ارشيف من : 2005-2008

سماسرة الوصاية الدولية: التزام أهداف عدوان تموز حتى آخر رمق

سماسرة الوصاية الدولية: التزام أهداف عدوان تموز حتى آخر رمق

ثم إن التوافق الوطني نفسه يتناقض تماماً مع استراتيجية ومصالح هؤلاء السماسرة وأربابهم، التي تقوم بجوهرها على تحويل لبنان بالكامل إلى حالة انتدابية وإلى محمية دولية، يملكون فيها الجانب التنفيذي وفق كتاب إرشادات وتوجيهات واشنطن، وبما ينسجم تماماً مع المشروع الأميركي ـ الصهيوني في المنطقة.‏

نعم.. فريق السماسرة هذا لم يكن يعمل للتوافق الوطني بقدر ما كان يعمل لحمل فريق المعارضة على الالتحاق به، وعندما جرّب فرصته وفشل، وعندما أخذ الوقت يداهمه، كان لا بد له من أن يقفز قفزته باتجاه مجلس الأمن، حتى لو كانت كلفة هذه القفزة أخذ لبنان إلى المجهول.‏

لو كان هذا الفريق، كما يدعي، حريصاً على الاستقرار الداخلي، وحريصاً على الديمقراطية بصيغتها اللبنانية، وحريصاً على الصيغة اللبنانية القائمة على التوافق والتعدد والتنوع، فليقل لنا:‏

ـ لماذا لا يلجأ إلى الأساليب الديمقراطية لحل النزاعات والمشاكل والأزمات؟ لماذا لا يوافق على إجراء انتخابات نيابية مبكرة، أو على الذهاب إلى استفتاء عام؟‏

ـ لماذا يصر هذا الفريق على الاستقواء بالأميركي مرة وبالفرنسي مرة وبالإسرائيلي مرة ومرات، بدلاً من أن يستقوي بقواه الذاتية ويراهن على وعي اللبنانيين؟‏

ـ لماذا يصرّ هذا الفريق على نبش تاريخه الميليشياوي، ويقطع الطريق على بناء الدولة الفعلية، عندما يوزع السلاح على المستزلمين ويحول قطاعات أساسية في الدولة إلى مرافق خاصة، ويضع يده على أموال الناس ليستخدمها أداة ابتزاز سياسية؟‏

ـ لماذا يصرّ هذا الفريق على نزعة الاستئثار ورفض المشاركة، التي هي أبلغ تعبير عن دكتاتورية كامنة واستبدادية لا واعية تذكرك بدكتاتورية واستبدادية الأنظمة الرجعية الداعمة والممولة لهم؟‏

ـ لماذا يصرّ هذا الفريق على ضرب المؤسسات الدستورية وضرب مبادئ الدستور ومنطلقات وثيقة الوفاق الوطني؟‏

هذه الأسئلة وسواها كثير تكشف إلى أي مدى يجمع هؤلاء في خليط عجيب من قيم السمسار والميليشياوي والمافيوي والعمالوي.. ولذا لم يكن غريباً عن هؤلاء ولن يكون غريباً أيضاً، أن يذهب خطابهم السياسي ـ الإعلامي ذلك المنحى التآمري على المقاومة وسلاحها:‏

ـ جعجع يرى فيه عبئاً على لبنان.. ولا ندري كيف ومتى؟‏

ـ وليد جنبلاط يشرح العبء على طريقته:‏

أ ـ حزب شمولي/ حزب ولاية الفقيه.‏

ب ـ حزب يشكل تهديداً للصيغة اللبنانية.‏

ج ـ حزب ضد التنوع والتعدد والحرية.‏

د ـ حزب الدولة الخاصة ضد الدولة العامة.‏

ـ الحريري بلسان كتلته: إسقاط كامل لمفردة المقاومة لمصلحة استعمال سلاح حزب الله (ليسهل وصفه بالسلاح الحزبي، وبالتالي ليسهل وصفه بالسلاح الميليشياوي) والسلاح غير الشرعي.‏

