ارشيف من : 2005-2008
في الذكرى الرابعة لسقوط بغداد.. العراقيون يتوحدون ضد الاحتلال
في بيان صحافي صدر يوم الثلاثاء العاشر من شهر نيسان/ أبريل الجاري عن فيلق القوات متعددة الجنسيات في العراق (مكتب الشؤون العامة ـ كامب فيكتوري) برقم (20070410-06)، قال ضابط العلاقات العامة في الفرقة متعددة الجنسيات في بغداد المقدم سكوت بلايشويل ان ما يقرب من خمسة عشر ألف شخص قد شاركوا في المظاهرة السلمية التي نُظمت من قبل التنظيم السياسي لمقتدى الصدر في النجف بتاريخ 9 نيسان/ أبريل.
وكل من شاهد حشود المتظاهرين في محافظة النجف الأشرف صباح يوم الاثنين الماضي مؤكد أنه رأى في رقم الخمسة عشر ألفاً الذي أورده البيان الصحافي الاميركي، رقما بعيدا الى حد كبير عن الرقم الحقيقي والواقعي للمتظاهرين الذين تقاطروا على النجف (160 كم جنوب بغداد) من محافظات مختلفة.
وربما تعمد المعنيون بشؤون الاعلام والدعاية وخبراء الحرب النفسية في القوات المتعددة الجنسيات، ان يطرحوا رقما اقل من الرقم الحقيقي، او الرقم التخميني القريب الى حد كبير للواقع، لأسباب عديدة من بينها التقليل من أهمية تلك التظاهرة التي دعا اليها الزعيم الشاب مقتدى الصدر في ذكرى سقوط نظام صدام، للمطالبة بانسحاب القوات الأجنبية من العراق، والتي ـ أي التظاهرة ـ بدت بكل وضوح انها موجهة ضد الولايات المتحدة الاميركية.
وإذا كان المتظاهرون الذين جاؤوا من محافظات الوسط والجنوب والفرات الاوسط قد طالبوا بانسحاب فوري وسريع للقوات الاميركية وعموم القوات الاجنبية من العراق، فإن القائمين عليها حرصوا على اعطائها بعدا وطنيا يتجاوز الاطر الطائفية او المذهبية او الحزبية او المناطقية الضيقة.. وكانت أبرز مشاهدها المشاركة السنية الشيعية، إضافة إلى الأعداد الكبيرة جدا للعلم العراقي بألوانه الحمراء والبيضاء والخضراء والسوداء المرفوعة في التظاهرة.
وكان بيان السيد مقتدى الصدر الذي وزعه مكتب الشهيد الصدر في النجف الاشرف بكميات كبيرة، قد تضمن اشارات مباشرة لأولوية اخراج القوات الاجنبية من البلاد. فقد دعا قوات الجيش والشرطة العراقيين الى وقف التعاون مع الولايات المتحدة الاميركية، قائلا بالنص: "الله يأمرك بأن تكون صبوراً في مواجهة عدوك، ثم عليك أن توحد جهودك ضد هذا العدو، وليس ضد أبناء الشعب العراقي"، في اشارة الى وجوب تجنب المواجهات والصراعات الداخلية ذات الطابع المذهبي او الطائفي.
وفي الوقت الذي رأت فيه بعض الاوساط السياسية والاعلامية الغربية ان تظاهرة النجف في الذكرى الرابعة للإطاحة بنظام صدام على يد الولايات المتحدة الاميركية، أكدت ان ما تردد مؤخرا عن تفكك وانهيار التيار الصدري لا صحة له، فإن أوساطا وشخصيات سياسية عراقية رأت ان مطالب المتظاهرين يوم الاثنين الماضي في محافظة النجف هي في واقع الامر مطالب معظم ـ ان لم يكن كل ـ العراقيين، وإن اختلف هذا الطرف عن ذلك في بعض التفاصيل والجزئيات.
وقد تكون صحيفة "الغارديان" البريطانية هي الاكثر صراحة عندما اعتبرت ان خروج مئات الآلاف في التظاهرات التي طالبت بخروج القوات الأميركية والأجنبية من العراق، أول دليل ملموس على فشل الخطة الأمنية للرئيس جورج بوش. بينما رأت صحيفة "ديلي تلغراف" ان تلك التظاهرات بمثابة الإيذان ببدء مرحلة جديدة من الحياة السياسية في العراق، تتمحور في حضور قوي ومؤثر لتيار الصدر، ولكن عبر وسائل وآليات ذات طابع سلمي بعيدا عن الصدام المسلح والمباشر. لكن صحيفة "الغارديان" حذرت المسؤولين الأميركان والبريطانيين من اعتبار عدم ظهور مقتدى في التظاهرات على أنه نجاح لمخططهم، مشيرة الى أن التظاهرات التي شهدها العراق أكبر دليل على مدى الشعبية التي يتمتع بها هذا الرجل في الشارع العراقي، منوّهة بوقوف عدد من رجال الدين السنة على رأس التظاهرات إلى جانب رجال الدين والسياسيين المؤيدين لمقتدى الصدر.
وإذا كانت الدعوات الشعبية في العراق الى انسحاب القوات الاميركية والاجنبية من العراق قد تصاعدت تزامنا مع الذكرى السنوية الرابعة لاحتلال بغداد، فهذا يعني ان هناك سخطا واستياءً واسعين في الشارع العراقي، وإحباطا من سياسات الاحتلال التي عقدت وأزمت الكثير من الامور، فضلا عن مطالب أوساط ومحافل سياسية عراقية، تختلف في جوهرها عن المطالبات المستمرة من قبل جهات شعبية ورسمية في الولايات المتحدة وبريطانيا ودول أخرى في العالمين الغربي والاسلامي للانسحاب من العراق.
والشيء المهم ان دعوات الانسحاب اقترنت مع دعوات الى الوحدة الوطنية ونبذ الطائفية والكف عن عمليات الدهم والاعتقالات التي تقوم بها القوات متعددة الجنسيات.
وبما ان تظاهرة الاثنين في النجف جاءت بعد اضطرابات في اكثر من محافظة عراقية في الجنوب، أبرزها في الديوانية بين أنصار الصدر من جهة والقوات العراقية وقوات الاحتلال من جهة أخرى، فإنها أشارت الى ان التيار الصدري "جيش المهدي" لم يغير استراتيجياته، وإن كان قد غيّر جزءا من تكتيكاته بفعل الضربات التي تلقاها في عدد من معاقله الرئيسية، لا سيما مدينة الصدر ذات الاغلبية الشيعية في العاصمة بغداد. لذلك فإنه اختار ان يركز على العمل السياسي السلمي ويصرف النظر نوعا ما عن العمل العسكري المسلح، وهذا يعني بقاءه رقما مهما وصعبا في المعادلات السياسية.. وتبقى تظاهرات النجف الحاشدة هي الاكثر استحقاقا للدراسة والبحث من قبل الساسة الأميركان في واشنطن والقريبين من الميادين الساخنة في العراق، لمعرفة ما الذي ينبغي عليهم ان يفعلوه تحديدا ليتجنبوا مزيدا من الفشل والإخفاقات.
الانتقاد/ العدد1210 ـ 13 نيسان/أبريل 2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018