ارشيف من : 2005-2008

تنظيم القاعدة في العراق وتجاذبات المواقف مع قوى المقاومة

تنظيم القاعدة في العراق وتجاذبات المواقف مع قوى المقاومة

أظهرت الأوساط السياسية ووسائل الاعلام العراقية خلال الشهرين الماضيين اهتماما أكبر بحقيقة وخفايا الصراع بين تنظيم القاعدة في العراق من جهة، وتنظيمات مسلحة أخرى تتبنى منهج المقاومة، مثل كتائب ثورة العشرين والجيش الاسلامي، وتنظيمات تمثل واجهات لحزب البعث، وربما عناوين أخرى، من جهة ثانية. ولم يأتِ هذا الاهتمام بمعزل عن اهتمام سياسي وإعلامي غربي بالأمر ذاته، وكذلك لم يتبلور بمعزل عن جانب من حقائق ووقائع التجاذبات والصراعات في مناطق نفوذ تنظيم القاعدة وتنظيمات المقاومة الاخرى، التي برزت في بعض الاحيان بوضوح وجلاء يكفيان لقراءة دلالاتهما بيسر وسهولة.‏

وإذا كان هناك من توقف عند محاولة اغتيال نائب رئيس الوزراء العراقي الدكتور سلام الزوبعي، الذي ينتمي الى عشيرة زوبع ذات الثقل والنفوذ الاجتماعي الكبير في المناطق الغربية من العراق، والعضو في جبهة التوافق السنية، ورأى في تلك المحاولة إعلانا رسميا وعلنيا من قبل تنظيم القاعدة بالانقلاب على كل من يرفض التعاطي معها والعمل وفق أجندتها، فإنه في واقع الامر لم تكن محاولة اغتيال الزوبعي وهو يؤدي صلاة الجمعة في مسجد مجاور لمنزله الخاضع لحماية أمنية مشددة قرب المنطقة الخضراء ظهر يوم الثالث والعشرين من شهر آذار/ مارس الماضي، سوى إيذان ببدء مرحلة جديدة من العلاقات بين القاعدة وعموم الوسط السياسي والاجتماعي الذي تتحرك وتنشط فيه وتنطلق منه.‏

وقبل عدة شهور أعلن الشيخ الشاب عبد الستار أبو ريشة (35عاما) عن تشكيل مجلس صحوة الأنبار للتصدي للقاعدة في تلك المحافظة. وقد مثل ذلك اشارة مهمة وواضحة الى ان تغيرا حصل او على وشك ان يحصل في المواقف، لا سيما ان خطوة الشيخ "أبو ريشة" لم تنطلق من فراغ، بل انه استبق الاعلان عنها بجهود تنسيقية مع وجهاء وشيوخ عشائر في الأنبار، وجهود تنسيقية باتجاه آخر مع حكومة نوري المالكي والقوات الاميركية، فضلا عن اطراف اقليمية عربية. وبحسب ما يعلن باستمرار، فإن مجلس صحوة الأنبار نجح في توجيه ضربات قوية لعناصر وقواعد تنظيم القاعدة، مستفيدا من حالة التعاطف لدى فئات وشرائح اجتماعية تضررت بشكل او بآخر من الاخير.‏

ويبدو ان الشيخ "أبو ريشة" كان ولا يزال يتلقى دعما وإسنادا وتشجيعا من قوى وشخصيات سنية مختلفة، وخصوصا تلك المشاركة في العملية السياسية، من المدرجة في القائمة السوداء لتنظيم القاعدة.‏

ويبدو أن أساليب القاعدة المتمثلة باستهدافها للمدنيين وعناصر الجيش والشرطة ومختلف مؤسسات ومرافق الدولة الخدمية، تتعارض مع أساليب ومناهج بعض القوى السياسية والتنظيمات العسكرية التي ترى ان قتل المدنيين يشوّه صورة المقاومة، واستهداف منتسبي الجيش والشرطة دون تمييز لمجرد انتسابهم يعد أمرا خاطئا وغير مبرر.‏

