ارشيف من : 2005-2008
مسلمو فرنسا : بين المطرقة الأمنية الفرنسية وصراعات دول المنشأ
يقدر عدد المسلمين في فرنسا بنحو خمسة ملايين مسلم، بينما تعتبر إحصاءات غير رسمية العدد أكثر من سبعة ملايين، يشكل الجزائريون النسبة الأكبر منهم. بينما يحل الأفارقة السود في المرتبة الثانية، ويحل المغاربة في المرتبة الثالثة من حيث عدد المهاجرين.
وفي حين يظن الكثير من الناس ان نسبة العرب مرتفعة في الأوساط المهاجرة، فإن الحقيقة هي عكس ذلك تماما، اذ يشكل البربر النسبة الأكبر، خصوصا الجزائريين منهم، وذلك يرجع الى العلاقات المميزة التي بنتها فرنسا معهم منذ حقبة الاحتلال وحتى يومنا هذا، حيث ساهمت في ظهور النزعة القومية عند البربر في منطقة القبائل، وهي لا تزال حتى الآن تدعم هذه النزعة وتحتضن رموزها سياسيا وإعلاميا.
شكل المهاجرون عموما والمسلمون على وجه الخصوص ناخبا مهما للأحزاب اليسارية في فرنسا، وهم لا يزالون في معظمهم يدلون بأصواتهم لمرشحي هذه الأحزاب. ويرجع ذلك إلى سياسة التسامح التي ينتهجها اليسار مع الجاليات المهاجرة على الصعيد الداخلي الفرنسي، فضلا عن تركيز هذا اليسار على الشأن الاجتماعي في برامجه الانتخابية، ما جعل أصحاب الدخل المحدود وأكثرهم من المهاجرين يدعمون مرشحي اليسار تقليديا.
بيد أن ظهور جمعيات ونوادٍ تعنى بالشأن العام في أوساط المهاجرين من الجيل الثاني، وتصاعد الاهتمام بالسياسة لدى المسلمين في الشرق الأوسط ومن بعد عبر العالم، زاد من اهتمام الأحزاب الفرنسية في كسب ود المسلمين، في محاولة للسيطرة على قرارهم عبر السيطرة على هذه الجمعيات والنوادي، وبالتالي الحصول على أصواتهم وتجييرها للوصول إلى مواقع السلطة.. مع حرص الكتل السياسية بمختلف أطيافها على عدم السماح بحصول المسلمين على مواقع نفوذ سياسية حقيقية في مؤسسات الدولة. وأكبر دليل على سياسة التهميش هذه عدم وصول اي مرشح مسلم الى الجمعية الوطنية، أي البرلمان، حتى الآن.
وفي العام 2003 شكل وصول نيكولا ساركوزي الى وزارة الداخلية مرحلة مفصلية في طريقة تعاطي السلطات الفرنسية مع مسلمي فرنسا، حيث تنبه المرشح الرئاسي الحالي حينها لخطورة تصويت إسلامي مسيّس، خصوصا بعد أزمة الحجاب الشهيرة حينها وما رافقها من سن قوانين صبت ضد مصلحة المسلمين في هذه المسألة، ساهم حلفاء ساركوزي في إقرارها كما ساهموا في الخفاء بتضحيم قضية الفتاتين المحجبتين، في اطار الصراع المعروف بين ساركوزي والرئيس شيراك.
