ارشيف من : 2005-2008

قانا بين مجزرتين: ربيع الشهادة يزهر في تموز

قانا بين مجزرتين: ربيع الشهادة يزهر في تموز

ان يكتمل الحلم وتكمل السنوات العشر عقد أعمارهم.. غالهم الحقد مرة جديدة.. فانضموا الى قافلة قانا الشهيدة.‏

قانا.. مرة أخرى هي عنوان الصمود، ترفع من نجيع أهلها راية المقاومة.. تسقط شهيدة ولكنها لا تركع.. هي هكذا من يوم حفر على صخرها للقديسين ذكرى.. ومن يوم امتشقت بندقية الجهاد.. تأبى إلا أن تتقدم معارك العزة والكرامة.‏

في "عناقيد الغضب" كما سمى الصهاينة عدوانهم ضد لبنان في نيسان/ أبريل عام 1996، صنع دم اكثر من مئة من أبناء قانا وصدّيقين وجبال البطم ورشكانينه.. مشهد الشعب الذي ينتصر بالشهادة.‏

وفي الحرب الاميركية الاسرائيلية ضد لبنان في تموز/ يوليو العام 2006، أعاد دم اكثر من أربعين شخصاً من قانا توجيه البوصلة الى وجه العدو الدموي، فتكتب قانا على صفحة التاريخ انها دائماً بالشهادة والثبات رفيقة الانتصار.‏

قانا بين مشهدين: 1996 ـ 2006، كيف بدت لـ"الانتقاد"؟:‏

حي الخريبة أحد أحياء قانا، يقع عند طرفها الشمالي.. هذا الحي الذي تقطنه عائلتا هاشم وشلهوب، والمعروف بعجقة أطفاله في أزقته الضيقة، دخل التاريخ من بوابته الكبرى، ليس بعمارته الفخمة والكبيرة، وإنما بدماء أطفاله الذين حولتهم آلة الحرب الصهيونية الاميركية الى اشلاء خلال الحرب الاخيرة على لبنان، حيث كانت مجزرة قانا الجديدة احدى المجازر التي أضيفت الى سجل العدوان الصهيوني الاميركي.‏

اكثر من 37 طفلاً بين قتيل وجريح جميعهم كانوا تحت الردم، ولم يكن قد مضى ثلاثة أسابيع على العدوان الوحشي على المدنيين في الجنوب.. المقاومة تقاتل العدو وجها لوجه وتوقع الخسائر تلو الأخرى بنخبة قواته، بينما لا هدف أمام طائرات العدو غير المدنيين المختبئين في منازلهم والملاجئ.‏

أشهر مضت على المجزرة ليتحول حي الخريبة الى مزار يومي يعج بالوافدين والصحافيين، خلافا لما كان قبل العدوان، حيث كان يعج بأصوات الأطفال وصراخهم وفرحتهم بهذا الحي الذي كان يجمعهم في أزقته.. ومنذ غفوا بعد منتصف ليل 30 تموز/ يوليو 2006، لم يستيقظوا، برغم كل الضجيج الإعلامي.‏

أحمد هاشم خسر زوجته وثلاثة من أطفاله، لم يبقَ له من العائلة سوى ابنته حوراء، وصور منتشرة في جميع زوايا المنزل المهجور من الفرحة والجوّ العائلي. وهو يمضي وقته بين عمله وضرائح الشهداء.‏

رباب يوسف ما زالت تشعر بـ"برود" جسد طفلتها زينب عندما فارقت الحياة من دون ان تستطيع فعل شيء لها، سوى التأسي بأهل البيت (ع).‏

أم أحمد هاشم تلك المرأة المسنة التي نجت من المجزرة بأعجوبة، فقدت أيضا (11) شخصا من عائلتها، بينهم زوجها واثنان من أبنائها وعدد من أحفادها، اشتاقت الى عجقتهم كل صباح ومساء.. تذهب الى الضرائح علّها تسمع صوتاً ممن كان يناديها (تاتا).‏

سلامة‏

رئيس بلدية قانا د. صلاح سلامة قال: "تستطيع ان تختصر لبنان النموذج النوعي في المنطقة من خلال قانا السيد المسيح (ع)، والمعجزة التي قام بها من خلال عرس قانا الشهير، وهذا ما يمثل اللون الزاهي للحياة لكل أبناء البشر.. ومن خلال استهدافها من قبل العدو الاسرائيلي أصبحت قانا الشهيدة رمزا للحياة المفعمة بالفرح والسعادة، ورمزا لصمود شعب متمسك بحقوقه وأرضه واستقلاله".‏

وأضاف: "اذا أردنا ان نكون منهجيين في تحليل عملية استهداف العدو الصهيوني المتكرر لقانا وارتكاب المجازر فيها، فقد يكون لهذا الاستهداف خلفية تاريخية تتعلق (الرواية التاريخية) بزيارة السيد المسيح (ع) ووالدته السيدة مريم العذراء الى قانا وإقامته فيها".‏

