ارشيف من : 2005-2008

المسجد مركز قيادة الحياة:المسجد النبوي في عهد رسول الله(ص) مثالاً

المسجد مركز قيادة الحياة:المسجد النبوي في عهد رسول الله(ص) مثالاً

أما المسجد النبوي الشريف، الذي اختار الله بقعته الشريفة فقد بناه رسول الله حين هجرته إلى المدينة المنورة.‏

إن الغرض الذي من أجله أنشئ المسجد، أي مسجد، هو بلا ريب عبادة الله. واستناداً إلى المعنى التقليدي السائد لمفهوم العبادة فإن المسجد ليس أكثر من محلّ لذكر الله وخاصة الصلوات المفروضة أو منبرٍ لدين الله تقام فيه شعائره وتتلى فيه آياته وأحكامه.‏

أما العبادة بمعناها الحقيقي وهي التي تمتد على مساحة الحياة بمختلف شؤونها بحيث يغدو كل عمل يقع في إطار أحكام الدين وهديه هو عبادة وطاعة لله تعالى. ويستوي في ذلك ما كان عملاً فردياً أو اجتماعياً وبمختلف أبعاد العمل الاجتماعي الثقافية، والسياسية، والاقتصادية والعسكرية والقضائية وغير ذلك.‏

أما العبادة بهذا المعنى فلا نلحظ لها أي اثر أو صدىً لا قديماً ولا حديثاً في حركة النشاطات التي تضطلع بها المساجد، علماً أنها ما انشئت إلا لتكون بيوتاً للعبادة. يستثنى من ذلك زمن صدر الإسلام خصوصاً عهد رسول الله(ص) الذي اتخذ من مسجده "المسجد النبوي" في المدينة مركزاً لقيادة الأمة وإدارة شؤونها.‏

إنّ المهام العظيمة التي نهض بها المسجد النبوي الشريف في المدينة المنوّرة في عهد رسول الله (ص)، وعلى مدى عقد من الزمان تشكِّل نموذجاً حيّاً للمهمّات التي يمكن أن ينهض بها المسجد في حياة المسلمين، على مدى الأزمان، مع لحظ التغيّرات الحياتية بفعل ظروف الزمان والمكان.‏

وهذه بعض الفعاليات والمهام التي كان المسجد ينهض بها في آن واحد:‏

كانت تقام فيه صلاة الجماعة خمس مرات في اليوم، بإمامة رسول الله (ص) إضافة إلى النوافل، وصلاة العيدين وصلاة الآيات.‏

على أن ذكر الله لم يكن قصرا على وقت أداء الصلاة، بل كان المسجد موطنا للذكر في كل الأوقات.‏

وكان المسجد النبوي معهد المسلمين لتلاوة القرآن الكريم، وتعلّم أحكام الدين. ومنه تخرّج أئمّة الدِّين، والصّحابة المنتجبون.‏

وفيه كان يجري الحوار مع المنكرين من أصحاب الديانات السابقة، وأصحاب الآراء المخالفة للإسلام.‏

وفيه تدار شؤون الدولة الإسلامية، حيث شكّل المسجد يومذاك «دار الحكومة». فيه يعيِّن قضاة المناطق، وموظّفو الدولة، وجباة الأموال، وقادة الفرق العسكرية التي تضطلع بشؤون الجهاد في سبيل الله تعالى، وما إلى ذلك من شؤون.‏

وفيه توزع الأموال، والمرتبات على الناس، حسب قواعد التسوية في العطاء التي وضعها الإسلام الحنيف، فكان المسجد النبوي بيت المال للدولة الإسلامية.‏

ومنه تعلن الدعوات للجهاد، وصدّ العدوان، ويبلغ الناس عن نتائج الحرب، نصراً أو إخفاقاً.‏

وفي المسجد النبوي جناح لإيواء المستضعفين الغرباء عن المدينة المنوّرة. وكان ذلك الجناح يسمّى «الصفة» حيث ضمّ الكثير من فقراء الصحابة، ومساكينهم، حتّى صارت الصفة سكناً، ومعهداً لتخريج المحدِّثين، وحفّاظ القرآن الكريم، والعُبّاد، والزُّهّاد.‏

وفي هذا المسـجد المقدّس كانت تجري اللِّقاءات بالوفود الرسمية من القبائل، والدول المعاصرة لدولة رسول الله (ص) كوفود النجاشي، وقياصرة الروم، وحكّام اليمن، وقبائل العرب المختلفة، كما كانت تبرم الاتفاقيات، والمواثيق، والعهود مع القبائل، والأقوام المحيطة بالمدينة المقدّسة. كما يجري إرسال الوفود منه إلى الآفاق.‏

هذا ومن الجدير ذكره انّ مسجد رسول الله (ص) كان دكّة للقضاء القضائية، ومحكمة العدل الإلهي بين الناس. ولكنّ الحدود لا تقام فيه عادة احتراماً لمكانته.‏

وفي هذا المسجد الشريف كذلك تجري عمليات التشاور بين المسلمين وقيادتهم أو بين المسلمين أنفسهم لإبرام أمر ما، أو اقامة حق، واشاعة معروف، أو ابطال باطل، أو تخطيط لمستقبل، وهو بذلك دار الشورى، ومجلس البرلمان باصطلاح اليوم.‏

وهكذا تجتمع في بيت الله فعاليات الخير والبركة جميعاً، وتتعانق فيه النشاطات الاُخرويّة والدنيوية معاً، وتختلط فيه أشواق الروح العليا، والحاجات المادية الضرورية لمسيرة الانسان.‏

انّه يحمل روح العبادة، ومضمونها الحقيقي في الإسلام الحنيف.‏

إسماعيل زلغوط‏

الانتقاد/ العدد1210 ـ 13 نيسان/أبريل 2007

2007-04-13