ارشيف من : 2005-2008
فضيحة وولفوويتز، نقطة في بحر...
الأميركية من قبل صقور المحافظين الجدد من أمثال ديك تشيني وجورج تينت ودونالد رامسفيلد ثم كوندوليزا رايس، في مرحلة لاحقة.
وفي السياق نفسه، استولى الصقور على مناصب حساسة في المنظمات الدولية، فكان منصب سفير الولايات المتحدة في الأمم المتحدة من نصيب جون بولتون، في حين فرض بول وولفوويتز رئيسا للبنك الدولي.
واللافت أن معظم هؤلاء قد استقالوا أو أقيلوا من مناصبهم بفعل ما تورطوا فيه من فضائح وما أحاق بهم من خيبات.
فرامسفيلد أودت به الحرب الفاشلة على العراق، ودفع بولتون ثمن هزيمة الجمهوريين في انتخابات الكونغرس، في حين ذهب تينت ضحية لاضطراب سياسات أجهزة الاستخبارات.
لكن الموقعية الهامة في هندسة القرار الأميركي لم تسمح لفضائح هاليبورتون في العراق، ولسوء إدارة الموقف الرسمي بعد إعصار كاترينا، بزحزحة ديك تشيني عن موقعه نائباً للرئيس.
ويبدو، حتى الآن، أن الموقعية ذاتها هي ما يدفع الرئيس بوش إلى الاستماتة في الدفاع عن بول وولفووتيز بعد فضيحة الترقيات غير الشرعية التي منحها لـ"صديقته" شاها رضا التي كسبت بفضل تلك الصداقة منصباً رفيعاً في البنك الدولي بمرتب يزيد عن 200 ألف دولار سنوياً، وهو المرتب الذي استمرت بتقاضيه بعد أن نقلها وولفويتز إلى منصب رفيع آخر في وزارة الخارجية الأميركية.
فضيحة من النوع الذي لا يحصل عادة، على ما تروجه البروباغندا، إلا في البلدان "المتخلفة" التي يفترض أن المسؤولين الأميركيين، وفي طليعتهم وولفوويتز تحديداً، يسعون إلى تعليمها الشفافية وتخليصها من الفساد، بين وصفات أخرى تقدم على أنها ضرورية من أجل السير في طريق التنمية والديموقراطية وما إلى ذلك...
لكنها في الحقيقة من النوع الذي يشكل عصباً أساسياً من أعصاب العلاقة الجوهرية بين المال والسلطة في البلد الأكثر مالاً والأشد تسلطاً في العالم، حيث يشكل وضع اليد على السلطة ممراً إجبارياً نحو تعزيز هيمنة شركات النفط والسلاح والأدوية والتأمينات وغيرها.
والشواهد على نواحي الفساد والاختلاس في هذه المجالات أكثر من أن تحصى في الولايات المتحدة وأوروبا واليابان، وغالباً ما يتبين أن رؤساء الجمهوريات وكبار المسؤولين هم الرعاة الأساسيون للفساد، وما مثال جاك شيراك، الذي قد ينتقل قريباً من الإليزيه إلى السجن غير واحد من تلك الشواهد.
لكن فضيحة وولفوويتز تبز غيرها من الفضائح لوجوه عديدة. أولها الموقف غير الديموقراطي الذي وقفه جورج بوش عندما أصر على إبقاء وولفوويتز في منصبه بعد كل ردود الفعل التي أثارتها الفضيحة.
فلجنة التنمية في البنك والصندوق الدوليين المكونة من وزراء التنمية في العالم أعربت عن قلقها البالغ إزاء ما يمثله تصرف وولفوويتز من مساس بمصداقية البنك وأخلاقيته ودعت إلى تنحيته.
دعوات مماثلة صدرت عن الآلاف من أعضاء رابطة موظفي البنك، وعن آلاف المتظاهرين الذين خرجوا في واشنطن للتعبير عن شجبهم للفضيحة، وعن العديد من كبار المسؤولين الأوروبيين وممثلي المنظمات غير الحكومية.
لكن جورج بوش اعتبر أن القرار يعود إلى مجلس إدارة البنك، أي إلى حفنة من الموظفين الذين يقررون وفق ما تمليه عليهم القرارات العليا. أما وولفوويتز نفسه، وهو الذي يعرقل ـ لدواعي الهيمنة على القرار ـ تعيين نائب للرئيس بعد شغور المنصب منذ أربعة أشهر، فقد اعتبر أنه يدير البنك الدولي بشكل جيد (!؟) وأنه يجب أن يستمر في عمله "برغم كل شيء" لحجة أنه يتلقى الدعم "من كثيرين"، دون أن يوضح هوية هؤلاء الكثيرين. والواضح أن كل ذلك يشكل فضائح نبتت على هوامش الفضيحة الاولى.
