلك إلى أن "هذه الأكثرية هي أكثرية متوهمين.. عاجزة عن الحكم، فلا نستغرب ما يقدمون عليه تعبيراً عن شعور بالعجز، وعن الإخلال بالالتزامات والوعود التي أعطيت للدول التي وهبتهم الدعم الذي مكنهم من بقائهم".
فنيش الذي يرسم صورة تشاؤمية للأزمة اللبنانية انطلاقا من رهان البعض على أن "الأميركي ما زال قوياً وقادراً على أن يضرب ويهدد (..) وبالتالي فإن موازين القوى في المنطقة ستتغير نتيجة هذا الهجوم الأميركي، مثلما كان رهانه الخاطئ على عدوان تموز لجهة القضاء على المقاومة، فأصيب بكارثة، ومكابرة لجهة عدم الاعتراف بهذا الانتصار"، فهذا الفريق حسب ما يشبهه فنيش "كمن يلحس المبرد، ولا يعلم انه يلعق دمه".
ويؤكد فنيش أن "الأيام ستكشف أن هذا الفريق مسؤول عن إطالة الأزمة وإلحاق المزيد من الضرر في البلد". أما الى متى؟ فـ"الأمور لن تبقى مفتوحة إلى الأبد، أمامنا الاستحقاق الرئاسي، ماذا يفعل هذا الفريق؟ هل يستطيع أن يحكم من دون المعارضة"؟
حوار هادئ مع شخصية ترى الامور بنظرة شمولية انطلق من قمة الرياض لبنانياً الى لبنان والحلول المتعثرة، الى توالي الاعترافات الاسرائيلية بالهزيمة التاريخية أمام المقاومة:
القمة العربية والانقسام اللبناني
القمة العربية انعقدت بانقسام لبناني بارز.. إلى متى سيستمر هذا الانقسام؟
ـ لا تبدو هناك امكانية لدى الفريق الآخر بالتحرر من تبعات علاقاته الخارجية، وخصوصاً الأميركية والفرنسية لملاقاة يد المعارضة الممدودة بإيجابية لإيجاد تسوية. مشكلتنا أنه حصل هناك إجهاض للحوار من خلال تحرك بعض فرقاء 14 شباط، والتحرك لم يأت بعيداً عن حسابات الدول الخارجية التي كانت ولا تزال أحد أسباب الأزمة اللبنانية القائمة.. وما حصل في موضوع القمة العربية هو محاولة تعطيل الجهد العربي لإنضاج حل كما حصل سابقاً، ليبقى لبنان ورقة بيد القوى الدولية التي دخلت إليه كمنصة انطلاق لتصفية حساباتها السياسية. فمع تعقيدات أزمة المنطقة ومع تعثر الجهد الأميركي لتحقيق الأهداف التي كانت الإدارة الأميركية رسمتها مع بروز تسويات أو مفاوضات من الملف العراقي إلى الملف الفلسطيني إلى الملف الإيراني، لا يبدو أن هذا الفريق يريد سحب الورقة اللبنانية من يد حلفائه الدوليين، وتحديداً الأميركيين.. هذا الجهد السياسي يصب في خدمة المشروع الأميركي لإبقاء لبنان ورقة للضغط والمساومة فيما يختص بمختلف ملفات المنطقة، على عكس ما يدعي هذا الفريق تماماً، فلو كان هناك نية صحيحة لإيجاد حل للمطالب المطروحة بدءاً من موضوع المحكمة وصولا إلى انتخابات رئاسة الجمهورية، فالحل الذي طرح هو واقعي وعملي ويتجاوب مع مطالب الفريقين، لكن الموضوع أبعد من ذلك، وله علاقة بحسابات دولية وبمصلحة بعض قوى 14 شباط، نتيجة ارتهانهم وحصولهم على دعم، ونتيجة تضخيم حجمهم السياسي صاروا مرتهنين إلى حد تعطيل أي حل، لأن الخطوة الأساسية لدى هذا الفريق ليست بعيدة عن مناخات هذه العلاقات الدولية، وفي نفس الوقت هو في حال من الارتباك والضعف بحيث لا يستطيع أن يتفلت من ضرورات علاقاته مع هذه الدول.. لهذه الأسباب فإن أزمة لبنان لم يعد حلها بحسابات لبنانية بحتة..
