ارشيف من : 2005-2008

مذكرة السلطة إلى الأمم المتحدة حول المحكمة ترهن البلد للوصاية الكاملة

مذكرة السلطة إلى الأمم المتحدة حول المحكمة ترهن البلد للوصاية الكاملة

انتهى "الفصل الثالث" من الاستعراض الفلكلوري لنواب فريق السلطة في مقر المجلس النيابي إلى السعي لدفع البلاد نحو الهاوية عبر طلب استخدام الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة لإقرار المحكمة ذات الطابع الدولي، ما يعني استدعاءً رسمياً للوصاية الدولية على لبنان وضرب ما تبقى من عوامل السيادة اللبنانية. وجاء ذلك من خلال المذكرة التي وقعها نواب السلطة السبعون والتي جرى تسليمها الى الممثل الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون غير بيدرسون. وتطالب هذه المذكرة "باتخاذ كل الإجراءات البديلة التي يلحظها ميثاق الأمم المتحدة والتي تؤمن قيام المحكمة الدولية التي وافق عليها مجلس الأمن".‏

مصادر متابعة تورد ملاحظات عدة على توقيت هذا التصعيد السلطوي الخطير الذي تقف خلفه الولايات المتحدة وغيرها من القوى الدولية، والهدف الذي يرمي اليه والنتائج التي يمكن أن يصل اليها.‏

أولاً: ترى المصادر أن رفع هذه المذكرة جاء في سياق اتفاقات جرت من تحت الطاولة قبل مدة بين فريق السلطة وجهات دولية برعاية أميركية وفرنسية، وهو ما يؤكد أن هذا الفريق لم يعد سوى أداة طيعة بيد الولايات المتحدة في سياق مشروعها للهيمنة على المنطقة. وربطت بين هذا التوجه نحو مجلس الأمن وتصاعد الضغوط السياسية من قبل ادارة جورج بوش ضد كل من إيران وسوريا، حيث ترى واشنطن أن لبنان ساحة مناسبة يمكن استغلالها في هذه الضغوط، وتحديداً عبر إقرار المحكمة وفق الفصل السابع، ما يعني استعمالها أداة للضغط السياسي على القوى والدول الرافضة للمشروع الاميركي الصهيوني في المنطقة.. اضافة إلى استخدام المحكمة في اثارة الفتنة المذهبية مجدداً في لبنان من خلال التصويب على مؤسسة مجلس النواب ورئيسها نبيه بري، والزعم أنه يعطل إقرار المحكمة عبر رفض عقد جلسة عامة لهذه الغاية.‏

وترى هذه المصادر أيضاً أن هذه الخطوة من قبل فريق السلطة تأتي في اطار المراهنة على حصول عدوان اميركي على الجمهورية الإسلامية في غضون شهرين من الآن، وهو ما أبلغته مصادر أميركية لأركان هذا الفريق.‏

ثانياً: من المستبعد أن تسلك مذكرة فريق السلطة إلى الأمين العام للأمم المتحدة طريقها إلى التنفيذ والإقرار في مجلس الأمن خلال فترة قريبة، لأن الموقفين الروسي والصيني على الأقل ما زالا ضمن دائرة تأكيد ضرورة توافق اللبنانيين على مشروع المحكمة وإقراره ضمن الأطر الدستورية، وهو ما لم يحصل، بل جرى نقضيه مع مذكرة فريق السلطة. إلا أن الضغوط الأميركية والفرنسية سترتفع لمحاولة التعجيل في تمرير المشروع ليسعى كل طرف إلى تحقيق أهدافه. فالجانب الأميركي يضع الملف في سياق الضغط على المقاومة وسوريا وإيران، والرئيس الفرنسي جاك شيراك يلح على الأمر لإنجازه قبل إخلاء قصر الإليزيه لخلفه في أيار المقبل. وهو كان وعد عدداً من أركان فريق الرابع عشر من شباط بتمرير المحكمة في مجلس الأمن قبل انتهاء مدة رئاسته، حتى من دون مرورها عبر الأطر الدستورية في لبنان. وتتوقع مصادر في فريق السلطة خطوات فرنسية سريعة خلال الأيام المقبلة بشأن المحكمة.‏

وتذكر المصادر هنا بمواقف الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون خلال زيارته إلى لبنان حول ضرورة التوافق على مشروع المحكمة، فإذا تعامل مع المذكرة على هذا الأساس يكون قد تعاطى بتوازن، وإذا تابع الإجراءات لإقرارها في مجلس الأمن يصح عندها ما كشفته بعض المصادر عن تواطؤ دولي في الوصول إلى هذه المرحلة.‏

ثالثاً: تؤكد مصادر دستورية ان مذكرة فريق السلطة لا قيمة قانونية لها على الاطلاق، وهي ليست سوى موقف سياسي، لأنها ليست صادرة عن المؤسسة الدستورية المعنية بإقرار المحكمة، وهي مؤسسة مجلس النواب. وهي تدعو نواب المعارضة لرفع مذكرة مقابلة للأمم المتحدة عن موقفها من هذا الملف.‏

