ارشيف من : 2005-2008

الرسوم المتحركة لدى الكبار: استدعاء اللحظات الهاربة

الرسوم المتحركة لدى الكبار: استدعاء اللحظات الهاربة

بين "مهارب" أوقات مشاهدة الكبار للبرامج التلفزيونية والأخبار، وغابة المسلسلات والترف التلفزيوني الآخر.‏

إحدى مزايا الكارتون هي عدم ارتباطه بعمر معين من المشاهدين، وإن يسجّل العرف التقليدي اتصاله الخاص بعالم الصغار، ففي أوقات الفراغ، قد يستمتع الشاب بصراع "توم وجيري" كأطيب من الخبر والفيلم، ويشارك أب أولاده وقتهم "الكارتوني" عن طيب خاطر.‏

وربما بتطور الأمر وتنشأ علاقة وثيقة به، غير متعلقة بعامل الوقت، فينحى الكبير للطفل الذي في نفسه.‏

شبان ومثقفون، أعمار متفاوتة ووظائف مختلفة، لا يخفون "أننا نحضر كارتون". الدوافع عادية، التسلية، الضحك، الحنين إلى الماضي و"مع الأولاد".‏

ويبرز بعضهم أسباباً إضافية: الاستفادة، إغناء الخيال، ضرورة الكارتون لأصحاب البهجة في الحياة.. الفنانين والمثقفين، وايجابية الموضوع. ويحلل المشاهدون مضمونه، فهو إما بريء وللتسلية فقط، أو حامل رسائل إعلامية "ميديا" تراود الذهن.‏

توم وجيري أولاً.. وشهادات‏

يمكن تسمية "توم وجيري" بأب الكارتون، شخصيتان شائعتان منذ الخمسينات تحظيان بإعجاب الكثيرين، نوع أول بفكاهة غير مملّة، وتكاد تفاصيل القط والفأر وشكلهما والمواضيع المطروحة تبوح بهذه "الأبوة".‏

يقتطع أكرم.ض (50 عاماً) نصف ساعة بعد فراغه من العمل ليمرح بحركات توم وجيري و"لود رانر" مع ابنته، وبعض مرات يُطيح بنشرة الأخبار مفضلاً إياهما عليها.‏

متعجب من سيطرة جيري على توم ولود على الثعلب، ليرجح قائلاً "الرسالة: أميركا مسيطرة"!‏

الأولاد يحفزون آباءهم لينضموا اليهم في أثناء متابعتهم للرسوم المتحركة. ملاك وياسر يرحبان بأبيهما محمد ـ موظف مكتب (45 عاماً) عند المتابعة، وكثيراً ما أحب محمد "زينة ونحول" و"طرزان"، لكنه يشجع أولاده على الاقتحام بالقصص الدينية. برأيه أن معظم الرسوم الكرتونية لها أهداف، "فبلد صغير يغلب بلداناً عدة، والدليل يقدمه محمد انتصار جيري على توم".‏

والتعلق "بكارتون" معيّن من الطفولة هو سمة بعض الكبار فمثلاً، الفتاة "سالي" متعلقة بها سلام حجيج (30 عاماً سكرتيرة): "كنت أتفاعل معها حين أحضرها"، وتُرافق سلام أولاد أختها عندما يشاهدون "توم وجيري".‏

وستواظب على المشاهدة لأنها "تحب الرجوع إلى الطفولة".‏

وتشد الأشياء الجميلة في الكارتون اهتمام علي حيدر (33 عاماً ـ مالك محل انترنت) و"القديمة" أيضاً "كغراندايرز الذي أحبه، و"اذا يبث أعود وأحضره". يسأل علي "لمَ لا؟ ألم يكن الكبير صغيراً؟"، و"هل من غير المناسب الميل إلى الرسوم المتحركة مع وجود أفلام غيرها هادفة"؟‏

مجلات الكارتون .. مضاف اليه‏

بعض الطلبة الجامعيين يضيفون إلى الكارتون التلفزيوني، مجلات مصورة، زينب (20 عاماً) ورنا (18 عاماً) من كلية العلوم اللبنانية يجمعان الأمرين. تحدد زينب هوايتها بـ"السنافر"، و"شرشبيل" خاصة، في الثالثة عشرة من عمرها دفعتها "حشريتها" إلى شراء مجلات "الكابتن ماجد" لتعرف "ما سيحصل في الحلقات المقبلة".‏

والطالبة رنا تشتري مجلات الكارتون وتحب "بينك بانتر" و"الأبعاد الثلاثة"، وتصوّب على توم وجيري بقولها "يعلم الأولاد العنف".‏

سيشتاق الكبير إلى استعادة مشاعر "قديمة"، لا هروباً من الواقع، فقط لـ"التخلي عنه قليلاً".‏

هنا، تلجأ دانيا أيوب (29 عاماً ـ موظفة مكتبة) إلى هذا التخلي الموقت، "مرّت عليّ فترة قبل حرب تموز شفت فيها كارتون كتير: كابتن ماجد، بل وسبستيان، زينة ونحول..."، ويلفت من كلامها "كنت أعيش شخصية البنت الفقيرة المظلومة في أفلام الكارتون، وأحس أني داخلها".‏

