ارشيف من : 2005-2008
"المعرفة في نظر القرآن "للسيد محمد البهشتي"
يجب أن تعلموه من وجهة نظر القرآن؟"، هذه حرفية قول العلاّمة الراحل الشهيد آية الله الدكتور السيد محمد الحسيني البهشتي في كتابه الصادر عن (دار الهادي ـ بيروت) بعنوان: "المعرفة في نظر القرآن" (ترجمة علي الهاشمي)، وهذا الكتاب يتضمن ثلاثة عشر بحثاً شفوياً اتسمّت بأسلوب جذّاب وممتع وأثر تربوي خلاّق، تدور تفاصيلها حول ما يتعلق بالتساؤل المطروح أعلاه (المرتكز الأساسي لمحورية هذا الكتاب)، ألقاها العلامة بهشتي على من جالسوه في ثلاث عشرة محاورة دارت بينه وبينهم، وهذه البحوث هي عبارة عن إجابات له سلسة وواضحة عن أسئلتهم الكثيرة التي وجههوها إليه، في مناقشة موضوع المعرفة، للاستفسار منه عن حقيقة المعرفة من وجهة النظر القرآنية البحتة.
إن حقيقة المعرفة من وجهة النظر القرآنية، يجسدها فحوى هذا الكتاب في طرح "مباحث المعرفة بالمستوى الضروري" فقط، أي بالمستوى العملاني المطلوب بمعزل عن كل التعقيدات الفلسفية التنظيرية المتعلقة بشأننا المعرفي الذي هو بحدّ ذاته، وقبل وأثناء وبعد كل شيء، قيمة جوهرية عُليا، "وميدان" سلوك حياتي "إبداعي"، مثمر ومُجدّ بإطلاق.
وهذا ما أوجب على الباحث هنا، تحديد وتبنّي المصطلحات المعرفية الواضحة والمفهومة، وإشباع معاني مدلولاتها وأثرها البيّن، درساً وشرحاً وتحليلاً وتقويماً في شكل تفصيلي ومعمّق من خلال رؤية شاملة ومركّزة.
ينبّه العلامة بهشتي إلى وجوب عدم المبالغة في دور المعرفة في حياتنا، منتقداً بذلك كل النظريات الاجتماعية التي عرّفت المعرفة بأنها عامل تحريك للإنسان، الأمر الذي يرفضه، ويقول إن المعرفة بحد ذاتها ليست محفزاً للإنسان على الكدح والعمل، بل إن المحفّز الوحيد في ذلك هو ميول الإنسان ورغباته التي تشعره بحاجته إلى المعرفة وليس العكس. وذلك يكمن في "أن دور المعرفة يتمثل في كونها تُرينا كيف وبأية طريقة نؤمّن رغباتنا ونقوم بإرضائها". وفي هذا الإطار يحدّد بهشتي ثلاثة أنواع أساسية من معلومات ومعارف الإنسان يراها أكثر صوابية وفائدة مما عداها في تأثيراتها وتعلقاتها بالكائن البشري، وهي:
1 ـ الأمور التي ليس لها أي ارتباط مباشر أو غير مباشر بسلوك الإنسان.
2 ـ الأمور التي لها ارتباط مباشر بسلوك الإنسان.
3 ـ الأمور التي لا تؤثر في سلوك الإنسان بنحو غير مباشر.
لذا يرى أن المعارف التي هي من النوع الثاني لها أثر كبير في حركة الإنسان، وهذا ما يجعلنا ننظر إلى المعرفة بمعناها الواسع بما نعبّر عنه بـ(أعلم) و(أفهم)، وعليه فإن دور المعرفة ينحصر بثلاثة تأثيرات في تحريك الإنسان وعمله، وتترك أثراً في تحسين حياته.
1 ـ تشخيص المصداق (الذي يحقق الرغبة ويُشبع الميول الإنسانية في تعلم شيء ما أو اكتسابه)، بعد تعيينه والسعي للتعرف اليه جيداً.
2 ـ بيان أفضل الأساليب والطرق للاستفادة من المصداق المعلوم.
3 ـ تنمية الميول الكامنة في داخل الإنسان.
