ارشيف من : 2005-2008
أحداث كربلاء.. ومخاطر خلط الأوراق لتمرير أجندة الإرهاب
الإمامين الحسين والعباس عليهما السلام، يوم السبت الماضي الرابع عشر من شهر نيسان/ أبريل الجاري، الاولى من نوعها في تلك المدينة، اذ برغم ما يعرف عنها بالتمتع بوضع أمني جيد ومستقر نسبيا مقارنة بمدن عراقية أخرى مثل العاصمة بغداد وغيرها، الا انها كانت تشهد بين الفينة والاخرى عمليات ارهابية بسيارات مفخخة او احزمة ناسفة او انتحاريين.
مع ذلك فإن العملية الارهابية الاخيرة بدت نوعا ما مختلفة عن سابقاتها من زوايا عدة، من بينها:
ـ انها وقعت في ظل اجراءات امنية مشددة في المدينة، ارتباطا بتطبيق خطة فرض القانون في العاصمة، والتخوف من تسلل الجماعات الارهابية من بغداد الى كربلاء.
ـ جاءت العملية بعد حدوث اكثر من حادث اختطاف لمواطنين من ابناء المدينة من قبل مجاميع ارهابية مسلحة كانت تتنكر بزي الشرطة العراقية من جهة مدينة الرمادي الواقعة غرب كربلاء.
ـ لم تخلُ الاجواء السياسية للمدينة خلال الشهور القليلة الماضية من تجاذبات وتقاطعات وصراعات، بعضها معلن والقسم الاكبر منها خفي مستتر، ألقت بظلالها على إيقاع الشارع الكربلائي.
ـ أعقب عملية السبت الارهابية التي أوقعت اكثر من مئتين وخمسين قتيلا وجريحا معظمهم من النساء والاطفال، مواجهات مسلحة بين مجاميع غاضبة هاجمت مبنى المحافظة وعناصر الجيش والشرطة المسؤولة عن حماية المبنى. فيما جابت شوارع المدينة تظاهرات طالبت بإقالة المحافظ وحل مجلس المحافظة.
ولا شك في ان احداث كربلاء لا تخرج بإطارها العام والشامل عن مجمل الأحداث الحاصلة في عموم العراق، فهي تتمحور حول هدف واحد وتُنفذ بالأساليب والوسائل نفسها، ومن قبل أطراف لها حسابات خاصة لا تلتقي بأي حال من الاحوال مع المشاريع الوطنية التي يطمح ويتطلع العراقيون الى جني ثمارها.
سياسيون عراقيون ومسؤولون محليون في المحافظة اعتبروا ان هناك مخططا لتأزيم الاوضاع في مدينة كربلاء، وبالتالي اثارة فتنة طائفية وسياسية تأتي على كل ما تحقق من انجازات ومكاسب على الصعيدين الامني والسياسي، وإغراق المدينة في دوامة العنف والارهاب.
وطبيعي ان اختيار كربلاء ينطوي على أبعاد وحسابات خطيرة، لما تتمتع به تلك المدينة من مكانة روحية ودينية عند عموم المسلمين، وأبناء الطائفة الشيعية منهم على وجه الخصوص، الى جانب موقعها الذي يعد الى حد ما حلقة وصل بين مناطق او اقاليم يختلف بعضها عن بعض في خصوصياته الثقافية والمذهبية والطائفية. واللافت في الامر ان الجميع تقريبا أشاروا الى وجود أيادٍ خفية تريد خلط الاوراق في المدينة. وإذا كان ذلك يصدق على كربلاء فإنه يصدق على البصرة وعلى الديوانية والسماوة وميسان التي شهدت جميعها اوضاعا مضطربة في اوقات متفاوتة وبأشكال ومظاهر مختلفة.
وترى بعض الاوساط ان خلط الاوراق وتأزيم الامور في كربلاء يمكن ان يفتح الباب واسعا لاضطرابات وتشنجات وحالات احتقان سياسية وغير سياسية في مدن اخرى لا تفتقد الى الارضيات المناسبة لمثل تلك المظاهر.
ولا يمكن استبعاد فرضية تورط القوات الاميركية ببعض من أحداث كربلاء وغيرها من المدن، مثلما يرجح البعض تورط القوات البريطانية في الأحداث التي تشهدها مدينة البصرة في معظم الاحيان.
فارتباك الأوضاع في هذه المدينة او تلك من الممكن ان يتيح للأميركان تمرير ما يريدون تمريره، وخصوصا في ما يتعلق باعتقال بعض الاشخاص. وبهذه الطريقة فإن القوات الاميركية اعتقلت قبل بضعة اشهر رئيس مجلس المحافظة الشيخ عقيل الزبيدي، وقبل عدة ايام داهمت منزل احد اعضاء المجلس حامد كنوش.. وقد أدان رئيس المجلس الحالي عبد العال الياسري ذلك الاجراء الذي لم يستند بحسب وصفه الى اسس ومعايير قانونية، وطالب السلطات المركزية بالتدخل لرفع هذه التجاوزات.
وثمة من يقول ان المخطط الاكبر يرمي الى اضعاف الحكومة وإفشال كل جهودها الرامية لإحلال الامن والسير بالعملية السياسية قدما الى الامام.. وعمليات كربلاء وأحداث البصرة تعد جزءا من ذلك المخطط، والمحاولات المحمومة لإنهاء التيار الصدري وإبعاده عن العملية السياسية تمثل جزءا آخر منه، خصوصا ان هذا الاخير يطالب باستمرار بجدولة انسحاب القوات الأجنبية من العراق وتحديد سقف زمني واضح ومحدد لبقائها في البلاد. وتؤكد اوساط مطلعة من داخل البرلمان العراقي ان التيار الصدري أعد ورقة مفصلة بشأن انسحاب القوات الأجنبية يزمع طرحها على البرلمان عبر ممثليه خلال وقت قريب.
في الوقت ذاته فإن تلك الاوساط قللت من أهمية المخاوف التي طرحها البعض من تبعات وآثار سحب التيار الصدري لوزرائه الستة من حكومة نوري المالكي، ومنحه حرية اختيار بدلاء عنهم خارج اطار المحاصصة.. بل على العكس من ذلك، رأت فيها تحولا سياسيا مهما في تعاطي التيار بزعامة السيد مقتدى الصدر مع الواقع السياسي القائم، وخطوة ذكية لسحب البساط من تحت اقدام الاطراف الساعية الى ضربه وتهميشه، في اطار خطة فرض القانون الذي يقضي احد بنوده إنهاء مظاهر الميليشيات المسلحة، وهو بند ربما يرى الكثيرون أنه وُضع للإجهاز على جيش المهدي خصوصا.
حتى المواجهات المسلحة والتظاهرات التي أعقبت العملية الارهابية في كربلاء، وجهت أصابع الاتهام للتيار الصدري بتدبيرها وحث أنصاره عليها، بينما سارع مسؤولون في التيار إلى نفي وجود أي مسؤولية للأخير في ما حصل في المدينة، معتبرين ان اطرافا تعمدت زج اسم التيار الصدري وجيش المهدي ورفع شعارات ومطالب استفزازية لإشعال فتيل الصراع.
لكن يبدو ان المعنيين بزمام الامور كانوا يدركون ابعاد المخطط، لذلك سارعوا الى التحرك سريعا لاحتواء اي تداعيات تزيد الاوضاع تعقيدا وتأزما، دون ان يعني ذلك ان الخطر زال ولم تعد هناك نار تحت الرماد!
الانتقاد/ العدد1211 ـ 20 نيسان/أبريل 2007
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018