.. يعني هل نجح هذا الفريق في نقل الملف اللبناني من أيدي اللبنانيين بالكامل إلى اليد الأميركية، وبالتالي انتظار مصير استراتيجيتها الجديدة في العراق ليبني خياراته السياسية في المنطقة؟
ـ يوجد فرق بين أن تقول ان هناك فريقا لبنانيا لا يمكن أن يقوم بتسوية دون أن تتوافق معه، وإن كان هذا الفريق ينطلق بحسابات أميركية، وهذا لا يعني أن الأزمة باتت بيد الأميركي، ولا يعني أيضاً أن ليس هناك تأثير أميركي على عرقلة المساعي التي حصلت داخلياً وعربياً وإسلامياً لتمكين اللبنانيين من التفاهم.. وأعطي مثالا على ذلك، الأميركي يبدو انه اكتشف أن المسعى العربي في مقاربة مشكلات وطنية كتجربته مع الملف الفلسطيني لم تأت لمصلحته، خاصة في ما يتعلق بموقف حماس، وبالتالي لم يستطع تعطيل هذا المسعى لأن المسعى السعودي قائم، والدول المؤثرة كانت مسهّلة، والأهم من ذلك الإرادة الوطنية الفلسطينية كانت حاسمة، وبالتالي لم يستطع الأميركي العرقلة لأن الفريق الآخر الذي له علاقة معه لم تسمح له موازين القوى الداخلية بأن يجاري الموقف الأميركي، فنتج عن هذا الجهد الحلّ. الأميركي استفاد من الدرس الفلسطيني في لبنان ولم يترك المسعى العربي يصل إلى مبتغاه، لأن تخوفه في أن يصل هذا المسعى إلى نهايته المؤملة لن تكون لمصلحته. لهذا أجهض هذا المسعى قبل أن يصبح واقعا يحرج التعامل الأميركي معه.
هل سنكون أمام مشهد سياسي متأزم أكثر بعد القمة العربية؟
ـ إذا ما بقيت الأمور على حالها مع العوامل التي ذكرتها، ولم نشهد تطوراً في العلاقات العربية العربية، ولم نشهد تطوراً في الموقف السعودي لجهة الانتقال من التمني والضغط المعنوي إلى الضغط القوي على الفريق الذي يتأثر بالموقف السعودي، نعم ستستمر هذه الأزمة.
كيف قرأت ورقة السنيورة إلى القمة والاعتراض الرئاسي عليها؟
ـ السنيورة همه الأساس أن يستجدي دعماً لحكومته، وهذا تعبير عن شعور بعدم ثقته بمشروعية حكومته.. وبالتالي أي كلام يعني تأييداً للمقاومة يسبب له انزعاجاً وإحراجاً كبيرين، وهو بالتالي يسعى لكي لا يصدر عن أي مؤتمر عربي ما يشيد بدعم المقاومة.. وهذا هو أداؤه السياسي ما قبل حرب تموز وما بعدها، لأنه لولا هذا الموقف لما حصل على الدعم الأميركي.
الرهان على العقلانية
بالعودة إلى تعثر الحلول للأزمة السياسية، هل ما زلتم تراهنون على تمايز سعد الحريري عن بقية حلفائه في قوى 14 شباط، وخصوصاً أن هناك كلاما لافتا لنائب الأمين العام لحزب الله أمل فيه أن يكون تمايز الحريري عن بقية حلفائه خطوة على طريق الحل؟
ـ لا نزال نأمل ونراهن على أن يكون هؤلاء الناس عقلانيين ويعملون وفق حسابات الربح والخسارة، فبتقديري وفق هذه الحسابات ليس من مصلحة تيار رفيق الحريري أن يجاري حليفيه في مواقفهما، بل على العكس، إذا ما استمر في مجاراة حليفيه فسيؤدي إلى الإطاحة بالمحكمة وبالمؤسسات وبالاستقرار وبالوضع السياسي العام، أي ان كل إرث رفيق الحريري سيضيع إذا ما استمر أداء من يدّعي أنه الحريص على هذا الإرث..
