ارشيف من : 2005-2008

نبش بوسطة عين الرمانة، وتحميلها سلاحاً ومسلحين للعبرة أم لحرب جديدة

نبش بوسطة عين الرمانة، وتحميلها سلاحاً ومسلحين للعبرة أم لحرب جديدة

سامي حمدان صاحب البوسطة الهرمة الذي دمرت الطائرات الاسرائيلية بيته بالضاحية الجنوبية في تموز الماضي، ليس هو صاحبها ولا سائقها عندما اندلعت الحرب آنذاك. لذلك، فهو وإن كان يملك حق التصرف بالبوسطة فإنه لا يستطيع أن يبيع تصريحاً مختلقاً لأنه ببساطة ليس شاهداً على حادثة شطرت بيروت الى شرقية وغربية، وأقامت خطوط تماس بين المناطق والاحياء والشوارع، إنما لأنه يرفض أن يشترك مع القتلة في الجريمة نفسها بإخفاء الادلة وقتل الشهود، وتحريف الوقائع.‏

نبش بوسطة عين الرمانة، وتحميلها سلاحاً ومسلحين للعبرة أم لحرب جديدة

صار سامي حمدان ينقل مضمون العرض المجهول إلى الأصدقاء والأقارب وكل من يركب معه في سيارة الأجرة التي بقيت له من عمر طويل أمضاه في تفكيك السيارات والبوسطات، وهو لا يدري لماذا اختار هذا المجهول، هذا العرض، والآن في ذكرى الحرب الأهلية؟ لماذا يسعى الى صياغة رواية جديدة لحادثة يتذكرها اللبنانيون للعبرة فقط؟ ومن هي الجهة التي تلهث وراء لصق مسؤولية الحرب ببندقية المقاومة؟ وهل من ينبش ذرائع الحرب الأهلية لاستنساخها واستخدام مفرداتها في الأزمة الحالية؟‏

لا يزال سامي يحتفظ بالبوسطة منذ ان اشتراها عام 1989 من مصطفى رضا، بعدما أصابتها قذيفة مدفعية عطلت موتيرها وثقبت دواليبها وحطمت زجاجها ومزقت سطحها وجوانبها، وبعد ان دفع ثمنها نصف دولار فقط نقلها من المصيطبة إلى بورة في الأوزاعي ليكسرها ويفككها إلى قطع ويبيعها بالمفرق، لكن تمنيات كل من عرف قصتها بالاحتفاظ بها من أجل العبرة فقط دفعته لترحيلها إلى مرج حاروف في النبطية، ثم إلى خراج بلدة شوكين، قبل ان يقرر هذه السنة نقلها إلى ميدان سباق الخيل في بيروت مقابل خمسة آلاف دولار لتشارك في الذكرى الثانية والثلاثين للاعتداء عليها في عين الرمانة.‏

نبش بوسطة عين الرمانة، وتحميلها سلاحاً ومسلحين للعبرة أم لحرب جديدة

تردد سامي حمدان في تأجير البوسطة لأن الجمعيات التي تداعت للتحذير من الحرب ودعت إلى مهرجان سباق الخيل في ذكرى 13 نيسان، تميل في مواقفها وأنشطتها إلى مجموعة 14 شباط التي تُحرّض على الطائفية والمذهبية والمناطقية، وتنذر بالتيه وبيوم لا ريب فيه، واللجوء إلى حرب أهلية جديدة لأجل مصالح غير وطنية، لكن تطمينات إعلان "أحب الحياة" بِعدم زج اسم البوسطة في السياسة، حسم التردد، دون ان يبدد الحذر من العودة بالبلاد والعباد إلى الوراء.‏

في ذلك اليوم (الأحد)، وبعد رنين جرس كنيسة السيدة العذراء الساعة الثانية عشرة أكملت مجموعة مسلحة غالبية أفرادها من الملثمين انتشارها في مثلث كوع المراية في عين الرمانة بعد مُشادات وقعت بين شباب الحي وفدائيين فلسطينيين كانوا يمرون في الشارع، وبعد دقائق قليلة تجاوزت بوسطة أبو رضا مصطفى تقاطع شارع عبد الكريم الخليل ودخلت إلى عين الرمانة في طريقها إلى مخيم تل الزعتر، وما ان وصلت إلى الكوع حتى فتح الملثمون النار عليها دون سابق انذار مرتكبين جريمة ابادة هزت لبنان والعالم العربي.‏

لم تتمكن الصحافة في ذلك الوقت من تغطية هذا الحدث الدامي، لأن كرة النار حرقت في الأيام الخمسة التالية غالبية أحياء شوارع بيروت، وأضافت إلى عدد قتلى البوسطة المكدسين في براد مستشفى الكرنتينا الحكومي أكثر من ثلاثمئة قتيل، ونحو ألف جريح من بينهم مصطفى رضا علي حسين من بلدة جباع، هو أبو رضا نفسه سائق البوسطة الذي نجا بأعجوبة مع الفدائيين شريف زيان دخلول وعبد الله علي علوش.‏

