ارشيف من : 2005-2008

الرواية الكاملة للتحقيقات القضائية بملفّ تقديمات "الإغاثة" : هكذا سرقت تعويضات حرب تموز بتقارير وهمية

الرواية الكاملة للتحقيقات القضائية بملفّ تقديمات "الإغاثة" : هكذا سرقت  تعويضات حرب تموز بتقارير وهمية

يجهد القضاء اللبناني ممثّلاً بالنيابة العامة المالية لاسترداد مبلغ 11 مليار و884 مليون ليرة صُرف لغير مستحقّيه من المتضرّرين في الحرب الإسرائيلية على لبنان في شهر تموز/ يوليو من العام 2006، وذلك من خلال التدقيق في كلّ الملفّات غير الصحيحة التي قُدّمت للهيئة العليا للإغاثة، ووزّعت على أساسها الأموال في مختلف المحافظات باستثناء الجنوب.‏

ويبدو أنّ هذه المهمّة شائكة وعويصة ودونها مصاعب جمّة، وذلك بسبب صرف المرضى الوهميين المستفيدين بغير حقّ الشيكات التي قبضوها على ملذّاتهم الشخصية وأمورهم الحياتية في الدرجة الأولى، والأهم التكتّم على هوّيات الأشخاص الذين طلبوا من هؤلاء المرضى تقديم تقاريرهم وملفّاتهم الكاذبة إلى الهيئة لاقتسام المبالغ المقبوضة معهم على غرار ما حصل في السابق في ملفّ المهجّرين، لأنّ المطلوب عدم كشف هؤلاء والتغاضي عن فعلهم الجرم الذي يندرج تحت عنوان اختلاس الأموال العامة، باعتبار أنّهم بأغلبيتهم تابعون لتيّار فاعل في السلطة وتوقيفهم أو كشفهم يسيء إلى سمعته المنحدرة إلى ميليشيا.‏

وتؤكّد مصادر التحقيق لـ"الانتقاد" أنّ النسبة الكبرى من المستفيدين هم من البدو والمجنّسين في منطقة البقاع الغربي والبقاع الأوسط، وهذا يدلّ على "انتمائهم" السياسي. وتروي كيف أنّهم كانوا يحضرون وحداناً وزرافات إلى مقرّ النيابة العامة المالية في الطابق الثالث من قصر عدل بيروت للمطالبة بالشيكات "المستحقّة" لهم.‏

وتقول هذه المصادر إنّه بعد انفضاح أمر التقارير المعطاة لهم من أطباء شرعيين لتضمّنها معلومات خاطئة حوّلتهم إلى معوّقين ومصابين بأضرار مختلفة وأعطال جسدية وصل بعضها إلى 70 %، صارت الهيئة العليا للإغاثة تطلب من هؤلاء البدو والمجنّسين التوجّه إلى النيابة العامة لاستلام الشيكات المخصّصة لهم بحجّة أنّها الجهة المخوّلة بتحديد نسبة الضرر المعنوي وتحديد الرقم المالي الواجب دفعه، وهذا مجرّد إيهام لكي يُحقّق معهم.. وما إن يصل هؤلاء حتّى كانوا يطالبون فوراً بإعطائهم الشيكات وكانوا يرفعون أصواتهم عالياً رافضين أيّ تأخّر، ولما كان القاضي المولج بالتحقيق يسألهم عن مكان إصاباتهم كانوا يرتعدون ويلتزمون الصمت والسكوت ويقرّون بمن أوعز إليهم بالقيام بهذا الجرم ومن أمّن لهم التقارير الطبية المحرّفة، ومعظمهم كانوا يعرفون أسماء الأطباء الشرعيين ويجهلون أو يتجاهلون أسماء المحرّضين على سرقة المال العام، خشية أن يصابوا بأذى حقيقي منهم إن هم أدلوا بأسمائهم الصحيحة.‏