هل يعني أن سعد الحريري "مخطوف" من قبل حليفيه؟
ـ معاني الكلمات ليست بهذه الحدة، بالنتيجة الخيار عائد إليه، وفي النهاية يجد نفسه بين خيارين: بين قناعة أن يتفق مع المعارضة فنصل إلى مناقشة موضوع المحكمة والاتفاق عليها، إنقاذ لبنان من أزمته السياسية، إعادة الاعتبار إلى السلطة التنفيذية لترميم صورة مشروعيتها الدستورية، وبدء مرحلة جديدة تمكّن من التفاهم على الملفات والاستحقاقات القادمة، وبين خيار اعتبار هذا الطريق سيؤدي إلى مشكلة مع حليفيه، وهذا الأمر عائد إليه، فما صدر من بيان لقوى 14 شباط يكشف أنهم غلّبوا حسابات بقائهم متماسكين على حساب إنجاز وطني يعالج الأزمة السياسية القائمة.. حتى الآن إرادته تعطي الحساب لحليفيه!
في الفترة السابقة شهدنا من المعارضة نوعاً من المهادنة لسعد الحريري، هل كان هناك توجه لاستمالته؟
ـ في نهاية الأمر المعارضة لم تعلن مشروع الإمساك بالسلطة وحدها، وبالتالي الحل الواقعي أن تلاقي الطرف الآخر مهما كان رأيك فيه لإنقاذ البلد.. هذه المهادنة التي مارستها المعارضة بعد أجواء التشنج ومحاولة تأجيج العصبيات المذهبية، هي أولاً من اجل إخماد كل نتائج الفتن، ومن اجل قطع الطريق على كل هؤلاء الذين يرون مصلحتهم في إثارة العصبيات وإثارة مناخات الانقسام والاقتتال الداخلي.. وإن قطع الطريق على امتداداتهم الخارجية يقتضي أن تبحث عن تلاقٍ. هذا الدافع للمعارضة هو من باب الثقة بالنفس وحرصا على مصلحة الوطن، لذا مارست نوعاً من الخطاب السياسي الهادئ وإبداء المرونة مع التمسك بمطلبها الذي كان أساس المشكلة، وهو موضوع المشاركة في الحكومة، على أن لا يكون هناك غلبة لفريق، وأن يكون هناك تفاهم لأن أمور البلد لا يمكن أن تسير إلا من قاعدة التفاهم بين اللبنانيين.
في ظل هذا التحول الذي نشهده في هذا الملف، هل يمكن للمعارضة أن تعود إلى المربع الأول، أي إلى خياراتها الأولى: الحكومة والمحكمة والانتخابات النيابية المبكرة؟
ـ فرق كبير بين أن يكون هناك مشروع تسوية يفرض تأجيل المسائل الحادة التي تمنع التلاقي والحلول الوسط، وبين أن نكون أسقطناها.. المعارضة لم تسقط من حسابها الانتخابات النيابية المبكرة، ما حصل هو أن تُبحث هذه المسائل بتوافق، خاصة إذا كان طرحها الآن سيسبب عدم إيجاد حل وسط. من هنا لا مانع أن نتفق على ما دون الانتخابات النيابية على أمل أن تكون جزءاً من الملفات اللاحقة للبحث.
البعض يعتبر أن الخروج من الأزمة يكمن في انتخابات رئاسية مبكرة كما كانت الحال مع الرئيس سليمان فرنجية عندما انتخب إلياس سركيس خلفاً له، وكانت البلاد تعيش يوم ذاك حرباً ساخنة؟
ـ هذا طرح على طاولة الحوار، وحاولنا أن نتفق على مرشح توافقي ولم نستطع. حتى الفريق الآخر تجاوزه.. لأن هناك فرقاً بين الرغبة وبين الإمكانية. هو يرغب بذلك، لكن هل لديه الإمكانية من دون توافق مع المعارضة؟ لذلك طُوي هذا الأمر، وكذا الحال موضوع الانتخابات النيابية المبكرة على قاعدة أن نركز على مسائل تعيد بناء السلطة المركزية، ونبحث بالملفات الأساسية المطروحة: موضوع المحكمة، قانون الانتخابات.. ومع ذلك لم نصل إلى اتفاق. أما أن المعارضة ستبقى على هذا الموقف، فهذا عائد لمعطيات التطورات القادمة، وعلى ضوئها سنتعامل مع الملفات القادمة.