أي أنه من الضروري تحقق العلم المؤثّر في العمل، العلم الذي يرتبط بحاجات الإنسان الطبيعية، بشرط أن نوظف علمنا ومعرفتنا ووعينا في خدمة تحقيق أهداف الحق والخير، أي أن ندرك جيداً أن الحياة تقع في منطقة النور، لا الظلمة (أي نور وظلمات الحياة، لا العلم). ويؤكد بهشتي أنه لا تتمّ الاستفادة من المعرفة إلا بتوجيهها نحو الرغبات السامية والقيم الإنسانية الرفيعة، التي أكد عليها القرآن الكريم، وهذا يحتّم علينا أن نضع على رأس أولوياتنا المعرفية عشقنا للحق والخير والعدل والكمال، قبل كل شيء، فلنسع ليكون هذا العشق في داخلنا ساخناً ومحركاً وذا تأثير فعّال، فحينما يكون ثمة عشق، نُصلح به أنفسنا قبل إصلاح معارفنا، يأتي العلم ليكون في خدمته، وبما أن "ارتباطنا بالواقع العيني يتمّ بواسطة المعرفة" يؤكد بهشتي أن ما يهمنا من المعرفة من وجهة النظر القرآنية التي تحثّ على العلم وتقول بضرورة امتلاك العلم والمعرفة والإدراك خاصيّة الكشف عن الواقع، وذلك بخلاف اعتقاد أصحاب مذهب الشك الذين ينكرون هذه الخاصية، وهنا يقول ان كل معرفة سطحية كانت أو عميقة لها قيمة ولها تأثير في الحياة في الحالتين، كل واحدة في حدودها الخاصة، لكن المعرفة السطحية هي عامل انخداع، وتؤدي إلى خراب الأعمال وهدر القوى والطاقات، إذا ما منحناها قيمة زائدة عن قيمتها الحقيقية، ومبعث الضرر في ذلك هو "الظنّ" أي قياس شيء مجهول على شيءٍ معلوم دون أن تقوم المقايسة على أساس، فالمضر هو الظن في مقابل العلم الذي هو بحد ذاته نافع، لكن إسباغ قيمته على الظن خطر لأن "الظن لا يغني من الحق شيئاً" وهذه هي القاعدة الطبيعية الفطرية والواضحة جداً، فلا يجوز التفريط بها وتضييعها مطلقاً.
ويؤكد بهشتي في هذا المجال أن المعرفة الكاملة ممكنة الوجود لكن ذلك ليس بالنسبة لنا نحن كبشر، فلا يجوز أن نعطي للمعرفة قيمة أكثر مما تعطيه هي بوضوح.
وأنه لا يصحّ القول بمعرفة غير واقعية لأن هذا معناه أن نعطي لغير المعرفة قيمة المعرفة، وهذا لا يفيدنا بشيء، ويؤكد بهشتي أن المعرفة قسمان لا ثالث لهما: بديهية ونظرية، فالبديهية هي التي تحصل لدى الإنسان بالإدراك البديهي بدون تأمل أو إعمال نظر، والنظرية أي الاكتسابية، تعتمد على الإدراك الذي يتطلب الحصول عليه تأملاً وتحليلاً واستنتاجاً، ويبيّن بهشتي أن القرآن الكريم قد اعتنى بهذين النوعين من المدركات، وسعى لتشجيع الإنسانية على استفادة المدركات النظرية من المدركات البديهية باعتماد لفظتي التفكير (أو النظر)، والتدبّر (بدلاً عن التعمق) والتعقّل والحكمة أيضاً.
ويشير الى أن الأساس الطبيعي والفطري والعام والدائم للمعرفة المطروحة في القرآن، هو عبارة عمّا يصل الينا عن طريق الحواس، بوصفه نقطة الأساس والبداية، وأما الأمور التي لا نستطيع الإطلاع عليها عن طريق الحواس مباشرة فيجب أن ندركها ونستنتجها من المعلومات التي تقدمها لنا الحواس، وفي ذلك يقول إن الوصول لتحقق المعرفة يعتمد على الأدوات والوسائل والطرق والأساليب، وأما الوسائل فهي توجد في أبداننا وهي: الحواس الظاهرة والحواس الباطنة والحواس المغايرة لهذين القسمين (الأعصاب المنتشرة تحت الجلد).
أما الأسلوب فهو أسلوب فهم القرآن لغةً وزماناً لنصل الى مقدار من المعارف الإسلامية الصحيحة، وحينما يتحدث القرآن عن أدوات المعرفة فإنه يعرض ثلاث وسائل هي السمع والبصر والفؤاد، العين والأذن والقلب، ويؤكد على الدور الكامل للقلب في المعرفة وخاصة معرفة الله. فتأثير الفؤاد ودور القلب في القرآن له تأثير عملي، ذلك أن القرآن لا يستند الى العلم المحض، بل الى العلم المؤثر في سلوك الإنسان بنحو مباشر أو غير مباشر، وهذا هو العلم الذي يعتبره القرآن الكريم الذي هو كتاب بناء الإنسان، يريد توجيه الإنسان عملياً، ويأتي به الى الوجود. "فالله أعطاك السمع والبصر والقلب، أي منحك أداة المعرفة التي تبني سلوكك وعملك وتبني ذاتك"، وإذا ما استخدمت هذه الأداة استخداماً واقعياً وطبيعياً فـ"إننا نستطيع بعون الله، أن نصل الى أرفع درجات المعرفة الإلهية والبشرية شريطة أن يكون علمنا مقروناً بالعمل والتقوى".
أحمد ياسين
الانتقاد/ العدد 1210 ـ 13 نيسان/أبريل2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018