ويقول: "في المرتبة الثانية تمثل قانا النقيض للمجتمع الصهيوني، لأن قانا هي بلد العيش المشترك وبلد التنوع، والعدو الصهيوني يقوم على وحدوية اللون والمذهب والانتماء، وهذا ما يفسر عملية الاستهداف الوحشي لبلدة قانا في كل مرة.. فالعدو الصهيوني باستهدافه قانا فضح الطبيعة الحقيقية التي يتسم بها هذا الكيان، فأصبحت قانا هي رمز كل الأحرار والشرفاء في العالم".‏

حداد‏

شكيب حداد وكيل أوقاف مار يوسف في قانا وأستاذ في ثانوية قانا الرسمية، قال: "شرف لنا كأهل قانا وكلبنانيين ان تكون أول أعجوبة للسيد المسيح قد حصلت في قانا، كما يشرفنا ان تكون قانا في طليعة المدافعين عن الوطن وحدوده، ليس بالكلام فقط، وإنما بالدم، من خلال دماء الشهداء الذين سقطوا على ارض قانا، من أطفال ونساء أبرياء ومقاومين أبطال. إن "اسرائيل" المعروفة بعنصريتها الوحشية تعمل على ضرب العيش المشترك في قانا وفي أي بلد آخر، لتبقى هي المسيطرة. لذلك أبناء قانا الذين جمعتهم معجزة السيد المسيح لن تفرقهم يد الإجرام الصهيوني، لأن رسالة السيد المسيح هي رسالة محبة ووحدة، وهي رسالة إلهية.. أما رسالة الصهاينة فهي صنع أناس تمرسوا على القتل والمجازر.. وبالتالي سوف تبقى رسالة المسيح رسالة قانا الجليل، فقانا كبقية القرى الجنوبية المهملة من قبل الدولة اللبنانية، وأبناء قانا المسيحيون كأبنائها المسلمين، لم يهاجر أحد منهم تحت أي ضغط سياسي، وإنما سعيا وراء الرزق.. لم نغادر قانا في الحرب ولا في السلم.. متمنيا ان يستقر البلد لتصبح قانا مزارا للجميع، في مغارة قانا وعند ضرائح شهدائها".‏

قانا الأولى‏

لا يغيب مشهد الموت الذي زرعه العدو عصر ذلك اليوم في ساحة الطوارئ في قانا.. المستهدفون رجال ونساء وأطفال عزّل هربوا من قذائف العدوان الى ملاجئ الأمم المتحدة، فلحقت بهم عناقيد الحقد الى هناك، فكانت المجزرة التي أودت بحياة أكثر من مئة من أبناء قانا والقرى المجاورة لها.‏

محمد جعفر، أحد الناجين من مجزرة قانا الاولى 1996، والذي كان يعمل مترجما لدى قوات الطوارئ الدولية، عندما نسأله عن قانا يجيب بصمت فترة من الوقت، ظنا أن ذاكرته تستعيد ما أبعدته السنوات، وعندما يجيب: "المشهد يمر أمامي في هذه اللحظات، ولن أنساه أبدا، لأنه يرافقنا منذ تلك اللحظة باستمرار.. والمشهد المميز في كل ما حدث ليس الأشلاء المقطعة، وإنما مشهد (935) شخصا كانوا يعيشون بأمان على مساحة لا تتعدى الأمتار المربعة.. برغم كل أصوات القذائف وتحليق الطائرات ظنوا ان علم الأمم المتحدة يحميهم، أصوات أطفال يلهون ويلعبون.. دردشة نساء.. رجال ينشغلون بالتحاليل السياسة لتضييع الوقت.. رجال "اليونفيل" يقومون بتوزيع المؤن على اللاجئين.. ومن كثرة العجقة تضيع فتقوم بترجمة العربي للبناني والإنكليزي.. وما هي إلا خمس دقائق ونصف الدقيقة حسب تقرير "اليونفيل"، حتى ضُرب الموقع بـ(35) قذيفة مختلفة النوع والحجم، ومنها الانشطاري المحرم دوليا، فيعمّ هدوء الموت، حتى لكأنك انتقلت الى مكان آخر بعيد جدا عن المكان الموجود فيه، لتشاهد الأجساد مقطعة والجثث تحترق ورائحة الموت تنبعث من كل مكان. ولكن برغم كل الذي حصل تحصل المعجزة: (106) شهداء فقط من أصل (935) شخصا".‏

يعد محمد جعفر الدقائق الخمس دهرا بكامله، حيث تحول المكان الى صمت كامل.. حتى هذه الأيام عندما أشاهد المكان تعود بي الذاكرة الى ذلك الرجل الذي كان يتصفح الجريدة متكئاً على أحد الأعمدة واستُشهد بالوضعية ذاتها التي كان عليها، دون ان أجد تحليلا لتلك الصورة عن صور الطفل المقطع. وفي الختام تمنى جعفر على وسائل الإعلام، وخصوصا الغربي، ان يلعب دورا في هذا المجال.‏

