ارشيف من : 2005-2008

خطاب السيد نصر الله: تأسيس لمرحلة سياسية جديدة

خطاب السيد نصر الله: تأسيس لمرحلة سياسية جديدة

الثعلب.. هذا هو حال فريق السلطة بعد الخطاب المفصلي والتأسيسي لسماحة الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله.‏

هل بقي أحد من أركان فريق السلطة وصبيانه إلا وألقى بدلوه في الرد على ما جاء في الخطاب؟ ومن لم يرد حتى الآن، فلدواعي السفر ليس إلا.. حتى من منهم كجعجع أقام مؤتمراً صحافياً ليس إلا بداعي المساجلة الرديئة المعنى والفكر، وهي أقرب إلى تسجيل الموقف حتى لا يفوته شيء عند أسياده من الأميركيين وسواهم ممن يعرفهم الجميع توصيفاً وماهية وممارسة، لا سيما أن طابور المرتزقة وسماسرة السياسة من فريق السلطة طويل طويل تارة على عتبة البيت الأبيض، وتارة على عتبة فيلتمان، وتارة على عتبة الإليزيه والسفارة الفرنسية، وتارة على عتبة بان كي مون.. هذا المعلن، ويعلم الله ما هو المضمر.‏

هؤلاء المرتزقة والسماسرة الدوليون لا يعيرون بالاً للسيادة والاستقلال والاستقرار، وإذا ما أعاروه بالاً فليتخذوها جُنة كما يتخذ المنافقون الإيمان جنة ليواروا به كذبهم وما يضمرون، وهم مستعدون لبيعها بالقطعة في مقابل شهوة سلطة لا يملكون منها إلا موقع العبيد، لأن مفاتيحها الحقيقية والفعلية في أماكن أخرى يعرفونها جيداً.‏

هؤلاء السماسرة الجدد ما كان ليشهروا سيوفهم جميعاً المسمومة بالكذب والرياء والتحريف والتلاعب بالحقائق لو لم يصب منهم خطاب السيد مقتلاً ووجعاً، فرد فعلهم الواسع والسريع والكثيف هو أكبر دليل على أن ما قاله السيد حقيقة، وأن ما قاله السيد فضيحة لهم وخزي، لأنه وإن لم يكشف جديداً بالمطلق، لكنه أكد بالدليل والمنطق مدى الطابع التآمري للسلوك السياسي لفريق السلطة، ومدى إصرار هذا الفريق على ربط روزنامته السياسية بالروزنامة الأميركية، وتحويل لبنان إلى قطع غيار لإصلاح وربما لتعويض بعض ما لحق هذه الروزنامة من أعطاب استراتيجية تكاد تجعلها غير ذات معنى، ومدى إصرار هذا الفريق على ضرب مقومات السيادة والاستقلال لمصلحة وضع لبنان بالكامل تحت الوصاية الأميركية والفرنسية، لا لشيء، وإنما فقط لتسهيل أحكام السيطرة عليه سلطوياً وسياسياً، ولشد الخناق على حركة التغيير الديمقراطي في داخله، وعلى حركة المقاومة ودورها الوطني والاستراتيجي في توفير الحماية اللازمة للبنان، في الوقت الذي يشحن فيه الكيان الاسرائيلي الأجواء بمناخات الحرب في سياق عدم قدرته على تحمل هزيمته المنكرة في لبنان، وفي سياق التكامل مع المخطط الأميركي، وفي محاولة أخيرة لإنقاذ المشروع الأميركي ـ الصهيوني من مآزقه المتنوعة، لشن هجوم شامل يمتد من لبنان الى سوريا فإيران.. هذا الهجوم الذي يشكل أحد الرهانات المبيتة لفريق السلطة الذي لم يكفه بالأمس رهانه وتشجيعه على عدوان تموز. وفي هذا الإطار ليست كلمة جعجع عن أن المقاومة باتت عبئاً على لبنان مجرد فلتة لسان، بقدر ما تكشف عن المنظور الذي ينظر منه الى المقاومة، وهو منظور أقل ما يقال فيه انه يحمل دعوة علنية للتخلص من هذا العبء.‏

إن ردود فعلهم بالشكل الذي جاءت به إنما تكشف عن غيظ قلوبهم من المشهد الذي رأوه، ولقد كان سماحة الأمين العام دقيقاً حين أشار الى الخريجين قائلاً: إن رؤيتكم اليوم ستفرح قلوب المحبين، لكنها بالتأكيد ستشحن قلوب المبغضين حنقاً وغضباً. فهؤلاء يضيرونهم أن يروا هذه الحيوية المتكاملة لحزب الله، بما هي حيوية قوة وحضور ورسالة يعرف معناها تماماً كل من يعنيه الأمر.‏

كما أن ردود فعلهم عكست وتعكس مقدار يأسهم، يأسهم من قطع سماحة الأمين العام الطريق أمامهم من الرهان على الحرب الأهلية وتقويض الاستقرار الداخلي، وجزمه القاطع بأن لا شيء سيبدل من قناعة المعارضة، أو بدفعها الى التنازل عن أهدافها المحقة، مهما طالت المعركة التي تعرف المعارضة فيها من تقاتل فعلاً، وتملك رؤية واضحة لها ولقواها الخاصة، مهما جاءت التطورات المقبلة بمتغيرات هي بالتأكيد لن تكون لمصلحة فريق السلطة الذي يستعجل خطواته لعدم يقينه من الآتي.‏

