ارشيف من : 2005-2008

الولايات المتحدة تغير سلوكها تجاه سوريا: زيارة بيلوسي إلى دمشق تضع بوش في عنق الزجاجة

الولايات المتحدة تغير سلوكها تجاه سوريا: زيارة بيلوسي إلى دمشق تضع بوش في عنق الزجاجة

فمن حيث الشكل ترتدي الزيارة أهمية استثنائية باعتبار بيلوسي ثالث شخصية سياسية في الولايات المتحدة، وهي التي تقود الأغلبية البرلمانية التي تلف طوقا حول رقبة جورج بوش، واليها تؤول أمور البلاد في حال أصيب الرئيس ونائبه بسوء يمنعهما من القيام بأعمالهما.‏

وكان يمكن ان يقوم أي وفد يمثل نواب الحزب الديمقراطي بمثل هذه الزيارة، وهو ما حصل سابقاً، لكن اصرار بيلوسي عليها برغم ما أثارته من عاصفة تصريحات معترضة ومنتقدة من البيت الأبيض، ليتولى بوش بنفسه الاحتجاج عليها علناً، واعتبار أنها توجه "رسائل متناقضة" و"توحي للمسؤولين الحكوميين السوريين بأنهم جزء من المجتمع الدولي، في حين أن دولتهم تساند الإرهاب"، يشير إلى أن الزيارة تتعدى الطابع الشكلي إلى التأسيس لمرحلة جديدة قادمة من العلاقات الاميركية ـ السورية تقطع مع مرحلة التوتر التي أرساها بوش وفريقه من "المحافظين الجدد" الذين أفل نجمهم.‏

ومرد احتجاج بوش وغضبه الحقيقيين يأتي من كون هذه الزيارة تساهم في إنهاء العزلة التي أقدمت عليها بعض الدول الغربية الحليفة لواشنطن، بعدما أنهت دمشق في قمة الرياض ما اصطلح على تسميته بـ"عزلة عربية" مارستها بعض دول المنطقة، وهو ما يفسر الانزعاج الحصري للرئيس الفرنسي جاك شيراك الذي يريد النيل من النظام السوري كثأر شخصي أقحم فيه سياسة بلده بأكملها، فأقدمت وزارة خارجيته على إطلاق تصريح منتقد للزيارة خلافا للأعراف الدبلوماسية، حيث بدا معلقاً على شأن أميركي داخلي ليس من عادة الدول أن تعلق عليه.‏

والواضح أن هذه الزيارة تشكل عنصراً ضاغطاً على إدارة بوش في المفاوضات الثنائية التي أطلقتها مع السوريين في مؤتمر بغداد، ويتوقع استكمالها في مؤتمر اسطنبول بشأن الملف العراقي. وهنا لا تبدو سوريا في عجلة من أمرها بعد التطورات الدراماتيكية التي صبت في مصلحتها فيما تبدو واشنطن محشورة في الزاوية، الأمر الذي يفسر سعيها لعرقلة حل الأزمة اللبنانية ودفع الفريق الحاكم في بيروت إلى إرسال مشروع المحكمة ذات الطابع الدولي الخاصة باغتيال الرئيس رفيق الحريري، من اجل استخدامها ورقة ضغط لرفع سقف التفاوض مع دمشق في سياق مساومتها على الملف اللبناني مقابل تسهيلات لها في الملف العراقي. لذلك تعتبر زيارة بيلوسي انتكاسة لتقنية رفع السقوف التفاوضية في هذه الفترة الحرجة للإدارة الاميركية.‏

لكن يبدو ان لدى بيلوسي تقديرات وضع حول ما يمكن ان تذهب إليه الأمور، فأرادت استباقها بعيداً عن المناورات التفاوضية لجورج بوش والمغامرات التي قد يقدم عليها، لذلك أدرجت محادثاتها في سياق مستقبلي بقولها "ان الهدف من هذه الرحلة هو جزء من مسؤوليتنا حيال الأمن القومي للولايات المتحدة الاميركية، ونحن هنا لنرى كيف يمكننا أن نجعل العالم اكثر أمنا، ولنحارب الإرهاب، والاهم من ذلك هو ان نتمكن من الاطلاع على الوقائع ونكون على بينة منها".‏

