ارشيف من : 2005-2008
"الشباطيون" حوّلوا توقيف الضباط الأربعة إلى اعتقال سياسي
تحوّل توقيف الضبّاط الأربعة اللواءين جميل السيّد وعلي الحاج والعميدين مصطفى حمدان وريمون عازار، بناءً لطلب المحقّق السياسي بامتياز في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، القاضي الألماني ديتليف ميليس، إلى اعتقال سياسي يؤدّي غرضاً سياسياً بعيداً عن الملاحقة الجنائية المطلوبة، ولا يحقّق الغاية المرجوة بكشف الجناة الفعليين، بل على العكس يسمح لهم بالتواري عن الأنظار والاختفاء مدى الحياة.
فلا لجنة التحقيق الدولية في عهد رئيسها البلجيكي سيرج برامرتز، ولا القضاء اللبناني، استطاعا، على الرغم من الجهود المضنية المبذولة منهما، العثور على الإثباتات والأدلة والقرائن التي تفيد عن تورّط هؤلاء الضبّاط الأربعة، أو مشاركتهم، أو الإمساك بخيط ولو رفيع، ضدّهم، أو ضدّ واحد منهم على الأقل.
والمفاجئ أنّ القضاء اللبناني ممثّلاً بالنائب العام التمييزي القاضي سعيد ميرزا لم يقتنع بما "فبركه" الصدّيق من معلومات تمّ تلقينه حرفية مضمونها من دون الاحاطة الشاملة بما قد يترتّب عليها من أسئلة واستفسارات بحسب ما استشفّ من سير التحقيق مع اللواء جميل السيّد الذي تمكّن من الإيقاع بالصدّيق عند مواجهته به مُقنّعاً في "المونتيفردي".
ومعلومات الصدّيق نشرتها صحيفة "السياسة" الكويتية في اليوم الثالث للجريمة، أي في 17 شباط/ فبراير 2005، وقبل أنْ تستيقظ الأجهزة الأمنية والقضائية اللبنانية المعنية بمباشرة التحقيق، من فظاعة الجريمة، فمن أين حصل أحمد الجار الله على هذه المعلومات؟
وقد ادعى ميرزا على هذا "الشاهد التضليلي" بإعطاء شهادة كاذبة، ومع ذلك لم يقم بواجبه كفاية لجهة استرداده من فرنسا التي هُرّب إليها تحت جنح الظلام، كما أنّ السلطات الفرنسية رفضت تسليمه للسلطات اللبنانية بذريعة واهية هي خشيتها من تنفيذ عقوبة الإعدام به، علماً أنّ عقوبته لا تتجاوز العشر سنوات في أسوأ الأحوال. ولكن ماذا تقول فرنسا الحريصة على حقوق الإنسان، عن مصير أشخاص أوقفوا على ذمّة رواية غير صحيحة؟ أم أنّها أصيبت بعدوى حلفائها من السياسيين اللبنانيين بالتستّر على المجرمين؟
والغريب أنّ راسمي سيناريو التحقيق السياسي اتبعوا خطوات عملانية سهلة للوصول إلى هدفهم، متستّرين خلف قامة الضحيّة الأولى الرئيس الشهيد الحريري محلّياً وعربياً ودولياً، ومتسلّحين بهول الفاجعة، وبأنّ الجريمة طازجة وضخمة، فكبّلوا القضاء اللبناني بمذكّرة تفاهم مع لجنة التحقيق الدولية وقّعها وزير العدل آنذاك القاضي خالد قبّاني، وهي سلبت القضاء اللبناني حقّ التحرّك إلاّ على خطّ ميليس وبحسب توجيهاته، ومنعته من القيام بواجبه واتخاذ أيّ قرار من دون العودة إلى هذه اللجنة، وكأنّ هذه المذكّرة سيف مصلت على الرقاب يُمْنع تجاوزها أو تخطّيها على الرغم من أنّ مضمونها، وبحسب إجماع القانونيين وأهل القضاء نفسه، مخالف للقانون اللبناني، ولكن لا أحد يستطيع تغييرها لاكتسابها رضا أهل السلطة ولا سيّما من لا يريد الحقيقة من "القوى الشباطية" في لبنان.
ولكن عدم اقتناع ميرزا ومن ثمّ المحقّق العدلي القاضي إلياس عيد بما ذهب إليه الصدّيق، لم يترجم عملياً بتخلية سبيل الضبّاط الأربعة، أو واحد منهم على الأقل، وذلك بسبب ما كشفه اللواء السيّد نفسه في مذكّراته وبياناته المرسلة من خلف قضبان سجن "رومية" المركزي، من أنّهما يتعرّضان لضغوط سياسية تحول دون الإقدام على هذه الخطوة، وهذا يعني أنّهما يريدان غطاءً سياسياً لإعادة الحقّ لأشخاص مسجونين ظلماً وعدواناً ومن دون توجيه تهمة لهم أو الوصول إلى ما قد يدينهم، وهذا يعني أيضاً بأنّ توقيفهم تمّ لغاية سياسية بحتة، وإبقاءهم في زنزاناتهم يجعلهم معتقلين سياسياً.
