ارشيف من : 2005-2008

اعتبارات المستوى السياسي والعسكري في اتخاذ قرار بحرب أخرى

اعتبارات المستوى السياسي والعسكري في اتخاذ قرار بحرب أخرى

الحقيقة التي لا لبس فيها ان الهزيمة التي مني بها الجيش الاسرائيلي خلال عدوانه على لبنان تركت اثارها على كل المستويات السياسية والاجتماعية والامنية في الكيان الإسرائيلي، وان الجهة الأكثر تأثرا بنتائج هذا العدوان، هي المؤسستان السياسية والعسكرية. وبعبارة أخرى الطاقم المسؤول مباشرة عن قرار الحرب وإدارتها بكل عناوينها، وخاصة اننا أمام واقع لم يشهد العدو الاسرائيلي مثيلا له في تاريخه.‏

ويبرز في هذا الإطار الكثير من المصاديق التي تعكس هذه الحقيقة، من ضمنها الاستقالات غير المسبوقة في تاريخ هذه المؤسسة، التي هزت كيانها بدءاً من رئيس الأركان دان حالوتس، مرورا بقائد المنطقة الشمالية، اللواء اودي ادم، وقائد فرقة الجليل، الذي استُقيل، العميد غال هيرش... بالاضافة الى قائمة من الضباط القلقين الذين يخشون ان يُحمَّلوا مسؤولية ما في هذا الاطار. إضافة الى تشكيل لجنة تحقيق حكومية (فينوغراد) ومثول قادة المستوى السياسي والعسكري امامها للتحقيق في اداء القيادتين السياسية والعسكرية. وهو ما يتعارض مع الصورة التي كان يأملها قادة العدو بأن يكون اصطفافهم ومثولهم امام لجان تعليق الاوسمة والتمجيد بالنتائج التاريخية التي حققوها!!.‏

ولم تقتصر تداعيات العدوان على المتربعين في القمة، بل طالت المؤسسة العسكرية برمتها، سواء من جهة ثقتها بقدراتها وشعورها بالاحباط او من جهة العقل والشعور الجمعي لهذه المؤسسة. ومما يظهر جانبا من هذه الصورة هو ما نقله معلقون إسرائيليون (هآرتس/9/4/2007)، "لقد أبقت حرب لبنان الثانية الجيش الإسرائيلي مصابا. وهو منذ ذلك الوقت يتوق إلى محو العار". مضيفة ان الجيش يشعر بأن "كرامته مجروحة" وهو ما ادى الى انتشار مزاج قتالي في صفوفه، وبالتالي الى البحث عن فرصة "لتلقين الاعداء درسا يُحفر في وعيهم لفترة طويلة". وخاصة ان احد الاهداف المركزية للحرب على لبنان كان استعادة القدرة الردعية لاسرائيل، وفقا لتعبير رئيس المعهد السياسي والاستراتيجي في المركز المتعدد المجالات في هرتسليا، ورئيس قسم الابحاث في الموساد سابقا ومستشار سياسي سابق لنتنياهو إبان توليه رئاسة الوزراء، البروفيسور عوزي اراد. ليضيف ايضا أن هذا الهدف لم يتحقق بل ان قدرة الردع ازدادت تآكلا من دون ان يفوته ان عملية التآكل لم تبدأ في آب 2006 وانما حصلت بشكل تدريجي منذ العام 2000، في اشارة الى الاندحار الاسرائيلي من جنوب لبنان. لكن اكثر المصاديق تعبيرا عن عمق الهزيمة والفشل الذي مُنيت به اسرائيل هو وضع مؤسستها العسكرية بعد الحرب. وخاصة انها الطرف الذي اوكل اليه مهمة القضاء على حزب الله، او على الاقل اضعافه الى الحد الذي يفرض عليه الرضوخ لضغوط الفريق السياسي اللبناني الموالي للإدارة الاميركية.‏

الا ان السؤال الأبرز هو مدى معقولية وواقعية ان يؤدي شعور الجيش بمرارة الهزيمة الى شن حرب اخرى؟‏

هنا يحضرنا مجموعة من الملاحظات التي يمهد عرضها للوصول الى نتيجة ما على هذا الصعيد:‏