همروجة جنبلاط
ما هي خطوات المعارضة المقبلة في ظل ما يذهب إليه فريق 14 شباط من توتير بدءاً من المجلس النيابي، وقد شهدنا للأسبوع الثاني همروجة جنبلاطية ضد الرئيس بري ومن ثم ضد حزب الله؟
ـ هذا الهجوم سبق أن أفصحوا عنه في جلستهم الأخيرة، وهذا جزء من البرنامج الذي تم إعداده لإجهاض التسوية من جهة، ولمحاولة صرف الأنظار عن صورة هذا الفريق في عرقلته للحل وعلاقاته مع المشروع الأميركي من جهة ثانية، لذلك هو يعمل على استحضار الاتهامات ضد حزب الله التي استخدمها قبل الحرب وأثناءها وبعدها، لعلّ ذلك يستر عورته السياسية.. ما نشهده في المجلس النيابي هو جزء من هذه الحملة الإعلامية، لكن ما تبين انه كشف عن هرطقة دستورية من قبل هذا الفريق عندما كان يطالب أن ينعقد المجلس عند بداية العقد العادي، اعترف دستورياً بأنه غير ملزم، هذا أول اعتراف بأنه كان يستخدم هواه السياسي لإسقاطه على تفسير الدستور، وقس على ذلك في كل المسائل الدستورية. فجلسات المجلس النيابي وجدول أعماله يقرر عقدهما رئيس المجلس، كما هي حال جلسات مجلس الوزراء. الأمر الثاني: رئيس المجلس لا يمكن أن يقبل أي مخالفة للدستور، أي مشروع قانون لم يُحَل من قبل رئيس الجمهورية هو مخالف للأصول الدستورية، وبالتالي لا يمكن لرئيس المجلس أن يناقشه. الأمر الثالث: لا يمكن عقد جلسة تشريعية ما لم يصحح الخلل الدستوري القائم في تكوين الحكومة، هذه الحكومة غير دستورية، وهو أمر واضح في مقدمة الدستور، لأن الفقرة "ي" منه واضحة، ليس هناك مشروعية لسلطة تناقض العيش المشترك، لأن الدستور لا يخضع للأقليات والأكثريات، وإلا يصبح الدستور ممسحة، ويصبح لعبة سياسية ويخرج عن كونه هو الضابط للصراع السياسي والخلافات السياسية في هذا البلد.. وبالتالي أمام كل هذه المشاكل ما يقوم به رئيس المجلس هو التزام كامل بالدستور، وما يقوم به الفريق الآخر هو محاولة استعراض إعلامي سياسي خارج السياق.
الأكثرية العاجزة
يقال هناك سيناريو يجري التحضير له ويقوم على استهداف آخر مؤسسة دستورية من أجل تفكيكها (المجلس النيابي)، لكي نصل إلى استحقاق انتخابات رئاسة الجمهورية بحكومة مختلف على شرعيتها ومجلس نواب مفكك وعاجز عن انتخاب رئيس جديد، لندخل بعدها في فراغ خطير يؤسس لانفصال لبناني يكون مقدمة لتأسيس الفدرالية.. برأيك مثل هذا السيناريو إلى أي حد هو واقعي؟
ـ هذا الفريق إذا لم يعِ خطورة ما يقوم به من إطاحة بالمؤسسات الدستورية وبمبادئ الدستور فهذا كارثة كبرى. مشكلة هذا الفريق انه يتوهم أن لديه القدرة على الإمساك بقرار البلد، أو خدع من قبل القوى الخارجية بالدعم اليومي بمناسبة وغير مناسبة، ما جعله يخرج عن القدرة على التفكير المنطقي والواقعي.. أكثرية نيابية مفهوم؟ لكن الفارق بين أكثرية نيابية وقدرة دستورية على الإمساك بالمؤسسات، صحيح هناك أكثرية نيابية، لكن ليس لديها القدرة الدستورية على الإمساك بالحكومة بعد خروج الوزراء، ولا إمكانية أن يعقد المجلس النيابي جلسات مع وجود حكومة غير دستورية، ولا يمكن تجاوز موقع رئاسة الجمهورية بما يتعلق بالمفاوضات وإبرامها للمعاهدات الدولية، ولا بإحالة مشاريع قوانين للمجلس النيابي، الأمر الآخر، وهذا يتم التركيز عليه: جرى تجاوز