ارشيف من : 2005-2008
البحارة البريطانيون: فضائح على فضائح
مزدوجاً وأكثر. حيثيات ذلك تمثلت بالحشد السريع والمتحيز سلفاً ضد إيران.. فوزراء خارجية بلدان الاتحاد الأوروبي السبعة والعشرون اجتمعوا في بريمن بألمانيا للمطالبة بالإفراج عن البحارة البريطانيين فوراً، وباتخاذ إجراءات دولية مناسبة ضد إيران، بعد أن اعتبروا أن أسرهم يشكل خرقاً للقانون الدولي.
مواقف مشابهة صدرت عن المفوض الأوروبي لشؤون الخارجية والأمن خافيير سولانا، وعن المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل، وعن الأمين العام للحلف الأطلسي فون شيفر هوب، وكل ذلك أظهر عدم المصداقية في معالجة المشكلات الدولية بقدر ما جاءت هذه المواقف سابقة لأي تحقيق موضوعي حول ملابسات الحادث. ولم يأتِ موقف مجلس الأمن مختلفاً عندما استجاب لطلب لندن وأصدر بياناً طالب فيه بالإفراج عن البحارة البريطانيين. علماً بأن القضية هي ذات طابع ثنائي محض ولا تدخل في صلاحيات المجلس، على ما صرح به مسؤولون إيرانيون. وجاء الموقف الروسي المعارض بمثابة إدانة للبيان الذي أصدره المجلس من دون إجراء تحقيقات مستقلة حول الظروف التي اعتُقل فيها البحارة.
والأكيد أن عدم المصداقية كان أكثر بروزاً في عدم إجابة مجلس الأمن عن رسالة إيرانية طالبته بالاحتجاج على احتجاز دبلوماسيين إيرانيين في العراق من قبل القوات الأميركية، وتبرير هذا الموقف بحجة أسوأ من الذنب، مفادها أن مجلس الأمن يرفض القيام بأعمال محددة في حالات اختطاف الدبلوماسيين، بعد أن ورط نفسه ـ تحت ضغط القوى العظمى ـ في قضايا لا علاقة لها بصلاحياته!
بريطانيا المعنية الأولى بالمشكلة، أصرت على أن عملية الاعتقال قد جرت في المياه العراقية، وأن قوات البحرية البريطانية كانت تقوم بعمل روتيني بتكليف من الأمم المتحدة. وإذا كان من غير الكافي بالنسبة الى المراقب المحايد، أن يواجه الحجة البريطانية بالحجة الإيرانية القائمة على تأكيد اعتقال البحارة البريطانيين داخل المياه الإقليمية الإيرانية، أو بشهادة البحارة البريطانيين الذين اعترفوا في إيران بأنهم اعتقلوا داخل تلك المياه، فيما كانوا يقومون بمهمة استخبارية، فقد شهد على بريطانيا شاهد من أهلها، في شخص النقيب كريس إير، الذي أدلى قبل أسبوع من اعتقاله من قبل الإيرانيين، بتصريح لـ"سكاي نيوز"، أكد فيه أن المهمة تهدف إلى جمع معلومات استخبارية عن الأنشطة الإيرانية في الخليج.
والظاهر أن بعض استطلاعات الرأي التي خرجت بنتائج مشكوك في صحتها، بأن أكثر من نصف البريطانيين يؤيدون القيام بعمل عسكري لإنقاذ البحارة، لم تكن غير محاولة إعلامية مكشوفة للتغطية على الحرج الذي شكله بالنسبة الى الحكومة البريطانية تصريح النقيب كريس إير.
مظهر آخر من مظاهر الحرج تمثل ـ في وقت كان فيه طوني بلير يعلن في عز احتدام الأزمة، عن رغبة بريطانيا في زيادة عزلة طهران ـ بخذلانها من قبل حليفها الأميركي الذي حاول الاصطياد في المياه العكرة، عبر الدفع نحو التصعيد العسكري بين إيران وبريطانيا، وعدم إبداء الاستعداد لمد يد المساعدة إلى هذه الأخيرة من خلال تصريحات من نوع تلك التي صدرت عن وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس، الذي أكد عدم نيّة واشنطن قبول أي اقتراح بمبادلة البحارة البريطانيين بالدبلوماسيين الإيرانيين الذين يحتجزهم الجيش الأميركي في العراق.
