ارشيف من : 2005-2008
المستفيدون من إقفال ملفّات جرائم الحرب ميليشيات وسياسيون
هي من المرّات النادرة في تاريخ البشرية التي تقع فيها حرب ضروس وتستمرّ سنوات وسنوات وينتج عنها سقوط ضحايا وجرحى ودمار وخراب كبير وأضرار مادية فادحة، ولا يحاسَب الفاعلون جزائياً أو يعاقَبوا بالقصاص اللازم حتّى يكونوا عبرة لسواهم، حتّى لو كانوا معروفين بالأسماء والانتماء السياسي والديني، وذلك بسبب التدخّلات السياسية ووضع الحواجز المانعة، والأهم غياب القرار السياسي الجريء، وانعدام النيّة في معرفة الجهة القائمة بهذه الحرب.
هذا ما ينطبق حرفياً على الحرب الأهلية التي اندلعت شراراتها في لبنان في 13 نيسان/ أبريل من العام 1975 إثر مهاجمة عناصر مدجّجة بالسلاح من أحزاب "اليمين الطائفي" المستأثرة بالسلطة، بوسطة تقلّ فلسطينيين في محلّة عين الرمّانة.
وعلى الرغم من أنّ أزيز الرصاص ودوّي القذائف انتشرا في كلّ مكان وكيفما اتفق وبلا هوادة، وشملا المقاتل المسلّح والمواطن العادي في آن معاً ومن دون رحمة، وتحرك القضاء العسكري اللبناني يوم ذاك لاتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة، من تحقيق وسماع إفادات مواطنين ومعتدين ومسلّحين من حزبي "الكتائب" و"الأحرار"، باعتبار أنّهما الفاعلان الأساسيان، لكنْ لم يقدّر للقضاء الوصول إلى الخاتمة السعيدة بتوجيه الاتهام القضائي الفعلي للمتورّطين بسبب المداخلات والضغوط التي قام بها بشير الجميل وكميل شمعون على التوالي للإفراج عن المسلّحين الموقوفين وإقفال الملفّ برمّته. 
ويخبر قاضي التحقيق العسكري آنذاك القاضي محمد علي صادق الذي وضع يده على ملفّ هذه الجريمة الموصوفة والإرهابية والمخطّط لها بإتقان، أنّ بشير الجميل جاء إلى مكتبه في المحكمة العسكرية الكائنة في محلّة المتحف والواقعة تحت سيطرة ميليشيات "الكتائب"، طالباً منه الإفراج فوراً عن الموقوفين "الكتائبيين"، فأبلغه أنّه لن يفعل قبل الانتهاء من استجوابهم والتحقيق معهم، فإذا كانت لهم علاقة ما فإنّه سيبقيهم قيد التوقيف، أما إذا كانوا غير مشاركين فإنه سيعمل على تخلية سبيلهم، وهذا ما حصل، "لأنّهم غير مشتركين في هذا الجرم"!
إذن من هو الفاعل؟ تسأل صادق فيجيب: إنّهم عناصر من حزب "الأحرار" وأشخاص آخرون.. ويروي أنّه أبلغ الرئيس كميل شمعون ـ وكان وزيراً للداخلية ـ بذلك عندما سأله الأخير عن سبب تخلية سبيل "الكتائبيين"، وكأن شمعون كان يشكّك في انتفاء دور "الكتائبيين".
وعلى غرار الدعاوى والجرائم الكبيرة والخطيرة التي تمسّ أمن الدولة، قرّر مجلس الوزراء إحالة جريمة "بوسطة عين الرمّانة" على المجلس العدلي، وهو أعلى هيئة قضائية في لبنان، للنظر فيها، إما لتسلك الطرق القضائية وإما للقفز عنها ونسيانها، والشواهد في هذا المجال كثيرة وعديدة.
وبدلاً من الشروع في إجراءات المحاكمة، جرى إقفال الملفّ وإحالته الى مستودع النسيان لينام نهائياً وكأنّه لم يكن! وهذا يدلّ على قمّة الاستهتار بالإنسان في لبنان، ليظلّ الفاعل مجهولاً، وإنْ كان في حقيقة الأمر معروفاً، ولكنّه مدعوم سياسياً ولا يراد محاكمته، وذلك بتواطؤ غير مباشر على مكافأته على إنجازه بتخريب البلد وإدخاله في أتون حرب دموية لم تبقِِ ولم تذر.
وإذا كان التحقيق قد حُيّد عن هذه الجريمة الكبرى، فما بالنا بالجرائم الأخرى التي تفرّعت عنها، مثل الخطف على الهوية والذبح والقتل العشوائي والمجاني، والأعمال الانتقامية والثأرية، التي لاقت بأغلبيتها الساحقة المصير نفسه، فلم يعرف مرتكبوها الحقيقيون ولا المساهمون ولا المشاركون ولا المخطّطون ولا المتدخّلون، وإن كانت ثمّة إشارات ودلائل على أناس معيّنين، ولكنْ جرى إغفالهم والتغاضي عنهم، ومن أوقف بعض الوقت سرعان ما حصلت وساطات تُوجّت بالإفراج عنه، إلى أن صدر قانون العفو العام في العام 1991، واضعاً حدّاً للملاحقة في الملفّات والجرائم ذات الطابع السياسي وتلك العادية، ما عدا المحالة على المجلس العدلي، أملاً في تخطّي محنة الحرب والانفتاح على مشروع السلم الأهلي.
وهكذا خلت رفوف المحاكم اللبنانية من ملفّات ممهورة بطابع الحرب، ولم يقدّر إلاّ لمحكمة جنايات القتل التي أُنشئت في قصر عدل بيروت فقط، النظر في ملفّات قتل عادية، وإن كان بعض أسبابها ناجماً عن الحرب، وصدرت أحكام متفاوتة فيها لم تكن على قدر الجرم عينه. مع الإشارة إلى أنّ قانون العفو المشار اليه، طلب تخفيض العقوبات في الجرائم العادية من سرقة وسلب وقتل وشيكات بلا رصيد، وهي في نهاية المطاف سلطة تقديرية للقضاة أنفسهم أكثر مما تحتاج إلى قانون خاص أو تشريع معيّن.
وخلاصة القول، إنّ مجرمي الحرب كانوا أكبر المستفيدين من إقفال ملفّات جرائم الحرب التي ارتكبوها بأيديهم، بينما عُلّقت لبعضهم أوسمة الانتصار بأنْ صاروا نوّاباً ووزراء على حساب دماء المواطنين الأبرياء.
علي الموسوي
الانتقاد/ العدد1210 ـ 13 نيسان/أبريل 2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018