هذا من جانب، ومن جانب آخر فإن بعض تلك القوى والتنظيمات لا تتبنى مواقف متشددة جدا حيال الأطراف السنية المشاركة في العملية السياسية من خلال وجودها في الحكومة والبرلمان، فضلا عن كونها أرسلت إشارات مشجعة للتعاطي ايجابيا مع مشروع المصالحة والحوار الوطني الذي طرحه رئيس الوزراء نوري المالكي منتصف العام الماضي، على ضوء شروط ومطالب ليست صعبة الى حد كبير، في الوقت ذاته الذي غالبا ما تؤكد فيه بعض تلك القوى والتنظيمات عدم تورطها بأي عمليات تستهدف المدنيين الأبرياء.‏

وهناك من يرى ان شهر العسل بين القاعدة وخلايا حزب البعث انتهى او شارف على الانتهاء، بسبب الوصول الى نقاط افتراق لا يمكن عندها صياغة حلول وسط، خصوصا ان التقاطعات الأيديولوجية بين الطرفين كبيرة جدا.‏

وحتى الآن فإن المؤشرات تذهب الى ان الامور لا تسير في مصلحة تنظيم القاعدة الذي تعرض الى ضربات موجعة بعد الشروع بتنفيذ خطة فرض القانون في العاصمة بغداد منتصف شهر شباط/ فبراير الماضي. وتورطه في محاولة اغتيال سلام الزوبعي، ومن ثم تنفيذه عملية انتحارية استهدفت شيخ مشايخ عشيرة زوبع في الانبار ظاهر خميس الضاري، أدت الى مقتل نجله، فتح الباب واسعا لمواجهة ذات طابع ونزعة عشائرية، بدت ملامحها واضحة بعد الاعلان عن تشكيل لواء الضاري لمقاتلة تنظيم القاعدة.‏

وجاء رفض جبهة التوافق العراقية لدعوات هيئة علماء المسلمين بعدم مقاتلة القاعدة والتركيز في هذه المرحلة على مواجهة الاحتلال، كأنه ضربة أخرى كشفت انحسار تقبل القاعدة لدى معظم الاوساط السنية. بل حتى هيئة علماء المسلمين نفسها التي ينظر اليها على أنها متعاطفة مع القاعدة، اعتبرت على لسان أمينها العام الشيخ حارث الضاري ان اي عملية تستهدف المدنيين الأبرياء ليست من المقاومة بشيء. علما بأن تنظيم القاعدة نفسه كان قبل عدة أسابيع قد وجه انتقادات للضاري لاستنجاده بالدول العربية الموالية للولايات المتحدة والمتحالفة معها لإنقاذ السنة في العراق.‏

والعمليات التي وقعت في مناطق من محافظة الانبار خلال الشهر الماضي واستهدفت مصلين وسوقا شعبية وأطفالا كانوا يمارسون لعبة كرة القدم، أوجدت موجة من الغضب والاستياء عمقتها عمليات استهداف عناصر الشرطة والجيش وذويهم الذين ينتمون للطائفة السنية، وجعلت أوساطاً شعبية تتحمس في الانبار ومدن اخرى مثل ديالى والموصل، لتشكيل جبهة واسعة وعريضة لمواجهة تنظيم القاعدة.‏

كل هذه المعطيات تشير الى ان واقعا جديدا يسود على الارض في المناطق التي تسيطر عليها القاعدة، ومعها قوى مقاومة اخرى، أخذ في التشكل. ويساهم في تفعيل ذلك عوامل وعناصر اخرى بعضها داخلي وبعضها خارجي.. واقع لا بد من ان يؤثر في مسارات الوضع العام في العراق، لأنه يشغل الجزء الاكبر من صورته.‏

الانتقاد/ العدد 1209 ـ 6 نيسان/أبريل 2007‏

2007-04-06