دور رئيس الجمهورية، وجرى الإطاحة بالسلطة التنفيذية مع استمرار هذه الحكومة ورئيسها والفريق الذي معه على عماها، كما جرت الإطاحة بالمجلس الدستوري حتى لا يحصل طعن لا بالانتخابات ونتائجها، ولا بمشاريع قوانين تصدر عن هذه الأكثرية.. ثم هناك المجلس النيابي، مشكلتهم مع المجلس هي أن رئيس المجلس ليس بيدهم، وهو لن يجاريهم في مخالفة الدستور. ثم ان انتخابات رئاسة الجمهورية ـ وهم يعلمون هذه الحقيقة ـ تحتاج نصاب الثلثين، وليس لديهم هذا النصاب، فكيف يريدون ان يعوّضوا عن عجزهم؟ بالحملات التي تصيب هذه المؤسسة الأم، لأنه العقبة الرئيسية أمام انتهاك الدستور، وأمام الإطاحة بالمؤسسات الدستورية، لذا ما نشهده هو ضغط وتعرض لدور المجلس النيابي في حسابات هي بالتأكيد خاطئة، ومتوهمون جداً هؤلاء إذا ما فكروا انهم بهذا الأسلوب يمكن أن يضعوا يدهم على المجلس النيابي! المجلس النيابي ليس بيدهم حتى لو كان لديهم الأكثرية، وهذا ما يثير حنقهم وحنق من يقف وراءهم من القوى الخارجية، ويسبّب هذه المشكلات للبلد، وهم يجيدون اللعب على الخارج، لأن الخارج يتعاطى مع الديمقراطية كأنها ديمقراطية أكثرية وأقلية، بينما الديمقراطية في لبنان هي ديمقراطية توافقية مستمدة من طبيعة نظامنا السياسي. إذاً هذه الأكثرية هي أكثرية متوهمين، أو أكثرية عاجزة عن الحكم، فلا نستغرب ما يقدمون عليه تعبيراً عن شعور بالعجز، وعن الإخلال بالالتزامات والوعود التي أعطيت للدول التي وهبتهم الدعم الذي مكنهم من البقاء.
الانتفاخ السياسي
هل تخشى أن يدفعهم عجزهم مجددا إلى الشارع والى التوتير وحمل السلاح؟
ـ ما شهدناه من ممارسات خلال إضراب الثلاثاء وحوادث الخميس والمنية وبر الياس والكلام الذي ذكره الرئيس بري في موضوع التسلح هو انعكاس للمأزق الذي يعيشه هذا الفريق، وعدم قدرته على مجاراة المعارضة، وعلى التحرر من أسر التزاماته الخارجية، وشعوره بأن أي تسوية لن تجعله بالحجم السياسي القائم الآن، فهو الآن مصاب بالانتفاخ السياسي أكبر بكثير من حجمه، على اعتبار أن التسوية ستعيد الأحجام السياسية إلى طبيعتها، وهذا ما لا يرغب به بعض أعضاء السلطة.
السنيورة تساءل على إحدى القنوات الفضائية عن سبب تعنت قوى المعارضة وعدم الإفصاح عن ملاحظاتها بشأن المحكمة الدولية، واتهمكم بأنكم تريدون أن توظفوا هذا الأمر في الصراع الداخلي.. لماذا لا تكشفون عن هذه الملاحظات؟
ـ مشكلتنا مع السنيورة هي أننا نكتشف معه مدرسة جديدة، وهي سياسة تجاهل الآخر، وكأن الآخر لا يفقه ولا يدري ما يتكلم به السنيورة.. هذه الملاحظات بأي صفة يريد أن يسمعها؟ ونحن بأي صفة نريد أن نقدمها له؟ إذا كان بصفته رئيس حكومة نعلنها عندما نكون نحن شركاء في الحكومة. إذاً المشكلة بالشراكة، هو يريد أن يقفز عنها حتى نصبح نحن مجموعة من الأكاديميين أو المعلقين ونعطيه ملاحظاتنا! أو ليستغل هذه الملاحظات في إطار التجاذب السياسي دون أن يكون لديه النية الجدية لملاقاة ملاحظاتنا ومناقشتها بموضوعية، فطرح هذه الملاحظات قبل أن نكون شركاء سيكون مادة توظيف سياسي إعلامي من قبل هذا الفريق لإثارة التشكيك بنيات المعارضة وليس للنقاش الجدي للوصول إلى الإقرار لمشروع المحكمة بتوافق من خلال شراكة حقيقية.