وقال: في 1996 حصلت حادثة بعد المجزرة أتوقف دائما عندها لدى مواكبتي فريقا صحافيا أوروبيا، بينهم صحافية لم تتمالك نفسها عن البكاء بصوت مرتفع، يومها قلت لنفسي: اذا كانت تسمع الرواية ولم تشاهد الذي جرى وتبكي هذا البكاء! وعندما تسنت لي الفرصة سألتها عن شعورها، فقالت ان وسائل الاعلام الرسمية في بلادنا حتى هذه اللحظة تكتفي بعرض مزرعة دجاج في فلسطين المحتلة قد نفق فيها عشرات الطيور بسبب عدم إمكانية الوصول إليها، مفضلين مشهد المزرعة على مشهد مجزرة قانا! ويبقى سؤال لم يجد محمد جعفر جواب له حتى الآن: هل ما زال المجتمع الغربي الذي يدّعي الديمقراطية لا يميز بين طائر الدجاج والطفل الممزق بواسطة القذائف الذكية التي ترسلها أميركا الى "اسرائيل" لكي تهديها بدورها الى أطفال قانا في العام 2006 كما في العام 1996.‏

أحمد يوسف‏

ـــــــــــــــــــــــــــ‏

قانا من معجزة المسيح الى إشراقة الشهادة‏

تقع قانا في محافظة الجنوب قضاء صور على ارتفاع 300م عن سطح البحر. تبعد عن بيروت 95 كلم، وعن مركز القضاء 14كلم. الوصول اليها من العاصمة عن طريق صيدا ـ صور ـ قانا. تحدها من الشرق بلدة دير عامص، ومن الشمال قرية عيتيت، وغربا بلدة حناويه، وبلدتا صديقين والرمادية من الجنوب. تبلغ مساحة أراضيها 98،1 هكتار. تضم قانا العديد من الاحياء والحارات، منها الحارة الفوقا وحي السيدة صالحة والبركة والمحافر وحي الجامع وحارة مار يوسف والحافور والوردانر وحارة الخشنة والخريبة وغيرها، ويبلغ عدد سكانها حوالى 30.000 نسمة بين مهاجر ومقيم.‏

آثارها: في منطقة الخشنة توجد مغارة وتماثيل كبيرة منقوشة على الجدران الصخرية، وهذه المنحوتات تمثل السيد المسيح وتلاميذه. وهناك تمثال منفرد لامرأة يطلق البعض عليه اسم "العروسة". أما في الحارة الفوقا فمقام الجليل، حيث عُثِر على أجران ستة، والناس يقدمون النذور والشموع لصاحب المقام. وتؤكد الروايات الدينية والأبحاث التاريخية ان موقع الأجران هو المكان الذي دُعي اليه السيد المسيح  مع القدّيسة مريم وتلامذته لحفل زواج عرس قانا، حيث قام بمعجزته الأولى وحوّل الماء الى "خمر مقدّس". وفي حي صالحة يوجد مقام سيدة جليلة يُظن ان اسمها صالحة، ويظن البعض انها شقيقة النبي الجليل في الحارة الفوقا. يوجد في هذا الحي ايضا معرض للفنان والرسام العالمي ابن الأستاذ موسى طيبا، وهو عبارة عن رسوم ولوحات له، أقام المعرض إسهاما في تعزيز موقع قانا. إضافة الى وجود مواقع مميزة في قانا مثل النصب التذكاري ومتحف شهداء قانا.‏

أصبح لكل حي من أحياء قانا رمزيته الدينية والحضارية وعنوان من عناوين البطولة والتضحية والصمود، اضافة الى ان قانا تحمل العنوان الاساس المميز للبنان: بلد العيش المشترك بين جميع الطوائف، برغم اختلاف الانتماءات السياسية التي تشكل النقيض للمجتمع الصهيوني المبني على العنصرية ووحداوية اللون والمذهب والانتماء.‏

 تاريخها: هي قانا الجليل التي قُرن اسمها منذ القدم بمعجزة السيد المسيح وشهدت عجائب ومعجزات متعددة.. وهي التمييز الروحي بين الأديان، فكان دخولها التاريخ منذ البدايات والعصور القديمة. وفي القرن العشرين كانت الجريمة الكبرى بحق الإنسانية جمعاء في عناقيد الغضب تعبيرا عن وحشية الصهاينة وشرورهم لينتقموا من تاريخ قانا وأبناء قانا.. لكن قانا قامت وتألقت في سماء المجد بشهدائها المظلومين الأبرار الذين أصبح مثواهم ومدافنهم مزارا ومنارا يقصده الأحرار والأبرار، ليس من المناطق اللبنانية فقط، بل من جميع أنحاء العالم.‏

في قانا الأولى والثانية (1996 وبعد عشرة أعوام 2006) وبقية قرى الجنوب، حوّل العدو الصهيوني الأطفال الى أشلاء، مؤكداً للعالم من جديد تمسك هذا الكيان بالكراهية والحقد ومبدأ القتل المستمر، فهل نقبل بأن تصبح هذه هي القاعدة، وأن يسيل الدم مع كل عقد من الزمن او جيل من البراعم؟!‏

الانتقاد/ مقالات ـ العدد1210 ـ 13 نيسان/أبريل 2007‏

2007-04-13