- يتميز الكيان الإسرائيلي عن كثير من الدول الأخرى، وحتى عن تلك التي يعتبر نفسه جزءا من منظومتها الفكرية والثقافية، بالعلاقة الاستثنائية بين العوامل الأمنية والقرار السياسي. وبشكل أكثر تحديدا بالحيز الواسع الذي يحتله الاعتبار الامني في خلفيات ومنطلقات القرار السياسي. ولعل مقولة شمعون بيريس تغني عن الكثير من الشروحات في هذا المجال، أن ليس لدى إسرائيل سياسة خارجية، وانما سياسة امنية. مع الاشارة الى ما تنطوي عليه هذه المقولة من ان الحركة والعلاقات الدبلوماسية والسياسية الاسرائيلية تحددها الاعتبارات الامنية.‏

- ما تقدم يفرض بالضرورة أن يكون للمؤسسة العسكرية والأمنية دور متزايد في بلورة القرار السياسي وتحديده. وإذا ما حصل أن تحرك المستوى السياسي بما لا يتطابق مع تقديرات وتوصيات هذه المؤسسة فإنه يعتمد، في المقابل، بالضرورة على رؤية أخرى للاعتبارات الأمنية، التي يتبناها عسكريون اخرون.‏

وعليه فإن الحديث عن أن الجيش يشعر بأن كرامته مجروحة، يُرجح أننا سنشهد تياراً متنامياً، في مرحلة لاحقة داخل الجيش يدعو الى شن حرب أخرى بهدف إعادة الاعتبار وتحسين الصورة في أذهان الرأي العام العربي والإسرائيلي على حد سواء. فضلا عن محاولة إعادة الاعتبار للدور الوظائفي للكيان وتحديدا للجيش بما يتعلق بمصالح الولايات المتحدة الأميركية في المنطقة.‏

أما أن يؤدي ذلك الى شن حرب أخرى فينبغي استحضار معطيات أخرى لتكوين صورة أدق.‏

في مقابل هذه الرؤية يوجد من يقدر، داخل "إسرائيل" وخارجها، أن المستوى السياسي قد اكتوى بنيران حرب تموز، وهي حقيقة لا يمكن التشكيك بها، وخاصة أن تداعياتها الداخلية عليه ما زالت تتوالى، وبالتالي من المستبعد ان يحاول تكرار التجربة عبر شن حرب أخرى على حزب الله.‏

برغم الموافقة المبدئية على هذا التقدير إلا أن هناك حقائق أخرى ينبغي استحضارها ايضا لاكتمال الصورة وهي: برغم أن الهزيمة والفشل هما للكيان الإسرائيلي بكل مؤسساته الا أن هاجس الاكتواء بنار الحرب يحضر بشكل أقوى لدى الطاقم السياسي الحالي أكثر من أي طرف آخر. أما في حال استبدال التركيبة الحكومية فينخفض مستوى تأثير هذا الاعتبار في أي قرار سياسي حربي مفترض، مع بقائه كمعطى أساسي يفرض على أي قيادة أن تأخذه بعين الاعتبار، ولكن لن يشكل، بالضرورة، ذلك الهاجس والقيد الذي يؤديه الآن على المستوى السياسي الحالي الذي يرأسه ايهود اولمرت.‏

ايضا، ينبغي الالتفات الى ان الوجهة العامة للحراك السياسي الاقليمي تسير باتجاه ما يعزز من إمكانية (أقول إمكانية) اندفاع المنطقة نحو حرب جديدة اكثر اتساعا وحسما من التي مضت. وسيكون لهذا الحراك الحضور الافعل في أي قرار سياسي مقبل. وبالتالي تتعزز مرة اخرى فرضية ان يعتبر المستوى السياسي والعسكري أن ذلك قد يشكل فرصة لتغيير الصورة واستبدالها بأخرى للتأسيس لوضع سياسي اقليمي مغاير.‏

وعليه يمكن القول ان أياً من الاعتبارين السابقين، (اندفاع الجيش للثأر واكتواء المستوى السياسي) لا يمكن الاستناد اليه بشكل كلي لوحده والانطلاق منه لاستشراف آفاق المستقبل على هذا الصعيد، برغم الميل لحقيقة أن العقل الجمعي للمؤسسة العسكرية، المنادي بضرورة اعادة الاعتبار للجيش ورسم صورة مغايرة ومنع تداعيات مستقبلية قد تطال في محتواها وابعادها البعد الوجودي للكيان، سيبقى يطمح، في كل المراحل، للتأثير على مواقف رئيس الحكومة في أي قرار سياسي اقليمي.‏

الانتقاد/ العدد1210 ـ 13 نيسان/أبريل 2007‏

2007-04-13