ـ الصبيان الآخرون من أمثال سمير فرنجية ليسوا بعيدين عن المناخ نفسه.‏

خلاصة هذه الخطة السياسية ـ الإعلامية تحاكي خلاصة الهجمة على سلاح المقاومة التي سبقت عدوان تموز، فهل نحن أمام تمهيد لعدوان جديد تشم رائحته في البيان الفرنسي ـ الأميركي ـ الإسرائيلي الرئاسي حول تنفيذ القرار 1701، والذي يراد له فتح هذا القرار على تفسيرات تأخذ القرار 1701 إلى الأهداف الأميركية ـ الإسرائيلية من عدوان تموز: إسقاط الشرعية عن سلاح المقاومة من خلال إسقاط استخدام مفردة المقاومة من التداول السياسي ـ الاعلامي، لأن من شأن ذلك إسقاط الحصانة الأخلاقية ـ والسياسية لمفردة المقاومة، بما يمهد الطريق للنيل منها. وبالمناسبة فصيغة البيان الرئاسي لـ1701 تتبنى نصاً يصف سلاح المقاومة بالسلاح الميليشياوي والسلاح غير الشرعي. وهكذا يظهر بوضوح أن المطبخ واحد، فالجميع يعمل لدى مدرسة واحدة هي المدرسة الأميركية ـ الفرنسية ـ الإسرائيلية. الإمساك بالحدود اللبنانية ـ السورية في ترجمة رمزية لنقل العداء من حدود لبنان مع الكيان الإسرائيلي الى حدود لبنان مع سوريا.. المطلوب هو أن تصبح سوريا هي العدو بدلاً من الكيان الإسرائيلي.‏

كل الخطة الآنفة تندرج في سياق العدوان السياسي الشامل على المقاومة وسلاحها، وفي سياق السعي لنقل لبنان الى الموقع الأميركي ـ الصهيوني وخدمة مصالح المشروع الأميركي ـ الصهيوني في المنطقة.‏

والحقيقة أن هؤلاء يمارسون إسقاطاً سياسياً على حزب الله تحديداً، وإلا فلا ندري كيف يكون من يدعو الى اللجوء للوسائل الديمقراطية حزباً توتاليتارياً، والرافض لها ديمقراطياً! وكيف يكون من يعمل بكل جهد للهرب من الحروب الأهلية والفتن المذهبية حزباً ضد الاستقرار والصيغة، في حين يعمل لها هؤلاء ليل ـ نهار! وكيف يكون حزب وقع وثيقة تفاهم استراتيجية مع تيار مسيحي عريض، ضد التنوع والتعدد، وضد الصيغة اللبنانية، في حين يعمل أولئك على إلغاء الصيغة والحياة السياسية بأسرها من خلال وضع لبنان بالكامل في يد الأجنبي!‏

ولا تدري من يعمل على بناء الدولة، من يحرص على منابع وأصول ومرتكزات قوتها، أم من يعمل على نخرها بالسرقات، وتحويلها الى محميات دولية، وتحويل مؤسساتها الى مؤسسات وصاية، وتحويل إداراتها ووزاراتها الى شركات خاصة؟!‏

في السياق عينه يجب وضع قرار هؤلاء السماسرة الصغار بنقل نظام المحكمة ذات الطابع الدولي الى مجلس الأمن، مع الاشارة الى ان هذا النقل جاء بضوء أخضر أميركي ـ فرنسي، ولا نعتقد أن كل لعبة زيارة الوفود الدولية ستفيد في شيء، لأنه إذا كان لها أن تفيد، كان عليها أن تتم قبل هذه الخطوة، ومن ضمن الحرص الفعلي على الآليات الدستورية اللبنانية والتوافق الوطني الداخلي.. وإذا كان من خدمة تقدمها الحركة الدولية باتجاه لبنان، فهي خدمة محصورة باتجاه واحد: اعادة الأمور الى نصابها الدستوري والتوافقي الوطني الداخلي، ووضع حد للتدخل الأميركي ـ الفرنسي ومن ورائهما الاسرائيلي في الشأن الداخلي اللبناني.‏

خارج هذا النطاق لن نكون إلا إزاء مسار معروف الوجهة ومعروف الأهداف، وسرعان ما سيكشف هذا الفريق المتآمر على استقرار البلد وعلى سيادته وحريته واستقلاله، ان سياسة السقوط في الهاوية لن تجلب الدمار إلا له فقط، لأن اللبنانيين أعقل من أن يخوضوا مع هؤلاء لعبة جنون السلطة الخاصة بهم، وسيأخذون جميعاً على أيديهم.‏

مصطفى الحاج علي‏

الانتقاد/ العدد1211 ـ 20 نيسان/أبريل 2007‏

2007-04-20