ارشيف من : 2005-2008

الإجماع الداخلي هو السبيل الوحيد لإقرار المحكمة لا التسييس الخارجي المشبوه

الإجماع الداخلي هو السبيل الوحيد لإقرار المحكمة لا التسييس الخارجي المشبوه

السياسي المنشود من إقرار المحكمة ذات الطابع الدولي المزمع إنشاؤها في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، قبل انتهاء التحقيقات الجدّية والرصينة التي تواصل لجنة التحقيق الدولية إنجازها منذ سنتين من دون أن تتمكّن من توقيف الفاعلين الحقيقيين، وذلك بسبب تكاثر المُضلّلين وشهود الزور الذين يُرْمَون عليها لتحريف الوقائع والتستّر على الجناة.‏

فعلى الرغم من الدعم الخارجي اللامحدود والمعلن والمخفي الذي تلقّاه "الشباطيون" من الدول الحليفة لهم والحريصة بمفهومهم المتقلّب بحسب أمزجتهم ومصالحهم الذاتية، على سيادة لبنان، إلاّ أنّهم حصدوا، كعادتهم، فشلاً جديداً من العيار الثقيل، وخيبة أمل كبيرة لها انعكاساتها على مختلف الأصعدة على الساحة الداخلية اللبنانية، وبالتالي فإنّه من المستحيل الموافقة على إحضار الغريب إلى الدار مهما بلغ الضجيج في "البازار" بحسب ما يستشفّ من تصاريح رجالات المعارضة الوطنية اللبنانية الحقّة.‏

وتوقّف كثيرون عند قيام هؤلاء "الشباطيين" بإنتاج فيلم "الخديعة" وتوجيه عريضة موقّعة من "أكثريتهم الوهمية"، إلى الأمين العام للأمم المتحدة، الكوري الجنوبي بان كي مون، وتدخّل رئيس الحكومة غير الشرعية فؤاد السنيورة برسالته التأييدية لهم، من أجل العمل على إقرار هذه المحكمة تحت الفصل السابع، بدلاً من سلوك الطريق المختصر والمحدّد لنجاح هذه المحكمة، بإقرارها وفق الأصول والآليات الدستورية اللبنانية.‏

واعتبر هذا الفعل استعجالاً مريباً، فُهم منه وجود غايات سياسية لاستغلال دماء رفيق الحريري والاتجار بها في سبيل الحصول على مغنم سياسي بحت، يحقّق مطالب خارجية لا يستطيع لبنان، هذا البلد الصغير وصاحب هذه التوليفة الطائفية التعدّدية العجيبة، تحمّل نتائجها الشديدة الوطأة على شعبه وأمنه واستقراره وسلمه الأهلي.‏

ولكنّ كي مون المطلع على بواطن الأمور والضغوطات الأميركية والفرنسية، ظهر بموقع الأحرص من هؤلاء "الشباطيين" على بلدهم، فطلب اعتماد المنطق والرجوع إلى العقل، ومناقشة بنود نظام المحكمة والتحاور بشأنها والتفاهم حولها بتحديد صلاحياتها ومهامها من دون لبس أو إبهام، وحصرها بجريمة اغتيال الحريري، وعدم فتح دفاتر قديمة يراد منها جرّ لبنان إلى ويلات الحرب، وبالتالي إقرارها بما يتناسب حرفياً والطرق الدستورية المتداولة والمعروفة، بدءاً من الاتفاق عليها داخل حكومة شرعية تمثّل كلّ شرائح المجتمع اللبناني، والتصديق على صيغتها النافذة في مجلس النوّاب، ورفعها إلى رئيس الجمهورية لكي يوقّعها كمعاهدة دولية.‏

وما إرسال كي مون مستشاره القانوني نيكولا ميشال إلى لبنان يوم الثلاثاء الفائت سوى تأكيد حازم لضرورة حصول إجماع داخلي على المحكمة لكي تصبح شرعية وقانونية.‏

يلتقي ذلك مع حضور نائب وزير الخارجية الروسي ألكسندر سلطانوف إلى بيروت يوم الاثنين الماضي ولقائه المسؤولين وسماع وجهات نظرهم، وتصريحه بتحفظ بلاده على إقرار المحكمة تحت الفصل السابع في غياب توافق لبناني داخلي عليها.‏

ويبدي مراقبون جملة ملاحظات على أداء "الشباطيين" والطريقة المتبعة لتظهير المحكمة على عجل وكيفما اتفق وهي:‏

أولاً: فشل المجتهدين في الصف "الشباطي" في العثور على فتوى قانونية تجيز لهم إقرار المحكمة من دون حيازة وفاق داخلي حولها، ففتّشوا وقلّبوا أوراقاً كثيرة من بطون الكتب، ومزجوا مواد بعضها ببعض فكانت النتيجة سلبية، إلى أن استقرّ الرأي على اللجوء إلى الفصل السابع والترويج له بأنه يصبّ في مصلحة السلم الأهلي على ما قال أحد المنظّرين النائب نقولا فتوش الحائر في كيفية استعادة كسّارات أشقائه، وما يُحكى عن تعويضات مجمّدة لها، بينما البطريرك الماروني بطرس صفير نفسه أكّد أنّ اعتماد هذا الفصل هو تهديد للسلم الأهلي، وزاد عليه كثيرون من العاقلين بأنّه تخلّ عن السيادة والاستقلال.‏