فالقاضي البلجيكي برامرتز أفصح مراراً عن أنّه لا يوجد لديه أيّ "ممسك" على هؤلاء الضبّاط بعدما أجرى تقويماً شاملاً من خلال غرباله التحقيقي، لكلام الصدّيق والشاهد السوري الآخر هسام هسام اللذين لم يستطيعا تمرير أقوالهما عليه كما "فعلا" بسلفه ميليس، طالباً من القضاء اللبناني اتخاذ القرار المناسب بشأن توقيف الضبّاط، وهو أكّده في تقريره المقدّم للقضاء اللبناني في 8 كانون الأول/ ديسمبر من العام 2006 بأنّ الصدّيق كاذب.. كاذب .. كاذب.. وذلك في مؤشّر واضح على سقوط إفادته ومسحها من الوجود وكأنّها لم تكن.
ولكن من يقنع القضاء بقرار برامرتز في ظلّ ضغوط "القوى الشباطية" عليه؟
ترى مصادر مطلعة على سير التحقيقات، أنّ "الشباطيين" يرفضون بل يتخوّفون من الإفراج عن الضبّاط الأربعة ولا سيّما اللواء جميل السيّد لأسباب عديدة منها:
أولاً: أنّ هذا الإفراج، باعتقادهم، قد يؤدّي إلى منع قيام المحكمة ذات الطابع الدولي، لأنّ وجود موقوفين يسهّل ظهور المحكمة للنظر في أمرهم سلباً أو إيجاباً، وتخلية سبيلهم يؤخّر إنشاءها إن لم يستبعدها.
ثانياً: إبقاء السيّد ورفاقه الثلاثة قيد التوقيف الاعتباطي والتعسفي بحسب اعتراف وزارة الخارجية الأميركية نفسها، هو ورقة ضغط للتدليل على أنّ النظام الأمني السابق لا يزال متهماً، والاستفادة من هذا التوقيف سياسياً، فضلاً عن دلالة العلاقة القوية التي تربط هؤلاء برئيس الجمهورية العماد إميل لحود، وذلك لممارسة المزيد من الضغوطات على لحود حتّى ولو شارفت ولاية عهده الممدّدة على الانتهاء.
ثالثاً: إنّ اللواء السيّد يعرف أسرار هؤلاء "الشباطيين" وبعضهم من صنيعه عندما كان "ملك القرار" في لبنان من خلال موقعيه نائباً لمديرية المخابرات في الجيش اللبناني، ومن ثمّ مديراً عاماً للأمن العام، ويملك الكثير من خفايا الأمور ممّا يتوجّس منه "الشباطيون" خيفة.
وبشأن "فيلم الخديعة" الذي أنتجته "الأكثرية الموهومة" بإعداد مذكّرة تطلب من الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون "تشريع" المحكمة ذات الطابع الدولي تحت الفصل السابع، فهو جاء بناءً لطلب "سفيري الوصاية" الأميركي جيفري فيلتمان، والفرنسي برنار إيميه، للهروب من أيّ تعديل قد يطرأ على نظامها في حال درسه مع قوى المعارضة الوطنية في لبنان، ويطيح بهدفها القائم على مخطّط سياسي لتحقيق ابتزاز سياسي، ويجعلها جنائية بحتة.
وما تهريب المحكمة بهذه الطريقة سوى تدويل للقضية برمّتها، ووضع لبنان تحت الوصاية الدولية، والقول بأنّه قاصر وغير مؤهّل لإدارة أموره، وللفوز بتأييد الرئيس الفرنسي جاك شيراك قبل خروجه من الحكم في شهر أيار/ مايو 2007، والضغط على المعارضة من أجل إقرار هذه المحكمة بأخطائها القانونية المميتة للبنان وشعبه، واستعمال القوّة في مجريات المحاكمة.
لقد سبق للبطريرك الماروني بطرس صفير الذي يرعى الكثيرين من هؤلاء "الشباطيين"، أن قال إنّ اعتماد الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة تهديد للسلم الأهلي، فهل بين "الشباطيين" عقلاء يعون معاني هذا الكلام، فيسرعون لتدارك الموقف قبل فوات الأوان وعضّ الأصابع ندماً؟
علي الموسوي
الانتقاد/ العدد 1209 ـ 6 نيسان/أبريل 2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018