ولم يوقّف في البدء هؤلاء بسبب كثرة عددهم وعدم وجود مكان لاستيعابهم من جهة، وعدم اكتمال التحقيقات الأولية من جهة ثانية، ما اضطرّ المعنيين إلى إرجاء عملية التوقيف إلى وقت لاحق حتّى تستجمع كلّ المعطيات والمعلومات، ويمكن من خلالها الوصول إلى المساهمين والمحرّضين، وذلك أملاً في استعادة المال المنهوب منهم. وقد بدأت "طلائع" التوقيفات تجري على يد قاضي التحقيق الأول في بيروت عبد الرحيم حمود الذي أحيلت أجزاء من الملفات إليه.‏

واتضح من سياق التحقيقات الأولية التي قام بها المحامي العام المالي القاضي روكس رزق بإشراف النائب العام المالي القاضي خليل رحّال، أنّ المبلغ المختلس هو 11 مليار ليرة و884 مليون ليرة وزّع على 1865 شخصاً، بينهم كبار في السن وأطفال وفتيان وقاصرون جرى استغلالهم للحصول على التعويضات، وأنّ الهيئة العليا للإغاثة تلقت 7.500 طلب من مواطنين من مختلف المحافظات باستثناء الجنوب والنبطية، باعتبار أنّ مجلس الجنوب هو المكلّف بالتعويض على أبناء هاتين المنطقتين، يطالبون بالحصول على التقديمات المخصّصة لهم، وقد تبيّن أنّ النسبة الكبرى منهم لم تصب بأيّ أذى ولم تلحق بها أضرار، لأن العدوان الإسرائيلي لم يستهدف مناطقهم وأماكن وجودهم، أو أنّها كانت نزحت إلى مناطق أخرى كسوريا هرباً من شدّة هذا القصف.‏

وتكشف مصادر التحقيق أنّ العدد الإجمالي للأطباء الشرعيين الذين بلغت بهم "الحماسة والحمية" لإعطاء التقارير بلغ 40 طبيباً، بينهم من كانت تقاريره سليمة وقانونية ولا غبار على صحّتها، وهو ما أكّدته اللجان الطبّية التي جرى تعيينها للكشف على المصابين الحقيقيين وتحديد مدى العطل المصاب به كلّ واحد منهم.‏

وتضيف المصادر: هناك ستّة أطباء أعطوا 83% من نسبة الملفّات البالغ عددها 1865، وثلاثة أطباء أعطوا النسبة المتبقية وهي 17%.. وتفصّل هذه المصادر في حديثها مقدّمة نماذج وعيّنات عن أفعال هؤلاء الأطباء، فأحدهم أعطى 315 تقريراً مزوّراً من أصل 1865 وقبض لقاء أتعابه ما بين مئة ومئتي دولار أميركي، وحدّد نسبة العطل الدائم لبعض "مرضاه" بـ70%، بينهم أصحّاء ومعافون ولا يوجد أيّ خدش في أجسادهم.. وهناك طبيب آخر أعطى 309 تقارير، وطبيب ثالث 304 تقارير، وطبيب رابع 284 تقريراً. وما قبضه هؤلاء منع التعويضات أو تسبّب في تأخيرها عن أصحابها الفعليين المتضرّرين من العدوان الإسرائيلي.‏

وتبقى ثمّة أسئلة بحاجة إلى أجوبة صريحة: فمن يتولّى تنظيم قطاع الطبّ الشرعي للتخفيف من التقارير الوهمية التي يتلقّى القضاء يومياً، سواء في المحاكم أو دوائر التحقيق، سيلاً منها للتهرّب من جلسة ما والمماطلة والتأجيل على حساب إحقاق الحقّ؟ وهل يتمكّن القضاء من معرفة هوّيات الأشخاص الذين تقاسموا التعويضات مع غير أصحابها الشرعيين لكي يستردّها منهم، أم أنّ هناك جداراً كبيراً يحول دون ذلك؟ ولماذا كشفت الهيئة العليا للإغاثة متأخرة هذا النهب والاختلاس ولم تدقّق منذ البدء في مضمون التقارير المقدّمة لها؟‏

علي الموسوي‏

الانتقاد/ العدد 1208 ـ 30 آذار/مارس2007‏

2007-03-30