وكمن سبق، يوقف دانيا القط والفأر "جيري بذكائها قوية، وتوم ضخم وكبير، والقوة من دون ذكاء لا معنى لها".‏

تطلب زوجة محمدي (25 سنة ـ ممرض) منه شراء "سي دي" كارتون، لعدم رغبتها بمسلسلات فيها عنف حتى الأفلام العادية.‏

وفي مكان عمله في المستشفى يُمسك محمد "الريموت كونترول" ويقول "ألغت محطة الستلايت قنوات تبث كارتون، فعدت واسترجعتها".‏

يعتقد البعض وجود تسخيف للعقل "توم وجيري يجعل الطفل (يبوكل)، يجلس أمام التلفاز ويستخف بكل ما في الحياة". لا يظهر أن طبيعة مضمون الرسوم المتحركة تمنع مزاولة حضوره، فيتجاوز الشباب ما يلاحظه من "فنونها" ولا يحلل دائماً بل يشاهد.‏

استفادة وتبرئة‏

يُبدي مثقفون مودة اتجاه الرسوم، تساهم في شخصيتهم وعملهم، ومن قبل في طفولتهم. ويُسقطون نظرية "الأضرار الجانبية"، ويهاجمون متهم الكارتون، فهو "مسيء إلى أفكار الإنسان".‏

تجربة "عميقة" مع الكارتون لرسام الكاريكاتور والمؤلف عبد الحليم حمود، كان يتأخر عن عمله في إحدى الصحف صباحاً فقط "كي أشاهد السنافر"، يضيف "ما زلت معتزاً كالسواد الأعظم من أقراني بمشاهدة توم أند جيري حيث الضرب، والسحل، والحدل، ولا موت فيه".‏

ويشير حمود إلى الأثر في ريشته "كرسام كاريكاتور، ألعب هذه اللعبة مباشرة، لي عين ثانية وأتأمل الرسوم والألوان وطريقة التحريك، والأهم هو الرسم والتلوين بحسٍ طفولي واضح".‏

وسِيَا ابنته سر أبيها، إذ تناديه لمشاطرتها وقت الكارتون. وتندهش عندما تراه مشدوداً إلى التلفاز وحده، والاستثناء يبقى لدى صمود في "توم وجيري، فنشاهده سوياً".‏

محلل "مُحب" للكارتون!‏

الكارتون مادة إعلامية وتعريفها يحتم ذلك.‏

للدكتور محمد محسن (استاذ الإعلام والاتصال في كلية الإعلام والتوثيق اللبنانية) تفسير لعلاقة الكبار بالكارتون، "في كل واحد منا طفل، أحياناً تشعر أن اموراً مثل مسلسل (دونالد داك) جزء من الراحة النفسية".‏

وماذا يحصل؟ يشرح محسن "فجأة، تخليت عن طريقة تفكيرك الناخبة وذهبت إلى أشياء لا علاقة لها بالنضوج".‏

الدكتور "مُربي" على الكارتون، وتحديداً "دونالد داك"، ويستمتع بمشاهدته مع الأولاد.‏

لا يعتقد أن الشبان متعلقون جداً بالكارتون. ويبيّن الجاذبية فيه "المشهدية السريعة، الحوار، النواحي الفنية"، ربما هي عامل جذب للناضجين، وعن خلفيات الرسوم الكارتونية يقول الدكتور محسن "اتضح من خلال دراسات أن الكارتون يحمل قيماً ثقافية مرتبطة بقيم فكرية أخرى (القبلات، العبث غير المسؤول، الفردية والاستقلالية) لا تنسجم مع طريقة عيشنا وتفكيرنا".‏

"ولتوم أند جيري" نقطة عند الدكتور محسن، فيحتوي على "العلاقة الغريزية المأخوذة من الواقع، فكل طرف يعمل على طريقته، ويؤدي ذلك إلى أساليب ملتوية، متّسمة بالعنف، وإن كان التصوير بطريقة محببة".‏

تختلف نسبياً "مكانة الكارتون بين جمهوره "الناضج"، فهو صديق دائم لجزء منهم، وضيف عادي ناحية آخرين، ومطرود من قاموس بعض البشر.‏

ويطل عالم الصغار حيث يدخل الرسم الكارتوني، غالباً، غذاءً يومياً.‏

ويصطلح على أن لا شيء بريء في الإعلام ولو للترفيه. ويجدر القول زيادة، ليس سليماً اعتبار الكارتون مشتبهاً فيه من دون دلائل حاسمة.‏

ومن المعروف، تأثر الصغير والكبير بشخصياته ورسومه، بدرجة مختلفة بين الجيلين. وقد يفيدون منه وقد يسيئهم... وعند الشبان والكبار، يُعتبر الكارتون جسراً الى التسلية والمرح وملامسة الشعور الطفولي. وفي معظم الأحوال، "ما زاد عن حده انقلب ضده".‏

حسن زراقط‏

الانتقاد/ العدد1209 ـ 6 نيسان/أبريل 2007‏

2007-04-06