ارشيف من : 2005-2008
فصاحة النبي (ص)
ولم يشذَّ النبي محمد (ص) عن هذه "القاعدة"، إذ هو نشأ وتقلّب في أفصح القبائل. ويكفي أن نعلم أن مولده (ص) كان في بني هاشم، وأن أخواله من بني زهرة، ورضاعه في بني سعد بن بكر، ومنشأه في قريش.. وكل هؤلاء ممّا يشهد بفصاحتهم بين العرب. وقد نُقل عنه (ص) قوله في هذا المجال: "أنا أفصح العرب، بيد أني من قريش، ونشأت في بني سعد بن بكر".
وهذا القول من رسول الله محمد (ص) كان قد أرسله في العرب قاطبة، فما تعاظمهم ذلك ولا ردّوه، ولم يجدوا إلى نقضه وسيلة ولا اتهموه، مع أن الفصاحة كانت أكبر أمرهم. بل لو وُجد وقتها في جميع العرب من هو أفصح من النبي محمد (ص) لكان عارضه، وجعل ذلك سبباً لنقض دعوته (ص).. بل كانت العرب ستسهب في ذلك، ولأُثر ذلك عنهم وسار على ألسنتهم إلى يومنا هذا، ولردّوا عليه (ص) القرآن، لأنهم قوم لا يستجيبون إلا لأفصحهم لساناً، وخصوصاً في أوّل عهده بالنبوة. إذاً، إن عدم اعتراض أحد من العرب على رسول الله (ص) حتى نهاية أمره وغايته، لهو أوضح دليل وبرهان على أنه (ص) كان أفصح العرب، وأن ذلك آية من الله سبحانه وتعالى لأولئك القوم بصدق نبوّته.
ورُوي أن النبي (ص) كان ذات يوم جالساً بين أصحابه، فنشأت سحابة فقالوا: يا رسول الله، هذه سحابة ناشئة. فقال: كيف ترون قواعدها؟ قالوا: يا رسول الله، ما أحسنها وأشد تمكنها! قال (ص): كيف ترون بواسقها؟ قالوا: يا رسول الله، ما أحسنها وأشدّ تراكمها! قال (ص): كيف ترون جونها؟ قالوا: يا رسول الله، ما أحسنه وأشدّ سواده!
قال (ص): كيف ترون رحاها؟ قالوا: يا رسول الله، ما أحسنها وأشدّ استدارتها! قال (ص): فكيف ترون برقها.. أخفواً أم وميضاً أم شق شقاً؟ قالوا: يا رسول الله، بل يشقّ شقاً. قال (ص): جاءكم الحياء.. فقالوا:
يا رسول الله، ما أفصحك! وما رأينا الذي هو أفصح منك. فقال (ص): "وما يمنعني من ذلك وبلساني نزل القرآن، بلسان عربيّ مبين".
شهادات بشرية حول فصاحة الرسول (ص)
وننقل هنا بعض ما قاله الأديب الكبير أبو عثمان الجاحظ حول كلام النبي (ص).. يقول: "هو الكلام الذي قلّ عدد حروفه وكثر عدد معانيه، وجلّ عن الصفة ونُزّه عن التكلّف.. استعمل المبسوط في موضع البسط والمقصور في موضع القصر.. هجر الغريب الوحشي ورغب عن الهجين السوقي.. لم ينطق إلا بكلام قد حُفّ بالعصمة وشُدّ بالتأييد ويُسر بالتوفيق.. وهذا الكلام الذي ألقى الله المحبّة عليه وغشّاه بالقبول، وجمع بين المهابة والحلاوة، وبين حسن الإفهام وقلّة عدد الكلام.. مع استغنائه عن إعادته، وقلّة حاجة السامع إلى إعادته.. لم تسقط له كلمة، ولا زلّت له قدم، ولا بارت له حجّة، ولم يقم له خصم، ولا أفحمه خطيب.. ثم لم يسمع الناس بكلام قط أعمّ نفعاً ولا أصدق لفظاً ولا أعدل وزناً ولا أجمل مذهباً ولا أكرم مطلباً ولا أحسن موقعاً ولا أسهل مخرجاً.. ولا أفصح عن معناه ولا أبين من فحواه..".
ومما قاله الأديب الكبير مصطفى صادق الرافعي في كتابه "إعجاز القرآن" عن بلاغة النبي (ص): "هذه هي البلاغة التي سجدت الأفكار لآيتها، وحسرت العقول دون غايتها.. لم تُصنع وهي من الإحكام كأنها مصنوعة، ولم يُتكلّف لها وهي على السهولة بعيدة ممنوعة.
ألفاظ النبوّة يعمرها قلب متصل بجلال خالقه، ويصقلها لسان نزل عليه القرآن بحقائقه.. فهي إن لم تكن من الوحي، ولكنها جاءت من سبيله، وإن لم يكن لها منه دليل، فقد كانت هي من دليله.. محكمة الفصول حتى ليس فيها عروة مفصولة، محذوفة الفضول حتى ليس فيها كلمة مفضولة، كأنما هي في اختصارها وإفادتها نبض قلب يتكلم.. وإنما هي في سموّها وإجادتها مظهر من خواطره (ص)".
نماذج من أمثاله(ص)
مما قاله سيد البلغاء والفصحاء النبي محمد (ص):
ـ مثل البيت الذي يُذكر الله فيه والبيت الذي لا يُذكر الله فيه، مثل الحيّ والميت.
ـ مثل الجليس الصالح مثل العطّار، إن لم يعطك من عطره أصابك من ريحه.
ـ مثل العالم الذي يعلّم الناس الخير وينسى نفسه، كمثل السراج يضيء للناس ويحرق نفسه.
ـ مثل القلب مثل الريشة، تقلّبها الرياح بفلاة.
ـ مثل الذي يتعلم العلم ثم لا يحدّث به، كمثل الذي يكنز الكنز فلا ينفق منه.
ـ مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم، مثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى.
جلال الموسوي
الانتقاد/ العدد 1209 ـ 6 نيسان/أبريل 2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018