ارشيف من : 2005-2008

الجزائر: تفجيرات الفوضى البناءة

الجزائر: تفجيرات الفوضى البناءة

لتلك الأعمال عبر وسائل الإعلام، فقد انصبت الاتهامات فيما يخص تفجيرات الجزائر التي وقعت في الحادي عشر من نيسان/ أبريل وقتلت 33 شخصاً وجرحت 220، على اتهام تنظيم القاعدة وفرعه الجزائري الذي غير اسمه مؤخراً من "الجماعة السلفية للدعوة والقتال" إلى "تنظيم القاعدة في إفريقيا الشمالية الإسلامية". وفي الوقت نفسه، تم وضع الحدث في خدمة الأهواء والمصالح بعيداً عن النظر المسؤول إلى عمق المشكلة.‏

وعليه جرى تصوير المشكلة، وفقاً للمنطق السائد، على أنها وليدة التعصب والتطرف الناشئين عن فهم غير صحيح للإسلام من قبل جماعات يائسة أو مشبوهة تسعى إلى تعميم الإرهاب في بلدان المغرب قبل نقله إلى أوروبا وأميركا. والواضح أن الإضافة الأخيرة تمهد الطريق لشرعنة التدخلات الغربية، على أساس أن ما يجري هو إرهاب عالمي تدخل مكافحته ضمن إطار الحرب العالمية على الإرهاب... والواضح أن هذا التفسير هو مصادرة على المطلوب يسهل طرحها بسبب الوجود الفعلي لتفسيرات غير صحيحة للإسلام، من جهة، ولجماعات يائسة، من جهة أخرى. لكن إلى أي مدى يصح القول بأن تلك التفسيرات التي تحوّل الإسلام إلى إرهاب هي المسؤولة عن الأوضاع السيئة التي يعيشها العالم الإسلامي على جميع المستويات، وخصوصاً أن هذه الأوضاع قائمة قبل أزمنة تطول أو تقصر من ظهور الظاهرة الإرهابية الحالية، وذلك في ظل أنظمة تنصب نفسها ممثلة للتفسيرات الصحيحة.‏

وإذا كان من الصحيح أن هنالك جماعات يائسة فإن توجيه اللعنات إليها لا يعفي القيمين من البحث عن أسباب اليأس ومعالجتها، وخصوصاً أن تلك الأسباب ناشئة عن استقالة الأنظمة إزاء المشكلات السياسية والاجتماعية التي تتخبط فيها بلدان المنطقة.‏

وإذا كان من الصحيح أيضاً أن هنالك جماعات تكفيرية، فإنه من الصحيح أيضاً أن الطبيعة الخفية التي يفرضها العمل السري لتلك الجماعات يسمح لجميع أجهزة الاستخبارات بتقمصها أو استعارة أسمائها وأشخاصها لتنفيذ عمليات ضخمة لم تبدأ في مانهاتن ولن تنتهي في الجزائر بعد أن مرت في إسبانيا وبريطانيا ولبنان والعراق وغيره.‏

ومهما يكن من أمر، فإن الاستغراق في ربط المشكلة بالجماعات الإرهابية يغض الطرف عن وقائع في منتهى الأهمية. منها أن كل ما يجري، إنما يجري في وقت اختارت فيه الإدارة الأميركية المنطقة العربية والإسلامية بالذات لتجعل منها مسرحاً لمشروعها الشرق أوسطي الجديد، أو الكبير، بلاعب أساسي هو الفوضى البناءة. وكذلك في وقت لم تتوقف فيه "إسرائيل"، برغم تحريم الحديث، عربياً، عن صراع عربي ـ إسرائيلي، عن العمل الاستخباري والتخريبي النشط ضد العرب، بمن فيهم من يعترفون بها ويقيمون معها علاقات رفيعة المستوى.‏

كما يغض الطرف، فيما يتعلق بتفجيرات الجزائر عن جملة وقائع داخلية تفعل فعلها في الساحة الجزائرية. في مقدمة تلك الوقائع خلافات بين الجنرالات الذين يصُلتون سيوفهم على رأس النظام، وبين رئيس الجمهورية الذي يسعى إلى إدخال تغيير دستوري بهدف تعيين نائب له، في وقت يكثر فيه الحديث عن مرضه وصولاً إلى التلويح بضرورة رحيله إذا ما كان قد أصبح عاجزاً عن القيام بدوره. ويأتي ذلك على خلفية فشل المصالحة الوطنية التي ترجمت نفسها من خلال أحزاب التحالف الرئاسي الثلاثة التي لا تعدو كونها حزباً واحداً قسم إلى ثلاثة أجزاء لنيل صفة التعددية مع استبعاد الأحزاب الأخرى عن المشاركة. كما تأتي التفجيرات قبل شهر على موعد الانتخابات الرئاسية التي يبدو أن نتائجها محسومة منذ الآن كاستفتاء إيجابي بنسبة مجموعة من التسعات. وكل ذلك في وقت تعاني فيه الجزائر من تدهور خطير من الناحيتين السياسية والاجتماعية، وفي وقت لم تخرج فيه البلاد فعلاً من أجواء الحوادث الدامية التي عصفت بها منذ بداية التسعينات وأوقعت مئات الألوف من الضحايا، على إثر انزعاج الجنرالات والمرجعيات الغربية من الفوز الانتخابي الساحق الذي حققه الإسلاميون في أواخر الثمانينات. مؤدى القول‏

إن الجزائر مضطربة وهنالك من يسعى لدفعها نحو مزيد من الاضطراب.‏

وإذا كانت التهم تذهب باتجاه الجماعات السلفية فإن الذين يجهزون أحجارهم لرجم الجزائر مطالبون بأن يثبتوا أنهم بلا خطيئة، وفي مقدمة هؤلاء السفارة الأميركية في الجزائر التي استغلت أجواء الاحتقان الناشئة عن التفجيرات للتنبؤ بتفجيرات وشيكة إضافية. وإذا كان بعض أركان النظام قد ردوا بشكل مناسب على معمل الإشاعات الأميركي، فلأنهم يدينون بالولاء لفرنسا في ظل تنافس فرنسي ـ أميركي محموم على الجزائر، تلك الصحراء السابحة على بحار من النفط والغاز واليورانيوم ، والتي يسيل أمامها لعاب أصحاب المطامع.‏

ع.ح.‏

الانتقاد/ العدد1211، 20 نيسان/أبريل2007‏

2007-04-20