ارشيف من : 2005-2008

العبد بهزاد : عبقري المنمنمات المغمورة بالضوء

العبد بهزاد : عبقري المنمنمات المغمورة بالضوء

بداية حياته في مدينة "هراة" أيام الدولة التيمورية، وأفاد كثيراً من مخالطة كبار مفكري عصره من الفلاسفة والفقهاء والشعراء البارزين.‏

لقد ذاع صيت الفنان بهزاد في أيامه، وكان الملوك والأمراء يتهافتون على اقتناء تصاويره ـ البالغة الرقة والعذوبة والشاعرية ـ بأغلى الأثمان.. وكان حكام المغول يتفاخرون بالأثمان الباهظة التي كانوا يدفعونها في سبيل الحصول على أحد أعماله، التي كان يبلغ ثمن بعضها من 3000 إلى 5000 روبية، ولقد دفع الإقبال الشديد على أعمال بهزاد بعض الفنانين إلى تقليد فنه، وتقليد توقيعه الذي كان يكتبه بحروف صغيرة في مكان لا يسهل تبيّنه، وكان يصف نفسه عادة "بالعبد بهزاد" أو "الفقير بهزاد".‏

يمكن القول إن "بهزاد" رومانتيكي النزعة، غنائي الأسلوب، يصور المناظر الطبيعية وما تحويه من عناصر نباتية أو حيوانية بشاعرية زخرفية بالغة العذوبة والرقة، مغالياً في تسجيل دقائق الأشياء، حتى أنه ليمكن تمييز زخارف السجاجيد في رسومه بكل تفاصيلها ودقائقها.‏

التزم بهزاد بالتقاليد الفارسية، التي لا تستخدم المنظور والقصر النظري في الإبهام بالبعد الثالث، ولا تستخدم الظلال القاسية في تكوين واستدارة الأجسام، بل كان يغمر لوحته بالضوء.‏

مات عبقري المنمنمات سنة 1533، ودفن في تبريز بجوار الشاعر شيخ كمال الخجندي.‏

بهزاد والخطاطين‏

كان بهزاد من أوائل المصورين المسلمين الذين عنوا بوضع إمضائهم على آثارهم الفنية، وقد استطاع بفضل علو مكانته أن ينتصر على الخطاطين انتصاراً مبيناً، فقد كانوا أعلى منزلة من المصورين، وكانوا يتحكمون في حجم الصور وفي انتقاء الموضوعات وفي تحديد الفراغ الذي يتركونه في صفحات المخطوطات ليرسم فيه المصورون، ولكن بهزاد قضى على ذلك كله واختار الموضوعات التي أرادها، ورسمها بالحجم الذي كان يبتغيه في صفحة أو صفحتين متجاورتين.‏

في كتابه "الفنون الإيرانية في العصر الاسلامي" يقول زكي محمد حسن عن بهزاد "انه لم يحرز ما أحرزه من شهرة واسعة لأنه سار بأساليب التصوير الإيراني إلى الكمال الطبيعي الذي كان مقدراً له أن يصل اليه في تطوره فحسب، بل لأنه سار به أبعد من ذلك، فأدخل فيه عنصراً من الحب الإلهي، لتأثره بمذهب الصوفية الذي بلغ أوج عظمته في ايران قبيل أن يولد بهزاد، وحين كان صبياً".‏

وقد عاش بهزاد طويلاً، وتنسب اليه صور عديدة من القرنين التاسع والعاشر بعد الهجرة، وكثير من هذه الصور تمثل دراويش من العراق وإيران. وقد ذاعت شهرة بهزاد وتعدت حدود بلاد فارس، وتسابق في طلب صوره الأمراء وعشاق الفنون ببلاد الهند.‏

محاكاة أسلوبه‏

بعد نجاحه سارع العديد من الفنانين إلى تقليد بهزاد ومحاكاة أسلوبه الفني، بل وصل الأمر بالبعض إلى تقليد توقيعه، رغبة في الحصول على جزاء مادي مجز لأعمالهم، وهناك عدد من التصاوير الممهورة باسمه، وأغلب الظن أنها من عمل تلاميذه بعد مشاهدتهم للأصول التي أبدعها أستاذهم، فقد كان له تلاميذ كثيرون ساروا وفق منهجه واقتفوا أسلوبه الواقعي، وغالباً ما نلمح في تصاويرهم تعبيرات وأشخاصاً منقولة بنصها عن أستاذهم.‏

ومن أبدع الآثار الفنية التي يطمئن مؤرخو الفنون الاسلامية الى نسبتها لبهزاد، صور في مخطوط كتاب "بستان" للشاعر الإيراني سعدي، محفوظ في دار الكتب المصرية، وعلى أربع صور منها إمضاء بهزاد.‏

أكمل بهزاد ما اعتمده أسلافه من ابتعاد عن الأبعاد الهندسية الكلاسيكية للوحة، فالفنان المسلم لجأ إلى التسطيح ومنظور عين الصقر والألوان الزاهية البراقة والطابع الزخرفي والبعد عن صدق التمثيل للواقع، ومن ثم أنتج صوراً رائعة احتلت ركناً بارزاً في تاريخ الفنون، وأصبح فن التصوير الاسلامي علماً تعددت مدارسه، وتنوعت أساليبه وخصائصه الفنية التي تخص مدرسة بعينها دون الأخرى. ولكن، في النهاية، لا تخطئ العين في نسبتها إلى فن التصوير الاسلامي. ان تميز بهزاد واجتهاده في تكوين بصمته الخاصة جعلا ريشته سفيراً للفكر والحضارة الاسلامية، ريشة عبرت الجغرافيا كما الزمن لتؤكد ان المعدن الصحيح لا يندثر عند أول عاصفة.‏

عبد الحليم حمود‏

الانتقاد/ العدد 1209 ـ 6 نيسان/أبريل 2007‏

2007-04-06