رابعاً: جاءت مذكرة نواب السلطة السبعين إلى المنظمة الدولية لتؤكد فشل منحى آخر كانت لوّحت مراراً باعتماده، وهو عقد جلسة لمجلس النواب برئاسة نائب رئيس مجلس النواب فريد مكاري، الأمر الذي واجهه كل من رئيس مجلس النواب نبيه بري وحزب الله بتحذير واضح من مغبة تجاوز الخطوط الحمر، لأن حصوله يعني اعادة البلاد إلى ما قبل اتفاق الطائف، حيث تسقط عندها آخر مؤسسة دستورية بعدما عطل فريق السلطة المجلس الدستوري ومؤسستي مجلس الوزراء ورئاسة الجمهورية، وبالتالي فإن مذكرة فريق السلطة التي تطلب من مجلس الأمن اتخاذ الإجراءات البديلة عن الأطر الدستورية في لبنان تعني فشلهم في خرق أسوار المجلس النيابي وإقرارهم بعدم دستورية أي جلسة تعقد بدعوة من نائب الرئيس. وتلفت المصادر إلى أن هذا الفشل السلطوي في استباحة مؤسسة مجلس النواب ستكرر مع الاستحقاق الرئاسي الذي ستكون المبادرة الدستورية بشأنه منوطة برئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي أعلن في مؤتمره الصحفي الأخير أن نصاب الجلسة هو ثلثا أعضاء مجلس النواب، وأنه سيعقد أكثر من جلسة قبل الوصول إلى المرحلة التي ينصّ فيها الدستور على عقد جلسة قبل الأيام العشرة لانتهاء ولاية الرئيس بشكل تلقائي اذا لم يدع رئيس المجلس إلى هذه الجلسة.‏

خامساً: ترى الأوساط المتابعة أن مذكرة نواب السلطة حول المحكمة قد نسفت أي امكانية لاستئناف حوار جدي وصولاً إلى تحقيق تسوية بشأن الأزمة السياسية، حتى لو جرى استئناف اللقاءات بين رئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس تيار المستقبل النائب سعد الحريري. ويظهر ذلك جلياً من خلال تركيز الهجوم السلطوي على الرئيس بري من خلال "همروجات" الحضور الى مقر المجلس، اضافة إلى أن البيان الذي تلاه نائب رئيس مجلس النواب فريد مكاري باسم نواب السلطة الثلاثاء الماضي، والذي مهّد لرفع المذكرة، ركز هجومه على الرئيس بري وحمله حصرياً هذه المرة مسؤولية عرقلة إقرار المحكمة في مجلس النواب.‏

وكان نواب السلطة قد نزلوا إلى مقر المجلس النيابي يوم الثلاثاء الماضي في "الفصل الثالث" من الاستعراض السياسي، يقودهم رئيس الحزب الاشتراكي النائب وليد جنبلاط البارع في التوتير والتعطيل.. وكرروا اطلاق الاتهامات ضد رئيس المجلس بأنه يعطل عمل المجلس، مطالبين بعقد جلسة عامة لإقرار المحكمة. وكان في مواجهتهم حشد كبير من نواب المعارضة، مثّل هذه المرة الكتل الثلاث الكبيرة، حيث انضم نواب تكتل التغيير والإصلاح إلى نواب كتلتي الوفاء للمقاومة والتنمية والتحرير. وصدر موقف موحد بعد اجتماع للكتل الثلاث في مقر المجلس النيابي تلاه النائب نبيل نقولا، شدد على الالتزام الأكيد بضرورة كشف الحقيقة في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري بعد دراسة مشروع المحكمة في الأطر الدستورية ووفق آلياتها التي لا تحتمل الاجتهاد. ودعا فريق السلطة إلى تسهيل اقرار صيغة التسوية التي كان أعلنها رئيس مجلس النواب نبيه بري، وإعادة الأمور إلى نصابها الدستوري من خلال المدخل الوحيد، وهو تشكيل حكومة الوحدة الوطنية التي تؤمن المشاركة الحقيقية. وأكد بيان المعارضة أن نهج فريق السلطة حالياً يؤسس للانقلاب على الأصول الدستورية وإجهاض فرص الحل الذي نصر على بقاء أبوابه مفتوحة برغم أجواء التشنج التي أوجدتها بعض قوى الرابع عشر من شباط، بهدف قتل فرص الأمل بالحل أمام اللبنانيين.‏

بالإجمال فإن مصادر المعارضة ترى أن فريق السلطة يحاول من خلال استجلاب الوصاية الخارجية على لبنان عبر مشروع المحكمة، الهروب إلى الأمام، معوّلاً على عدوان اميركي وشيك على الجمهورية الاسلامية، علّه يؤمن له فرصة اكمال انقلابه وسيطرته الكاملة على البلد، بعدما عوّل سابقاً على العدوان الصهيوني وخاب أمله إثر الهزيمة التاريخية التي ألحقتها المقاومة بالعدو الصهيوني الصيف الماضي. وتدعو هذه المصادر فريق السلطة إلى عدم المراهنة على هذا السيناريو، لأن خيبة جديدة ستكون بانتظارهم.‏

هلال السلمان‏

الانتقاد/ العدد 1209 ـ 6 نيسان/أبريل 2007‏

2007-04-06