لحس المبرد
أمام هذا المشهد القاتم، هل من نافذة أمل بعد؟
ـ لا يمكننا مقاربة المسائل السياسية الوطنية بانفعال، بل من زاوية المصلحة الوطنية، وبالتالي عندما ننظر إلى المصلحة الوطنية يبقى الأمل دائماً موجوداً، لأن الشعب اللبناني قوي بإرادته، وهو مرّ بتجارب صعبة وكبيرة، وبالنهاية البلد محكوم إلى تسوية، ولا يمكن أن تستمر هذه الأزمة إلى ما لا نهاية.. ستبين التطورات التي يراهن عليها البعض أنها ليست كما يرغب ويشتهي، لأنه في حسابات البعض أن الأميركي يوحي له انه ما زال قوياً قادراً على أن يضرب ويهدد، وهو يبني أوهامه على أن هذه النتائج سيكون مردودها إيجابياً لمصلحته نتيجة اعتبار أن هناك قوى مقاومة لها علاقة مع أنظمة ممانعة، وبالتالي فإن موازين القوى في المنطقة ستتغير نتيجة هذا الهجوم الأميركي، مثلما كان رهانه الخاطئ على عدوان تموز لجهة القضاء على المقاومة، فأصيب بكارثة، وتسبّب بارتكاب خطايا ومكابرة لجهة عدم الاعتراف بهذا الانتصار، وهذا ناجم عن شعور بالهزيمة لديه، وهو اليوم كمن يلحس المبرد، ولا يعلم انه يلعق دمه، فهو من جهة يريد أن يذهب إلى الأمام، لكنه يجد نفسه بين خيارين: إما أن يقبل بتسوية فيصغر دوره، أو أن يؤجل الاعتراف بالوقائع ويقبل بالنهاية بتسوية، ويقول ما دامت هناك مشكلة في المنطقة ودعم خارجي، وهناك مطلب أن يبقي المشكلة على حالها حتى تبقى الورقة اللبنانية في إطار المقايضة والمساومة، باستطاعته ان يعزز دوره من خلال الرهان على هذه التطورات، لكن الأيام ستكشف لهؤلاء أنهم كانوا يضيعون الوقت، وأنهم مسؤولون عن إطالة الأزمة وإلحاق المزيد من الضرر بالبلد.. وعليه أقول لن تبقى الأمور مفتوحة بالنهاية إلى الأبد، أمامنا الاستحقاق الرئاسي، ماذا يفعل هذا الفريق؟ هل يستطيع أن يحكم من دون المعارضة؟ على أي حال لا يمكننا أن نسلم مصير البلد للوصاية الأميركية ولا لمشروعها، ولا نريد أن يكون كما يقول أولمرت عن أنظمة الاعتدال، وهو ما عبّر عنه بيريز أمام لجنة "فينوغراد"، بأنه ممكن مع هذه الدول المعتدلة أن نقيم اتفاقا، هذا سيأتي بضرر كبير على لبنان، وسيزيد من معاناته وسيجعله في مهب الزلزال والعواصف الدولية والإقليمية. لكننا نحن بالتأكيد سنحول دون مغامرة هذا الفريق بالبلد.
هزيمة "إسرائيل"
ما دمت تحدثت عن لجنة فينوغراد، هل يمكن القول ان ما يصدر من شهادات يعني أن "إسرائيل" وقّعت على هزيمتها؟
ـ إذا ما أخذنا نتائج الحرب والأهداف التي رسمها، وعدم قدرته على تحقيقها باعتراف كل المسؤولين أمام لجنة التحقيق، واستقالة كل الهرمية العسكرية، يتكشف لك أن الإسرائيلي على المستوى العسكري والسياسي أصيب بالهزيمة. ومع الأسف الشديد لولا بعض الضعف في أداء هذا الفريق لكانت الهزيمة أقوى وأشد.
