ارشيف من : 2005-2008

شمعون بيريس: ملاحظات على "الاعترافات"

شمعون بيريس: ملاحظات على "الاعترافات"

أحدث نشر شهادة نائب رئيس الحكومة الاسرائيلية شمعون بيريس هزة سياسية داخل الكيان الاسرائيلي، سواء على مستوى القادة او على مستوى الرأي العام، لما انطوت عليه من اعترافات ما كان بيريس ليقولها، حسبما افاد به هو نفسه، لو علم ان هذه الشهادة ستُنشر. كما شكلت هذه الاعترافات ايضا بينة اضافية، في سياق العديد من القرائن والأدلة والاعترافات، على عقم كل محاولات تشويه الانتصار التي قامت وتقوم بها بعض القوى السياسية اللبنانية وأجهزتها الاعلامية.‏

وسنحاول في هذا المجال تسليط الاضواء على بعض الجوانب المتصلة بصاحب الشهادة وظروف نشرها، اضافة الى بعض النقاط المتصلة بأصل قرار الحرب وظروف قبول "إسرائيل"، من منظور بيريس، للقرار 1701 كمدخل لتوقفها. وما انطوت عليه بعض الآراء والتقييمات من دلالات تتصل بأبعاد ونتائج هذه الحرب:‏

ـ لا بد من استحضار حقيقة ان صاحب هذه الشهادة الى جانب كونه احد اعضاء حكومة العدوان على لبنان، فقد كان ايضا من اعضاء الطاقم المقلص الذي أوكلت اليه ادارته (العدوان)، وبالتالي فهو مطلع على كل تفاصيل مساره من البداية الى النهاية، فضلا عن الخبرة السياسية التي يختزنها طول السنوات الماضية منذ الاعلان عن اقامة الكيان عام 1948.. وهو الذي تولى خلال خمسينيات القرن الماضي مدير عام وزارة الدفاع وكان له دوره في التحضير للعدوان الثلاثي: بريطانيا وفرنسا و"اسرائيل" على مصر في العام 1956. وتولى بعد ذلك منذ السبعينيات منصب وزارة الدفاع ومن ثم رئاسة الوزراء ووزارة الخارجية". هذا الى جانب انه من ضمن مؤسسي المشروع النووي والصناعات العسكرية الاسرائيلية، اضافة الى دوره في تعزيز علاقات "إسرائيل" الدولية.‏

ـ كان من المفترض ان لا تُنشر الشهادة التي ادلى بها شمعون بيريس امام لجنة التحقيق الحكومية (لجنة فينوغراد) حول اداء القيادتين السياسية والعسكرية خلال العدوان على لبنان، للاطلاع عليها من قبل الجمهور الإسرائيلي، ولكن المحكمة العليا أصدرت قرارا ملزما بنشر كل الشهادات مع الأخذ بعين الاعتبار حساسية بعض المواضيع ذات الصلة بالأمن القومي الاسرائيلي. وبالتالي فإن بيريس وغيره من المسؤولين كان يظن عندما تحدث ان هذه المعلومات التي سيدلي بها ستبقى قيد الكتمان ولن تكون في متناول الصديق والعدو على حد سواء. وهذا ما أعلنه بنفسه عندما أوضح تعليقا على نشر شهادته، بأنه أدلى بهذا الكلام بناء على ما قيل له إن مضمون شهادته سيبقى سريا.‏

ـ وتعليقا على ما تقدم يمكن القول انه يُضفي مزيدا من الاهمية والمصداقية، بأن مضمون الشهادة التي أدلى بها بيريس يعبر عن حقيقة قناعاته ورؤاه ازاء الحرب ومسارها ونتائجها. لكنه إلى جانب ذلك يؤكد ـ برغم كل ما يُحكى عن الانفتاح القائم بين قادة العدو وجمهورهم، وأن وسائل الإعلام تملك هامشاً معتبراً من الحرية، وجود خطاب مزدوج يتصل بالقضايا التي تمس الجانب المعنوي وبالأمن القومي، فضلا عن عدم الصراحة التامة إزاء التعبير عن الجانب الأكثر ظلاما في الواقع الاسرائيلي.. وإلا فما معنى ان يقول بيريس انه أدلى بذلك عندما قيل له ان الكلام سيبقى ضمن الغرف المغلقة، سوى انه لو علم مسبقا بأن هذا الكلام سيُنشر لكان تحدث بكلام مغاير بأي معنى من المعاني!‏