وأكثر من ذلك، لقد أعاد خطاب سماحة الأمين العام تصويب المواجهة حول العديد من الملفات الأساسية، وأبرزها مسألة المحكمة الدولية، واصفاً بذلك حدوداً دقيقة وفاصلة بين ما هو محرم فيها وما هو غير محرم، بين ما هو مقبول وما هو غير مقبول، لا سيما عندما أكد أن نظام المحكمة ذات الطابع الدولي بصيغته الأميركية ـ الفرنسية موضوع على قياس اتهامات محددة سلفاً، ولوظيفة سياسية جوهرها الابتزاز وتطويع ارادة المعارضين لأغراض أميركية معروفة.. والجريمة كل الجريمة هنا هي محاولة البعض من فريق السلطة تحويل دم المغدور الرئيس رفيق الحريري الى سياجٍ يحمي نظام محكمة كهذا، بدلاً من تحويله الى سياج يحمي محكمة هي حصيلة توافق وطني، ومحكمة تؤسس لأخذ العدالة وإحقاقها لا لثارات شخصية ولأغراض سياسية. من هنا فالاستنفار المحرض لفريق السلطة بل قل الغيرة المفتعلة على نظام المحكمة ومحاولة تحريف موقف السيد منها، انما هي غيرة لمصلحة ما يريده الاميركي والفرنسي، لا غيرة لما يتطلبه الوفاق الوطني الداخلي والحرص على العدالة.‏

لا شك في أن خطاب التخريج فضح بالكامل المسلك التآمري لفريق السلطة على الاتفاقات والمفاوضات والانقلاب الكامل عليها، والعمل المستمر على إقفال كل منافذ الحلول والتسويات الوطنية الممكنة، لإيجاد المبررات اللازمة لإيكال المهمة الى مجلس الأمن، امعاناً من هذا الفريق بتدويل الوضع اللبناني، مستقوياً بالخارج. ولذا سارع أقطاب هذا الفريق وصبيانه الى شن هجوم شامل حاولوا من خلاله ضرب مصداقية ما ورد في الخطاب ومصداقية سماحة السيد، ومن ثم للدفاع عن أنفسهم.. كل ذلك في سياق منع الخطاب من أن يفعل فعله بالكامل في الوسطين السياسي والشعبي. لكن فات هؤلاء أنهم أعجز من أن يواروا بأصابعهم الشمعية نور شمس الحقيقة الوهاج، وأنهم باتوا على درجة من الانفضاح لا يواريها شيء، وأن الكذب لا يمكن أن ينال من الحقيقة.‏

لقد كان الخطاب دقيقاً في شرح مخطط فريق السلطة للإمساك بالسلطة، وذلك من خلال كشف نهجه التآمري الذي يعمل على ربط لبنان بالأجندة الأميركية من خلال توسل أداتين: تحرك الأمم المتحدة تحت عنوان "اليونيفيل" وتطبيقات (1701) وفق تفسيرات تنسجم تماماً مع التفسيرات الإسرائيلية والأميركية، وكذلك الملف المتعلق بالمحكمة ذات الطابع الدولي.‏

ثم ان دعوة سماحة الأمين العام لاعتماد احدى وسيلتين للخروج من الوضع المقفل للأزمة اللبنانية: الاستفتاء أو الانتخابات النيابية المبكرة، هي بمثابة رد فعل منطقي وطبيعي وديمقراطي على نقل فريق السلطة ملف المحكمة الى الخارج، عبر عريضة نوابها، وإقفاله جميع أبواب الحوار.‏

هذا ولقد أقام الخطاب ترابطاً حياً بين مختلف أوجه القضية الوطنية بما هي من جهة قضية استقلال وسيادة ودفاع عن الوطن في وجه الأخطار المحدقة به الآن وفي المستقبل، وبما هي قضية تغيير سياسي ديمقراطي سلمي يرتكز على الحفاظ على مقومات السلم الأهلي والاستقرار الداخلي، وقضية تغيير اجتماعي وثقافي واقتصادي أيضاً تستهدف تقويض نظام النهب والجور والتفاوت الاجتماعي.‏

إن كل ما تقدم يجعل بالفعل من الخطاب خطاباً تأسيسياً، يضع حركة المعارضة أمام تحديات جديدة، جوهره العمل على إحداث تغيير متعدد المستويات، من الضروري بلورة مصالحه وأدواته الوطنية من خلال ديناميات جديدة ترتقي بها الى مستوى هذه التحديات.‏

والأهم أن المعارضة باتت اليوم في معترك وحيوية جديدة، وأمام معالم وأفق مرحلة جديدة أيضاً، جوهرها قطع الطريق على محاولات فريق السلطة تقويض الاستقرار الداخلي وإلحاق لبنان بالخيار الأميركي في المنطقة، وتجويفه من مقومات قوته ومقاومته ليصبح أداة طيعة في أيدي هذا الفريق وفي أيدي الأوصياء الأميركيين.‏

ان المعارضة هي اليوم أمام مرحلة جديدة من مراحل مهامها الإنقاذية، خصوصاً بعدما سد فريق السلطة كل منافذ الحلول الوطنية.‏

مصطفى الحاج علي‏

الانتقاد/ العدد1210 ـ 13 نيسان/أبريل 2007‏

2007-04-13