وهنا تبدو الغاية واضحة: تريد بيلوسي التنصل من تبعات ما يمكن ان يرتكبه بوش من حماقات في السياسة الخارجية الاميركية، لأن أي مغامرة يقدم عليها ستتحمل تبعاتها الإدارة الديمقراطية القادمة الى البيت الأبيض بعد فترة قصيرة، مع ما يعنيه ذلك من تحميل غيره أوزار فعلته من دون ان يكون شريكاً في اتخاذ القرارات. لذلك كانت بيلوسي حاسمة بأن الحوار الجدي هو الطريق ألحصري لحل المشاكل القائمة بين البلدين، وهي صرحت بذلك، وذلك في إطار دعمها القوي لتوصيات "مجموعة الدراسات حول العراق" التي ترأسها وزير الخارجية الأسبق جيمس بيكر، وأوصت بالحوار كاستراتيجية للخروج من المأزق العراقي.‏

لكن ابرز ما لفت في زيارة بيلوسي هو محطتها اللبنانية ـ السورية حيث اكتفت خلال محادثاتها في بيروت بتصريح واحد أطلقته من قريطم وعلى مسمع النائب سعد الحريري قائلة بالحرف: "إننا نعلم التحديات التي تواجه النائب الحريري وتياره ولبنان. ونعلم أن الطريق لحل بعض المشاكل يجب أن تمر بدمشق"، وهو موقف فيه من الوضوح ما يغني عن الاستغراق في تحليله، بحيث تؤكد له أن الديمقراطيين لن ينخرطوا في أي شيء يتجاوز هذا الحوار، وربما سيعرقلون ما لا ينسجم وهذا المبدأ، وان رهان الحريري على استمرار التوتر في العلاقات الاميركية ـ السورية سيكون عقيماً عندما يتولى الديمقراطيون دفة السلطة التنفيذية، وأكثر من ذلك فإن التحسن الذي سيحصل في هذه العلاقات سينعكس حتماً على الساحة اللبنانية، في ما بدا وكأنها نصيحة استباقية للحريري الابن بأن يفتح حوارا مباشرا مع دمشق لان لا خيار أمامه.‏

خلاصة الزيارة من وجهة نظر دمشق كانت في توصيف وزير الخارجية السوري وليد المعلم بأنها "تاريخية" و"مهمة"، وبأن "القيادة السورية ستتواصل مع الكونغرس من خلال السفير السوري في واشنطن عماد مصطفى"، ما يعني ان خطوط اتصال جديدة فتحت بين الجانبين حتماً سيعتبرها بوش وفريقه بأنها لا تساعده ان لم تكن تعرقل مشاريعه في ما تبقى من ولايته. وهي بأي حال تفضي الى استنتاج حاسم بإخفاق السياسة الاميركية الراهنة في جميع خياراتها التي تداولت بها تجاه سوريا: أولا في ما سمي بـ"تغيير النظام"، والذي أشبعته إدارة بوش درساً دون أن تتلقى نصيحة من احد بهكذا مغامرة؛ وثانيا ما سمي بـ"تغيير سلوك النظام السوري"، ليتضح أيضا أن هذا الخيار عقيم، وليتبين من الوقائع أن التغيير في السلوك يحصل داخل الولايات المتحدة، وفق ما أكدته زيارة بيلوسي، وان التغيير في النظام سيحصل في واشنطن أيضاً حيث التوقعات تقطع بعودة الديمقراطيين الى السلطة التنفيذية بعد غياب ولايتين عنها بسبب الفشل الذريع الذي مني به الجمهوريون في السياسة الخارجية، وما رتبوه على مواطنيهم من تداعيات ستبقى نتائجها حاضرة بقوة حتى أمد طويل.‏

عبد الحسين شبيب‏

الانتقاد/ العدد 1209 ـ 6 نيسان/أبريل 2007‏

2007-04-06