ولا شك في أن الإحباط البريطاني إزاء الموقف الأميركي قد بلغ مداه عندما همدت حدة العربدة العسكرية الأميركية المحتدمة ضد إيران منذ أشهر، لتحل محلها وفي عز احتدام أزمة البحارة، تصريحات أميركية عن عدم وجود أسباب للمواجهة مع إيران "في الوقت الحالي".
وبين مهلة الـ(48) ساعة التي لم "يحترمها" الإيرانيون وفشل توقعات بلير التي أكد فيها أن الأزمة ستطول، وتصريحه اللاحق حول إطلاق سراح البحارة الذي جاء أسرع من اللزوم، وإعلان البحرية البريطانية عن وقف عملياتها في منطقة شمال الخليج، ساد الإحساس عند البريطانيين بتناقضات موقف حكومتهم الرسمي، وخصوصاً بعد تصريحات بلير بأن الإفراج عن البحارة قد جرى دون مفاوضات أو صفقة. كما أن عملية اعتقال البحارة قد أضافت عنصراً جديداً إلى زعزعة ثقة البريطانيين بجيشهم، بعد كل الإخفاقات التي مُني بها في الحرب على العراق. وقد دفعت تلك العملية بأحد القادة العسكريين السابقين إلى القول إنه من غير الممكن تمرير اعتقال البحارة كواحدة من المحطات المجيدة في تاريخ البحرية البريطانية. وحتى لو صح أن اعتقالهم من قبل الإيرانيين قد حصل داخل المياه الإقليمية العراقية، فإن ذلك يقدم دليلاً صارخاً على قلّة كفاءتهم قياسا إلى كفاءة البحرية الإيرانية. وكل ذلك يضاف إلى المأزق الذي شكلته بالنسبة إلى الحكومة البريطانية قوة الموقف الإيراني في الرد على الإساءة بالحسنة من خلال المعاملة اللائقة التي حظي بها البحارة، ثم من خلال إطلاقهم غير المتوقع في بادرة لها سوابقها الناصعة في تاريخ العلاقات الصراعية بين العالم الإسلامي والغرب.
وبدلاً من أن تفعل هذه البادرة الكريمة فعلها الحسن في دفع البريطانيين إلى تمثل الدرس، جعلت المسؤولين يفضلون خيار اللؤم من خلال الحملة الإعلامية الواسعة التي نُظمت انطلاقاً من تصريحات بعض البحارة حول المعاملة السيئة التي زعموا أنهم قوبلوا بها من قبل إيران.
تصريحات جاءت بعدما شاهدهم العالم وهم يتناولون الطعام ويضحكون ويرتدون ثياباً نظيفة ولائقة ويلعبون الـ"بينغ بونغ" والشطرنج ويشاهدون التلفاز في ظروف مريحة تماماً، لم يتردد طوني بلير نفسه عن الإعراب إزاءها بالاشمئزاز، باعتبارها ضرباً من التلاعب بالعواطف و"العنف النفسي"!
لكن هذا المنحى لم يلبث أن انكشف عن فضيحة حقيقية توجت الحدث برمته، عندما لجأت وزارة الدفاع البريطانية ـ بقصد صرف الانتباه عن المأزق البريطاني ـ إلى إحاطة المسألة بأجواء ميلودرامية شبيهة بأجواء المسلسلات التلفزيونية الشعبية، عبر السماح للبحارة المفرج عنهم وخلافاً للقوانين التي يعتمدها الجيش البريطاني، ببيع قصص اعتقالهم إلى وسائل الإعلام. ولا يخفى أن مبلغ الـ(493) ألف دولار الذي يُنتظر أن يحصل عليه البحارة لقاء قصصهم، جدير بأن يلهب الشهية، وأن يحرك المخيلة القصصية في الاتجاه الذي يرجوه أصحاب القرار.
غير أن ثمن هذا النوع من "العنف النفسي" الذي يمارسه المسؤولون البريطانيون بحق البحارة وبحق الجيش والشارع البريطاني، قد يكون فادحاً جداً في ظل عزم المعارضة على طرح المسألة أمام مجلس العموم، وفي ظل تحول الجيش البريطاني في نظر البريطانيين، إلى بائع للقصص "البطولية"، في وقت يقتل فيه الجنود البريطانيون يومياً في العراق، على ما تقوله نانسي كامبل، زعيمة الحزب الليبرالي الديمقراطي.
عقيل الشيخ حسين
الانتقاد/ مقالات ـ العدد1210 ـ 13 نيسان/أبريل 2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018