في اليوم الثالث على جريمة عين الرمانة، استمعت النيابة العسكرية إلى إفادة دخلول وعلوش، اللذان قفزا من شباك البوسطة وأُغمي عليهما بعدما انبطحا تحتها وتبللا بشلال من دماء الضحايا، وقد ظن أحد الملثمين المكلفين بتصفية الجرحى أنهما نزفا دماءهما، ولا حاجة إلى تصويب الرصاصة القاتلة على رأسيهما.‏

رحلة البحث عن الناجين من مجزرة عين الرمانة ليست سهلة أبداً، لأن دخلول وعلوش كانا من سكان تل الزعتر الذي أزيل من الوجود، إلا أن التدقيق في مواقف الأحزاب السياسية والقوى والشخصيات في ذلك الوقت يرسم خريطة تحالفات تختلف عما هي عليه تحالفات اليوم على مستوى الأسماء والمواقع، فقط لأن النقاط الخلافية تبدو هي نفسها، فالنزاع الذي احتدم عام 1975 كان على خلفية العلاقة مع "اسرائيل" وعمل المقاومة، وهوية لبنان العربية، وبناء الدولة القوية العادلة على قاعدة المشاركة والمساواة، ورفض التوطين والتقسيم.‏

نبش بوسطة عين الرمانة، وتحميلها سلاحاً ومسلحين للعبرة أم لحرب جديدة

كان من الصعب العثور على دخلول وعلوش بعد أكثر من ثلاثين سنة على نجاتهما من مجزرة كان الهدف منها تصفية بندقية المقاومة الفلسطينية، بغض النظر عن النتائج، لكن الوصول إلى بيت مصطفى رضا سائق البوسطة لم يكن صعباً، فالرجل لم يغادر المصيطبة مكان اقامته إلا هرباً من القصف العشوائي والرصاص الطائش، وأخيراً إلى جوار ربه، ولكن، بعد 14 سنة على نجاته من الموت قضى نصفها بين المستشفى والبيت في غسيل الكلى ثلاث مرات في الأسبوع، وقد اضطر إلى أن يبيع البوسطة بسعر رمزي والنمرة العمومية بربع ثمنها لتأمين مصاريف العلاج، وشراء الدواء، ويؤكد ابنه رضا الذي يدير مكتباً لتوزيع القنوات الفضائية بالكابل في الطريق الجديدة، ان والده تعرض لمحاولة اغتيال بعد نقله من عين الرمانة إلى مستشفى الكرنتينا، نجا منها بأعجوبة، وكانت هذه المحاولة هي الثالثة في أقل من 48 ساعة، وهي محاولة أراد أصحابها زرع الفتنة بين اللبنانيين والفلسطينيين، وهذه الفئة الضالة هي نفسها التي تريد تجريد المخيمات من سلاحها من أجل مشروع صهيوني دولي يقضي بتوطين الفلسطينيين.‏

يقلب رضا ذكريات المرحوم والده ويقول "كانت الاوامر صارمة، قتل جميع ركاب البوسطة"، والتأكد من موتهم بإطلاق رصاصة الموت الاخيرة على الجثث الجاثمة فوق مقاعدها أو الهاربة في وسط الشارع، كان أبو رضا قد أصيب بالطلقة الاولى من رشاش ملثم ظهر فجأة أمام البوسطة، وتمكن تحت زخات الرصاص من فتح الباب والانبطاح تحت المحرك، وبالرغم من أنه تبلل بالمازوت الذي بدأ يتسرب من خزان الوقود وصار يخشى اشتعال البوسطة فقد أقنع نفسه بأنه واحد من بين الاموات، واستعد لتلقي الرصاصة الاخيرة، لكن رسول الموت أخطأ التصويب قبل أن تدوّي صفارات سيارات الاسعاف، وحتى عندما أدرك المسعفون أنه لا يزال يتنفس كان الجناة يراقبون من مكان قريب ويطلقون النار عليه وهو في طريقه الى المستشفى. يعتقد رضا أن ملاحقة القتلة لوالده وهو في العلاج ترتبط بإفادته للصحافة وللتحقيقات الاولية التي نفى فيها نفياً قاطعاً أن تكون البوسطة محملة بالسلاح والمسلحين.‏

التحقيقات أكدت أن البوسطة كانت تنقل فلسطينيين غير مسلحين، ولم تكن تنقل أسلحة، فلماذا يحاول البعض الآن قلب الحقيقة، وتحميل بندقية المقاومة مسؤولية الحرب الأهلية اللبنانية. ولماذا يحاول البعض كتابة التاريخ اللبناني من كوع المراية في عين الرمانة؟‏

قاسم متيرك‏

الانتقاد/ مقالات ـ العدد1210 ـ 13 نيسان/أبريل 2007‏

2007-04-13