اما بخصوص بعض المضامين التي أدلى بها بيريس وما تنطوي عليه من ابعاد، فسنكتفي بما قاله حول قرار شن الحرب على لبنان، وحول الظروف التي توقفت في ظلها.‏

في ما يتعلق بقرار البدء بالعدوان قال بيريس انه لو تعلق الأمر به لما اتخذ قرارا بشن الحرب، وبرر ذلك بأن الجيش لم يكن مهيأ للقيام بذلك. وهذا كلام ينطوي على اقرار بفشل الجيش الاسرائيلي في تحقيق الاهداف التي حددتها القيادة السياسية، برغم قوله ان الحرب لم تفشل ولم تنجح! خاصة ان النصر في هذه الحرب وغيرها يُقاس بمدى تحقيق الاهداف التي شُنت من اجلها. وعليه نكتفي بعرض الاسئلة التالية والأجوبة تبقى على عهدة القارئ: هل أعادت "إسرائيل" اسراها دون قيد أو شرط؟ هل قُضي على القدرة الصاروخية لحزب الله، التي استمرت في قصف العمق الاسرائيلي حتى اليوم الاخير الذي شكل الذروة في عدد الصواريخ؟ ـ باعتراف "اسرائيل" أطلق في اليوم الاخير من الحرب اكثر من 250 صاروخا ـ أين تطبيق القرار 1559 (وفق المفهوم الاميركي والاسرائيلي)؟ أين هي الاهداف السياسية التي أعلنتها وزيرة الخارجية الاميركية كوندوليزا رايس؟‏

اما بخصوص ظروف توقف الحرب فنبدأ بالسؤال الذي وجهته اليه العضو في لجنة التحقيق، البروفيسور روت غبيزون، اذ قالت: هذه هي المرة الأولى التي تقوم فيها "إسرائيل" ليس فقط بالموافقة، وإنما بالتشجيع، على نشر قوة دولية مهمة على حدودها، بعدما كنا نعارض هذا الامر بشكل منهجي.. كيف ترى هذا الميل؟ هل ترى فيه أمراً إيجابياً في المنطقة؟ والواضح انها تقصد بذلك نشر قوات دولية معززة وفق القرار 1701 على الحدود اللبنانية مع فلسطين المحتلة.‏

يلاحظ ان بيريس بدأ في اجابته عبر تحديد نقطة انطلاق لتفسير وتبرير الموقف الاسرائيلي، إذ قال: "ينبغي للحرب أن تتوقف". وأوضح انه لا ينظر الى ذلك من زاوية ايجابية او سلبية، وإنما فقط الى مدى مساهمة ذلك في إنهاء الحرب، وعدد الاعتبارات التي انطلقت منها "إسرائيل" للقبول والتشجيع على هذا القرار:‏

أولاً: قبل كل شيء.. لقد رأيت في ذلك طريقاً لوقف الحرب.‏

ثانياً: هناك أمر آخر طالبنا به طوال الوقت، وهو أن ينتشر الجيش اللبناني على طول الحدود بدلاً من حزب الله.‏

ثالثاً: ما أرى من واجبي إضافته في هذا الشأن، هو أنهم هذه المرة ضمنوا وجود عنصر أوروبي: 5000 أو 7000 آلاف شخص.‏

ولكن الأهم والأوضح من كل ما قدمه، هو انه عندما اراد ان يجمل الاعتبارات الاسرائيلية قال: لم يكن امام "اسرائيل" من سبيل آخر لوقف الحرب التي كان من الضروري وقفها. وهذا أقصى ما كان يمكن تحقيقه في الظروف التي نشأت.‏

وقبل ان أختم أود أن أنصح أي قارئ لكلام بيريس، بأن يتذكر على الدوام أننا نتكلم عن كيان يُعتبر دولة عظمى اقليمية وتملك أحدث الأسلحة البرية والجوية على المستوى العالمي، وأنها هزمت الجيوش العربية في أغلب (على الأقل) الحروب التي نشبت منذ العام 1948.‏