وهذا ما يؤكّد بما لا يقبل الشكّ بأنّ "الشباطيين" فشلوا في مسعاهم "الاستقلالي" بوضع لبنان تحت الانتداب الدولي لأنّهم لا يبحثون عن قتلة الحريري، وإنّما عن السماح لدول الوصاية بكيفية استثمار ذلك.‏

ثانياً: ممارسة "الشباطيين" لعادتهم السيّئة والمأخوذة من منطق ميليشياوي بحت، في الترهيب والتهويل للقبول بالمحكمة، وإذا لم يقبل المرء بها، اتهم بأنّه ضدّ كشف قتلة الحريري، ويقف في صفّ المساومين على دمه، وهذا ينافي الحقيقة، لأنّ المعارضة تطالب بمناقشة نظام المحكمة والأخذ بملاحظاتها القانونية منعاً للتسييس والاستغلال الدولي في مآرب خطيرة.‏

ثالثاً: روّج هؤلاء بأنّ الرئيس الفرنسي جاك شيراك لن يغادر "قصر الإليزيه" ولن ينهي ولايته الرئاسية الثانية و"الثقيلة" يوم الثلاثاء في 8 أيار/ مايو من العام 2007 إلاّ وقرار المحكمة في جيبه، ويكون قد اطمأنّ إلى أنّ المحكمة أقرّت بحسب رؤيته وتصوّره ولو على حساب الحقيقة المتوخاة، وكأنّه أحرص من اللبنانيين أنفسهم على دماء الحريري، ولكنّ المدّة الزمنية الفاصلة تستبعد تحقيق هذا "الحلم الوردي" من دون حصول إجماع داخلي أولاً وأخيراً حول المحكمة، ويبدو بحسب المسار السياسي للأمور وجود صعوبة واستحالة، ما دام أنّ "الشباطيين" يرفضون "عقلنة" المحكمة استناداً إلى الأطر الدستورية اللبنانية.‏

رابعاً: إنّ مجلس الأمن الدولي وعلى الرغم من انحيازه للولايات المتحدة الأميركية، إلا أنّه ليس مسخّراً وخادماً لتنفيذ مصالح "الشباطيين"، فهو متصل بمصالح دولية ويتحرّك ضمن حلقتها الضيّقة جدّاً، ولن يفضّل إمارة وليد جنبلاط و"كانتون" سمير جعجع وما تدرّهما من "خَوت" و"خوّات" على العلاقات الإقليمية والدولية بين الدول الكبيرة والعريقة.‏

خامساً: إنّ وجود إجماع لبناني حول المحكمة يؤدّي إلى نتيجة واحدة وهي معرفة قتلة الحريري، أمّا التسييس وفق مصالح وأهواء بعض الدول والأطراف الداخلية، فإنه يمهّد الطريق أمام تواري الفاعل، وهو ما لن يُقبل به على الإطلاق.‏

سادساً: إنّ إقرار المحكمة قبل إلقاء القبض على القتلة يفرّغها من مضمونها، إذ كيف يعقل أن تُبنى محكمة في ملفّ خالٍ من أيّ موقوف حقيقي له علاقة وثيقة بالجريمة وغير معتقل سياسياً كما هو حال الضبّاط الأربعة؟ وهل يعقل أن تنشأ المحكمة لمحاكمة مجهول قبل توقيف الفاعل أو المشتبه به بعيداً عن الكيدية السياسية الموجودة حالياً التي أرساها المحقّق الألماني ديتليف ميليس؟‏

وقد قال أحد القضاة اللبنانيين المعنيين بملفّ التحقيق إنّه يرفض الإفراج عن الضبّاط الأربعة ما لم تُقرّ المحكمة لأنّ ذلك يعني عدم قيام المحكمة بحسب وجهة نظره المبنيّة على موقف سياسي مسبق يتعارض كلّياً والقانون.‏

إذاً فشلت قوى السلطة في دفع البلاد نحو هاوية الفصل السابع ومستتبعاته الانتحارية، ولم يعد من خلاص سوى بالعودة إلى الضمير ونيل إجماع لبناني داخلي على نظام المحكمة من أجل الحفاظ على دماء رفيق الحريري لئلاّ تذهب هدراً، بينما الفاعل يراقب من بعيد ضاحكاً وساخراً لنيله مرميين هما: اغتيال الحريري وما له من أهمية كبرى محلّية وعربية ودولية خسرها لبنان الذي كان يحتاج إليها كثيراً، وتجزئة لبنان إلى أقاليم وحروب لا تُبقي ولا تذر إلاّ الخراب.‏

علي الموسوي‏

الانتقاد/ العدد1211 ـ 20 نيسان/أبريل2007‏

2007-04-20