لكن كل ذلك يظل نقطة في بحر الفضيحة الكبرى المتمثلة بالبنك الدولي ووظائفه. فالمؤسسة المذكورة تتقاسم، مع مؤسسات مالية عالمية أخرى، مهمة "مساعدة" البلدان النامية على تحقيق المزيد من النمو في إطار العمل على تقليص الفوارق بين البلدان الفقيرة والبلدان الغنية (وفقاً لما يدعيه الخطاب الإعلامي بالطبع).
غير أن الفرق بين الادعاء والواقع لم يفعل، منذ قيام هذه المؤسسات في أعقاب الحرب العالمية الثانية وحلول أشكال "الاستعمار الجديد"، بدلاً من أن يتقلص، غير الإمعان في تعميق هوة الفوارق عبر تنمية غنى الأغنياء وفقر الفقراء. ففي حين كانت جميع الشعوب التي استقلت عن الاستعمار التقليدي، منذ بداية الخمسينات تحافظ، في ظل أشكال الإنتاج التقليدية وما توفرة من حرية نسبية في التعامل مع الموارد الطبيعية، على حد أدنى من الكفاف، أخذت ظاهرة الفقر في عالم اليوم المهندس وفق ترشيدات البنك الدولي وشركاه شكل وباء يكتسح العالم بسرعات قياسية.
فخمس سكان العالم اليوم معدمون تماماً ويبحثون عن قوتهم اليومي في أكوام النفايات. هؤلاء يشكلون جزءا من 85 بالمئة من سكان العالم الذين يتقاسمون 15 بالمئة من المداخيل، في حين يستولي 15 بالمئة من السكان على 85 بالمئة من المداخيل. وتشير الأرقام إلى هبوط معدل الدخل السنوي للفرد في البلدان الأربعين الأكثر فقراً من 700 دولار، عشية الاستقلالات، إلى أقل من 250 دولاراً في الوقت الحالي.
كما تشكل مأساة المديونيات الهائلة التي تتخبط فيها معظم بلدان العالم الثالث مثالاً صارخاً على مدى نجاح استراتيجيات إعادة الهيكلة المرسومة في مكتب وولفوويتز وأسلافه من مدراء البنك الدولي وغيره من مؤسسات التنمية، في التدمير المقصود لاقتصاديات العالم الثالث عبر رهن "المساعدات" بإدخال تغييرات بنيوية من النوع الذي يستأصل أشكال الإنتاج التي عاش عليها البشر منذ آلاف السنين ليستبدلها بقطاعات من نوع السياحة والخدمات المصرفية والهجرة والرقيق الأبيض وتجارة الأعضاء وإنتاج السلع القابلة للاستبدال بأموال صعبة، أي من النوع المطلوب من قبل البلدان الغنية. أما المساعدات التي تقدمها البلدان الغنية إلى البلدان الفقيرة عبر البنك الدولي وشركاه فقد اتفقت تلك البلدان، عام 1964، على تمويلها بـ1 بالمئة من دخلها الخام.
لكن التطبيق لم يتجاوز نسبة 0،7 بالمئة من الدخل، ثم لم يلبث أن هبط إلى 0،35 بالمئة في الفترة بين 1970 و1990، ثم إلى 0،27 اعتباراً من العام 1995.
ولا بد من الإشارة إلى أن هذه المساعدات لا تخدم غايات التنمية إلا بنسبة 5 بالمئة من قيمتها الإجمالية، حيث إن أكثرها يأخذ شكل المساعدات "الفنية" والاستشارات، وتلتهمه الكوميسيونات الضخمة وأشكال السرقات القانونية التي تعيده إلى حسابات سرية في جنائن المال والحسابات السرية في مصارف الغرب... وبعد كل ذلك يعتقد وولفوويتز أنه يقوم بعمله بشكل جيد، وبأنه يجب أن يستمر في عمله المدعوم من كثيرين هم، في النهاية، بوش وشركاه.
عقيل الشيخ حسين
الانتقاد/ العدد1211، 20 نيسان/أبريل2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018