ارشيف من : 2005-2008

التشريع الإلهي أباحه له ثم حرَّمه عليه: "التعدد الخاص" في أزواج النبي الأكرم (ص)

التشريع الإلهي أباحه له ثم حرَّمه عليه: "التعدد الخاص" في أزواج النبي الأكرم (ص)

وقد استعمل القرآن الكريم اللفظ الأول (الزوج) في سياق الكلام عن الأزواج من الرجال والنساء، وذلك في جميع الآيات التي تحدثت عن الأزواج، سواء بصيغة المفرد "يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة"، أو بصيغة المثنى "وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى"، أو بصيغة الجمع "يا أيها النبي قل لأزواجك". ومن المصداق الأخير لمفهوم الزوج أو الأزواج الذي يُقصد به النساء، نعرض لـ"إشكالية" يقفز إليها البعض ليتذرع بها في سياق محاولة ابتداع المثالب لنبينا الأكرم محمد (ص)، وهي "التعدد الخاص" في أزواجه (ص) الذي شرَّعه الله عز وجل له، ثم حرَّمه عليه بعد مدة من الزمن، بلغت نحو عشر سنين: "لا يحل لك النساء من بعدُ ولا أن تبدَّل بهن من أزواج".‏

وإن المتأمل في سيرة النبي الكريم (ص) لن يبذل كبير جهد ليكتشف أن "التعدد الخاص" في أزواجه (ص) الذي اتسعت دائرته لتزداد عن العدد المحدد في القرآن الكريم لسائر أهل الإسلام، لم يكن أمراً عادياً في حياة النبي (ص)، ناتجاً عن الرغبة في النساء، وإنما كان خاصية له (ص)، لما في ذلك من مصلحة عامة للإسلام والمسلمين. ويبرز ذلك الأمر ويتبين من عدة نواحٍٍ، أهمها أولاً: الخصوصية النبوية التي شملت عدداً كبيراً من الأنبياء قبله (ص). وقد ذُكرت تلك الخصوصية في القرآن الكريم في قوله تعالى: "ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له سنة الله في الذين خلوا من قبل وكان أمر الله قدراً مقدوراً". ثانياً: سيرته مع نسائه، حيث إنه (ص) قد خيّر جميع نسائه بأمر من الله عز وجل، بين الطلاق والتسريح إذا أردن الحياة الدنيا وزينتها، والإبقاء عليهن اذا أردن الله ورسوله وتركن الميل نحو الدنيا وزينتها: "يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحاً جميلاً وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجراً عظيماً". ثالثاً: حال نسائه، وهو أمر يوضح بشكل جلي أن زواجه (ص) منهن لم يكن زواج رغبة بالنساء، وإنما كانت عوامل أخرى عديدة هي الدافع الأساس وراء زواجه منهن. ومنها: اكتساب القوة، وازدياد العضد والعشيرة، واستمالة القلوب، فضلاً عن مراعاة الجوانب الإنسانية لبعضهن، كالقيام بالإنفاق والرعاية، أو تثبيت حكم وإلغاء عُرف جاهلي، وتفصيل ذلك ـ على ما ذكره العلماء، ومنهم السيد الطباطبائي في تفسير الميزان ـ بالتالي:‏

ـ كانت السيدة خديجة بنت خويلد أولى أزواجه (ص). عاش معها مقتصراً في زواجه عليها عشرين عاماً ونيفاً.‏

ـ تزوج بعد وفاة السيدة خديجة سودة بنت زمعة، وقد توفي زوجها بعد الرجوع من هجرة الحبشة، وكانت مؤمنة وأهلها كفارا.‏

ـ تزوج زينب بنت جحش بعد أن طلقها زيد بن حارثة، الذي كان يُدعى "ابن رسول الله" على نحو التبنّي، وكانت الحال في ذلك عند العرب أن زوجة المدعوّ ابناً كزوجة الابن، لا يتزوج بها الأب، فتزوجها النبي بأمر من الله: "فلما قضى زيد منها وطراً زوَّجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم".‏

ـ تزوج زينب بنت خزيمة بعد مقتل زوجها عبد الله بن جحش في أحد، وكانت سيدة فاضلة.‏

ـ تزوج أم سلمة، وكانت امرأة مسنة وفاضلة، توفي زوجها وترك لها أيتاماً.‏

ـ تزوج صفية بنت حُيي بن أخطب سيد بني النضير، التي قُتل زوجها يوم خيبر وقُتل أبوها مع بني النضير، وكانت في سبي خيبر.‏

ـ تزوج برة بنت الحارث سيد بني المصطلق، بعد وقعة بني المصطلق. وكان المسلمون أسروا منهم مئتي بيت من النساء والذراري، فأعتق المسلمون جميع أسراهم لمصاهرة النبي (ص) لهم، ثم أسلم بنو المصطلق جميعهم.‏

ـ تزوج أم حبيبة، واسمها رملة بنت أبي سفيان.. كانت زوجة لعبيد الله بن جحش الذي هاجر معها الى الحبشة في الهجرة الثانية وتنصَّر هناك، وثبتت هي على الإسلام.‏

ـ تزوج ميمونة الهلالية بعد وفاة زوجها الثاني، وهي وهبت نفسها للنبي (ص): "يا أيها النبي إنا أحللنا لك (...) وامرأةً مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي".‏

ـ تزوج حفصة بنت عمر، وقد قُتل زوجها خنيس بن حذاقة في بدر.‏

ـ تزوج عائشة بنت أبي بكر.‏

إن نبي الرحمة محمداً (ص) الذي أباح الله عز وجل له أن يجمع تحت عباءة الزوجية ما شاء من النساء، فاقتصر على بضع عشرة امرأة جلهن من الثيِّبات المطلقات أو الأرامل، لهو خير من زهد في الدنيا وزينتها، وإن "التعدد الخاص" في أزواجه لم يكن مثلبة عليه، بقدر ما كان مكرمة له تضاف الى مكارمه الكثيرة.‏

عدنان حمّود‏

الانتقاد/ العدد 1209 ـ 6 نيسان/أبريل 2007‏

2007-04-06