هل هذا يشير إلى تبدل في موازين القوى على مستوى المنطقة؟
ـ إذا ما أردتم أخذ النتائج الاستراتيجية لهذه الحرب عليكم أن تقرأوا شهادة شيمون بيريز الذي يعترف بأنه لم يعد ممكناً للتفوق الإسرائيلي بالطيران أو بالمدرعات أن يجعل "اسرائيل" في الموقع الرادع.. وكأنه يقول ان هناك خطرا على وجود الشعب اليهودي إذا استمرت "إسرائيل" في هذا المنحى. وهذا كلام لأول مرة نسمعه، وهو يدعو اليوم إلى السلام الشامل! وهذا معناه أن الإسرائيلي خسر ما كان طيلة تاريخه يتكئ عليه سياسياً في ترهيبه للشعوب والدول العربية.. اليوم الجيش الإسرائيلي الذي كان يخيف دولا وشعوبا لم يعد موجوداً، ونتمنى أن يستفاد من هذه التجربة على مستوى كل الأنظمة العربية والشعوب العربية والإسلامية.
من المتوقع أن يزور الأمين العام للأمم المتحدة بيروت ويلتقي بكم، ماذا يمكن أن يحمل؟
ـ هذه جولة تفقدية للوقوف على القرار 1701، ولقاؤه معنا كقوى أساسية فاعلة على الساحة الداخلية لنستعرض ما التزم به لبنان وما لم تلتزم به "إسرائيل".
في الملف الحكومي مضى على استقالتكم أكثر من أربعة أشهر، والى الآن لم تُقبل، هل من دور تقومون به كوزراء مستقيلين؟
ـ استقالة الوزير لا يتوقف سريان مفعولها على قبول أحد، الوزير هو صاحب القرار في بقائه أو عدمه، ونحن من تاريخ استقالتنا لم نوقع على أي معاملة ولم نتابع أي ملف.
التعويض على المتضررين
نلحظ مماطلة واضحة في التعويض على المتضررين من حرب تموز؟
ـ هذا التباطؤ لم يعد مفهوما سوى انه توظيف سياسي من الفريق الحاكم لمعاناة الناس، لعلّه يستفيد من هذه المعاناة لتحريض الناس على حزب الله وعلى المقاومة. ليس هناك من تفسير آخر.. فمنذ وقف الأعمال العدائية في شهر آب إلى اليوم (أي بعد مرور سبعة اشهر) ليس هناك دفع للمساعدات واحداً في المئة للأبنية المهدمة كلياً، من بيده المساعدات العربية، هذا ماذا يفسر؟ مع العلم بأن الإحصاءات موجوده، والملفات موجودة من قبل المدققين.. إذاً ما هو المانع من تقديم مساعدات للناس للبدء في الإعمار؟
ماذا عن حزب الله؟
ـ حزب الله أعطى الناس بدل إيواء، وساعد في الترميم، ومع ذلك تابع هذا الملف، بالنهاية نقول إن هذه الاموال التي أتت جاءت بهذا العنوان، وأتت لهؤلاء الناس، وليست منحة من هذا الفريق ليتحكم أو يتصرف بها! ويفترض أن تصرف على هؤلاء الناس، وربما نجري اتصالات مع الدول المانحة أو نمارس ضغوطا لإنهاء هذا الملف..
في إطار متابعتكم السياسية هل هناك حصة لأهلنا في المناطق التي تمثلونها؟
ـ جزء من دورنا السياسي كنواب وقبل أن نكون وزراء، متابعة قضايا الناس ومطالبهم. لكن المشكلة الآن أن البلد مصاب بحال من الشلل والارتباك وتعثر في كل مجالات الخدمات الحياتية، وبالتالي الأزمة السياسية القائمة من الضخامة والحدة بحيث تنعكس مفاعيلها على مختلف شؤون الناس، ولهذا السبب نحن نعطي الأولوية لإيجاد الحل لهذه المشكلة.
الانتقاد/ العدد 1208 ـ 30 آذار/مارس 2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018