ولكن السؤال الكبير الذي يبقى مطروحا هو: اذا كان ما نُشر من كلام بيريس قد أحدث هذه الضجة وشكل صدمة للرأي العام الاسرائيلي، وشكل بينة اضافية للمترددين والحائرين على مدى الهزيمة التي منيت بها اسرائيل في لبنان، فكيف هي اذن حال الفقرات التي حذفتها الرقابة العسكرية.. من شهادته؟‏

ــــــــــــــــ‏

فقرات اساسية من شهادة بيريس امام لجنة فينوغراد‏

ـ كان هناك سقوط نفسي كبير جداً، ونجم هذا السقوط عن تمتع حزب الله بقائد لا تنقصه الكفاءة، (السيد حسن) نصر الله، بينما يهاجم أحدنا الآخر من دون توقف.. وكانت المحصلة سلبية.‏

ـ "في الحرب تغدو الأقوال والكلمات أيضاً قذائف.. وما كان عندهم هو أن لديهم ناطقا واحدا هو نصر الله.. وهو يجيد عمله.. أما ما جرى عندنا فهو بروز العديد من الناطقين.. ولدينا الكثير من الضباط الممتازين، وهم ليسوا خطباء مفوّهين.. لم يكونوا يعرفون بالضبط كيف يفسرون المسائل.. لأنه إذا كانت هناك حاجة للخوض في الفلسفة، فإن هذه البلاد غير مليئة بالرجال الذين راكموا الخبرات في الحروب.‏

ـ الجمهور الاسرائيلي كان بالغ الخوف، فهذه هي المرة الأولى التي لا تكون فيها الحرب على الأرض، وإنما عن بعد. وهذا يعني أنه لم تكن هناك جبهة.. كان بوسع كل مكان أن يغدو جبهة.‏

ـ في نهاية المطاف وقف العالم إلى جانبنا، ولكن بشكل غير لطيف، لأننا ضعفاء، وليس لأننا محقون. كان هناك شعور بأن "إسرائيل" ليست ما كانت عليه دائماً، فهي غير متألقة وغير مفاجئة وغير إبداعية. انجرت إلى المعركة وهي تثرثر.. ولهذا السبب فقدنا بعضاً من قدرة الردع الدولية، ونحن نعتبر اليوم أضعف مما كنا عليه، لقد فقدنا من قدرتنا الردعية في عيون العرب، وهذا يتجلى في مظاهر نزع المشروعية عن وجود "إسرائيل". فقبل هذه الحرب كان العالم العربي قد سلم بشكل أو بآخر بوجود إسرائيل.. باستثناء أحمدي نجاد، ولكن بعد الحرب بدأ التراجع.. وبالمناسبة أنا هنا أتحدث كشخص ينتمي الى اليسار.‏

- ولأن هذه الحرب تحدث عن بعد، حرب ضد الإرهاب، يستحيل عبر طائرة (F 16) تبلغ قيمتها مئة مليون دولار ملاحقة كل شاب في السادسة عشرة من عمره، وهم في النهاية سيمتلكون صواريخ مضادة للطائرات وحتى الحربية منها. ويتعذر علينا أخذ دبابة ميركافا تبلغ قيمتها عشرة ملايين دولار وإرسالها نحو كل خندق.. نحن ملزمون بخلق ردع جديد تماماً، ولدينا القدرة على ذلك. وأنا أؤمن بذلك اليوم، مثلما آمنت قبل خمسين سنة بعهد آخر.‏

- قال بيرس في شهادته لجهاز "أمان": عندنا يقدر أنه قُتل لحزب الله حوالى 650 ـ 600 في هذه الحرب.. ورد عليه عضو لجنة فينوغراد البروفوسور يحزقيل درور وفقا لعد الجنازات الرسمية لحزب الله، فإن عدد القتلى هو 150.‏

- أجمل بيريس الاعتبارات الإسرائيلية للقبول بالقرار 1701 بالقول: لم يكن أمام "اسرائيل" من سبيل آخر لوقف الحرب التي كان من الضروري وقفها... وإن هذا كان أقصى ما كان يمكن تحقيقه في الظروف التي نشأت.‏

الانتقاد/ العدد1208 ـ 30 آذار/مارس2007‏

2007-03-30