لقد بادر ساركوزي الى انشاء المجلس التمثيلي لمسلمي فرنسا، على غرار المجالس التمثيلية للديانتين المسيحية واليهودية، مع فارق واحد لكنه مفصلي، إذ خص العلاقة بين المجلس الاسلامي والسلطات الفرنسية في وزارة الداخلية، أي تحت إشراف الأجهزة الأمنية، على خلاف المجالس الدينية الأخرى الخاضعة لإشراف وزارة الثقافة، وهذا ما يمكن اعتباره توظيفا للملف الإسلامي أمنيا واستعماله فزاعة في وجه الفرنسيين كلما اقتضت المصالح الانتخابية والسياسية ذلك. أضف إلى ذلك دعم النزعات القطرية داخل المكونات الأساس لهذا المجلس واستخدام نفوذ بلدان المنشأ على أعضاء الجالية لتسهيل تطويعها، ومن ثم الحصول على أصواتها. وقد حرص في هذا المجال على استغلال الخلاف الجزائري المغربي والتعارض السلفي الصوفي الإخواني في تركيب هذا المجلس، ومن ثم في العمل على تفجيره عند الحاجة.
يتشكل المجلس التمثيلي لمسلمي فرنسا من ثلاث قوى رئيسة هي: اتحاد المنظمات الإسلامية ومعهد مسجد باريس الكبير والفيدرالية العامة لمسلمي فرنسا.. وتتوزع دينيا وسياسيا على الشكل التالي:
ـ اتحاد المنظمات الإسلامية: ترتبط عبر بعض قياداتها بالتنظيم العالمي للإخوان المسلمين، فيما تتألف القاعدة من خليط من الجمعيات الإخوانية والصوفية، إضافة إلى جمعيات ومساجد سلفية ذات تمويل سعودي ورافد بشري وديني باكستاني. وتتسم علاقة الاتحاد مع وزارة الداخلية بالفتور والتوتر، وتظهره وسائل الإعلام بمظهر التطرف، برغم اعتدال الكثير من قياداته وقبولهم بالتنحي عن رئاسة المجلس لمصلحة معهد مسجد باريس، برغم فوزهم في الانتخابات.
ـ معهد مسجد باريس الكبير: خليط من الجمعيات الصوفية والتقليدية يغلب عليه الطابع الجزائري، يرتبط معظم النافذين فيه بالدولة الجزائرية، ويُعيَّن عميد مسجد باريس بالتوافق بين فرنسا والجزائر. يعتمد المعهد سياسة وسطية فيها رفض كبير للتيار السلفي، ولوحظ في احتفاله الأخير بالمولد النبوي الشريف توجيهه الدعوة لثلاثة سفراء دول اسلامية فقط هي: الجزائر وقطر وإيران.
ـ الفيدرالية العامة لمسلمي فرنسا: ترتبط مباشرة بالعرش المغربي، ذات توجهات صوفية، ولها امتدادات مع ليبيا عبر المجلس العلمي للدعوة.
لقد شكل المسلمون مادة تجاذب سياسي وإعلامي كبير في العقود الثلاثة الأخيرة، دفعوا ثمنها من حريتهم الدينية والشخصية، وهم لا يزالون يشكلون مادة دسمة يستغلها أصحاب النفوذ من اللوبيات السياسية والإعلامية المتنفذة كلما اقتضت المصلحة ذلك. وقد ساهمت مجموعات الضغط الإسرائيلية في تشويه صورة المسلمين وإظهار الإسلام بصفته التهديد الكبير الآتي للقضاء على الحضارة الغربية وثقافتها. كما ساهمت الحملات الاعلامية المستمرة حول الحجاب وانخراط بعض الجمعيات والشخصيات المحسوبة على اليسار واليمين، في ترسيخ هذه الفكرة في عقول الكثير من الفرنسيين، خصوصا مع الضعف المزمن الذي تعانيه دول العالم الاسلامي، وعدم قدرتها على ممارسة أي ضغوط على فرنسا تضطرها لكبح جماح اللوبي الاعلامي المسيطر عليه من قبل حلفاء "اسرائيل"، وبالتالي دعم موقف الجالية المسلمة في هذا المجال.
فهل ستتخلى فرنسا عن تعاملها مع مسلميها من زاوية أمنية؟
سؤال تبدو الإجابة عنه سلبية، حتى أيامنا هذه على أقل تقدير.
الانتقاد/ العدد1210 ـ 13 نيسان/أبريل 2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018