ارشيف من : 2005-2008

بين زمانين وفي مكان واحد:مكتبة الهلال وسط بيروت.. "ماخور" في سوليدير

بين زمانين وفي مكان واحد:مكتبة الهلال وسط بيروت.. "ماخور" في سوليدير

وسط "الوسط التجاري" للعاصمة بيروت، عند زاوية شارع الأمير بشير المتفرع من شارع سورية، تطلّ على كنيسة مار جرجس, يقابلها مسرح "التياترو

الكبير"، ويجاورها المجلس النيابي من الخلف, تقع مكتبة الهلال لصاحبها الحاج أحمد إبراهيم مغنية "أبو جهاد", التي ورثها عن والده.‏

هذا العنوان لم يعد صالحاً اليوم بعدما هاجم غول الحرب بيروت وحوّلها الى مدينة أشباح حارقا كتبها وبنيانها.. وعندما هدأت الحرب أتى وحش المال ليقضي على آمال أهلها بالعودة إليها.. ليستعيدوا ماضيها العريق ويؤسسوا لمستقبلها الزاهر.‏

اليوم من يقصد مكتبة الهلال، سيرى العنوان في بيروت "مدينة عريقة للمستقبل"، وفق شعار "سوليدير".. لكنه سيجد مكانها "ماخور" أُسّس مكانها لينسجم مع ما يراه البعض لمستقبل بيروت.‏

مكتبة الهلال كانت محجة للمثقفين والطلاب من كل حدب وصوب, كما يصفها "أبو جهاد". لها مدخلان, وإلى جانبيها صيدلية "السنترال" ومكتبة "الفوايّيا" (من ضمن المبنى المخصص لسكن الطلاب الجامعيين).‏

كان والد "أبو جهاد" يعمل بائعاً متجولا للكتب, يحمل على كتفيه الكتب العربية والفرنسية في بيروت العتيقة زمن الاستعمار الفرنسي للبنان.. ومن ثم أصبح يملك مكتبة ضخمة ومتنوعة لبيع القرطاسية والكتب وجميع ما يلزم الطلاب والأساتذة.‏

مكتبة الهلال كانت تقع وسط الشارع الذي عُرف بشارع المكتبات في سوق "اللعازرية" وسط بيروت، وقد سُمي كذلك لوفرة المكتبات فيه ولزحمة المتسوقين بداخله أثناء موسم الدراسة وبعده، ولتهافت المثقفين للمطالعة والاستعلام عن أي إصدار جديد من الكتب.‏

ويذكر "أبو جهاد" أنه "من بين زوار المكتبة آنذاك، صاحب أكبر مكتبة في لبنان الراحل عبدو مرتضى الحسيني، وغيره من هواة جمع الكتب، الذين كانوا يترددون إليها من يوم لآخر لشراء الكتب القديمة والحديثة".‏

ويستذكر مغنية أيام الصبا وكيف نشأ وترعرع في كنف المكتبة بين أحضان طلائع المثقفين قائلا: "وقتذاك كنت أدرس في "العاملية" في بيروت, وبعد الظهر أعرّج على المكتبة لمساعدة والدي في ترتيبها، فيتكرم عليّ بأجر ربع ليرة يوميا". مشيرا الى أنه "تمرس في المهنة بكل محبة وامتنان لكل جوانبها الإيجابية, ولناحية المثابرة يوميا على مطالعة الكتب الى جانب زوار المكتبة، للاغتناء من ثقافتهم وأخبارهم الجميلة".‏

مكتبة الهلال لا تُمحى من ذاكرته أبداً, ويشير الى انه "بعد الحرب اللبنانية جاءت الشركة العقارية واستثمرت الوسط التجاري مقدمة لنا تعويضا ماليا بخسا, وحينها رفضنا المال من "سوليدير" لأسباب عديدة.. وبعدها توفي والده متأثرا بما حل بهم وبممتلكاتهم من ويلات الحرب وانتزاع "سوليدير" حقوقهم غصبا".‏

المفارقة العجيبة ان شركة "سوليدير" قد شيدت مكان المكتبة, الصرح الثقافي المعتبر، مقهى للمشروبات الكحولية! وهذا يدل على أن هدم الثقافة أصبح سهلا بنظر غيلان المال اللبنانيين في عصرنا الحاضر, مع العلم بأن لبنان كان غنياً بالأدباء والشعراء والكتّاب. لا بل أكثر من ذلك، عمدوا الى دفن تراثنا أمامنا.‏

ويستنكر "أبو جهاد" ذلك ويقول: "رفعنا دعوى ضد "سوليدير"، ولا من مجيب، وما زلنا ننتظر.. وسنبقى نطالب بحقنا الى أبد الآبدين, ولا يحل مال امرئ لامرئ إلا عن طيب نفس".‏

يشتاق أحمد مغنية الى مكتبته، فيلجأ الى المكان ذاته في الوسط التجاري لبيروت حاليا, ويتأمل كيف أصبح المشهد بحسرة ومرارة! "كانت ذكريات حميمة لنا ولوطننا، لا يمكن أن تُحذف من مخيلتنا حتى بعد محو معالم مدينة تراثية عن وجه لبنان.. وسيبقى وطننا بلد الثقافة في عالمنا الحاضر وفي المستقبل".‏

يشيد "أبو جهاد" بالاعتصام الشبابي في ساحتي "الشهداء" و"رياض الصلح", ويعتبر أنه مهم حتى يعاد الحق الى صاحبه.. ويقول: "المشاركة السياسية في الوطن مطلوبة". ويشبّه مشهد اليوم بالأمس، إذ إن "المعتصمين هم طائفة واحدة برغم تنوعهم، أي مثلما كنا في الأسواق التجارية قديما". لافتاً الى أن "تنوعنا هو مصدر غنى, وتفرقنا هو مصدر فقر".‏

محمد طالب‏

الانتقاد/ العدد 1209 ـ 6 نيسان/أبريل 2007‏

2007-04-06